تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الفصل الرابع في الأحوال

وهي كيفيات يحصل بها حسن التشبيه وقبحه, وقبوله ورده. أما أحوال الحسن فعلى وجوه: أحدها: أن يكون سليما من الابتذال لا تستعمله العامة. كقولهم في السواد كالفحم, وفي البياض كالثلج, لان تجدد صورة عند النفس أحب من مشاهدة معاد, ألا ترى أن الثمرة البالغة حد الكمال في النضج لا يرغب فيها رغبة الباكورة, والبدر التام لا يلتفت إليه التفات الهلال, والشمس في الشتاء أعز منها في الصيف, ولا يتجشم للأهل والأقارب ما يتجشم للضيف.

الثاني: أن يكون أدراك وجه الشبه فيه مرتفعا عن أذهان العامة, كقول فاطمة الأنمارية في بنيها الكملة, وهم, ربيع الكامل, وعمارة الوهاب, وقيس الحفاظ, وأنس الفوارس أولا زياد العبسي -وقد سئلت أيهم أفضل- فقالت: عمارة؛ لا؛ بل أنس؛ لا؛ ثم قالت: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل؛ وهم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها؛ أي هم متناسبون في الفضل, يمتنع تعيين بعضهم فاضلا, وبعضهم أفضل منه. كما أن الحلقة المفرغة متناسبة الأجزاء في الصورة؛ يمتنع تعيين بعضها طرفا وبعضها وسطا؛ لكونها مفرغة مصمتة الجوانب. فوجه الشبه في هذا التشبيه (وهو التناسب) لا يدركه إلا الخاصة الذين ارفعوا عن طبقة العامة.

الثالث: أن يكون التشبيه بعيدا غريبا لا يدرك في بدء الفكر. أما لندور حضور المشبه به عند حضور المشبه كما مر من تشبيه البنفسج بنار الكبريت, أو مطلقا لكونه وهميا كتشبيه نصال السهام بأنياب الأغوال, أو مركبا عقليا كتشبيه مثل أحبار اليهود بمثل الحمار يحمل أسفارا, أو لقلة تكرره على الحس كقوله (والشمس كالمرآة في كف الأشل) فإن المرآة في كف الأشل قليل التكرار على الحس, بل ربما يقضي الرجل دهره ولا يتفق له أن يرى مرآة في يد الأشل.

ولهذا كان قول الصنوبري:

وكأن أجرام النجوم لوامعادرر نثرن على بساط أزرق

أفضل من قول ذي الرمة:

كحلاء في برج صفراء في دعجكأنها فضة قد مسها ذهب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

لأن الأول مما يندر وجوده, دون الثاني فإن الناس أبدا يرون في الصياغات فضة قد موهت بذهب, ولا يكاد يتفق أن يوجد درر قد نثرن على بساط أرزق.

وإما لكونه كثير التفصيل, كتشبيه المرآة بالشمس في كف الأشل, فإن وجه التشبيه فيه هو الهيئة الحاصلة من الاستدارة, مع الإشراق والحركة السريعة المتصلة, مع تموج الإشراق واضطرابه, حتى يرى الشعاع كأنه يهم بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة, ثم يبدو له فيرجع إلى الانقباض وهذه الهيئة لا تقع في نفس الرائي للمرآة الدائمة الانقباض إلا بعد أن يستأنف تأملا, ويكون في نظره متمهلا, فالغرابة في هذا التشبيه من وجهين: أحدهما: قلة تكرار المشبه به على الحس.

والثاني: كثرة التفصيل في وجه الشبه.

والمراد بالتفصيل أني يعتبر في الأوصاف وجودها أو عدمها, أو وجود بعضها وعدم بعضها, كل من ذلك من أمر واحد, أو أمرين أو ثلاثة أو أكثر.

ويقع على وجوه كثيرة أعرفها وأبلغها وجهان: أحدهما: أن تأخذ بعضا من الأوصاف وتدع بعضا.

كما في قول امرئ القيس:

حملت ردينيا كأن سنانهسنا لهب لم يتصل بدخان

ففصل السنا عن الدخان وأثبته مجردا.

والثاني: أن يعتبر الجميع.

كما في قول الآخر:

وقد لاح في الصبح الثريا كما ترىكعنقود ملاحية حين نورا
للشاعر صيفي بن الأسلَت، اقرأ القصيدة

فانه اعتبر من الأنجم الشكل والمقدار, واجتماعها على المسافة المخصوصة في القرب, ثم اعتبر مثل ذلك في العنقود المنورة من الملاحية -وهي بضم الميم- وهي عنب أبيض في حبه طول.

وكلما كان التركيب من أمور أكثر كان التشبيه أبعد وأبلغ, كقوله تعالى "إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس" فإنها عشر جمل فصلت. وهي وإن دخل بعضها في بعض حتى صارت كلها كأنها جملة واحدة, فإن ذلك لا يمنع من أن تشير أليها واحدة واحدة, ثم إن التشبيه منتزع من مجموعها من غير أن يكون فصل بعضها عن بعض, حتى لو أخذت منها جملة أخل ذلك بالمغزى من التشبيه.

ومن أبلغ الاستقصاء في التفصيل وعجيبه قول ابن المعتز:

كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجىنطير غرابا ذا قوادم جون
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «صحوت ولكن بعد أي فتون»

شبه ظلام الليل حين يظهر فيه ضوء الصبح بأشخاص الغربان, ثم شرط أن يكون قوادم ريشها أيضاً, لأن تلك الفرق من الظلمة تقع حواشيها من حيث يلي معظم الصبح وعموده لمع نور يتخيل منها في العين كشكل قوادم بيض. وتمام التدقيق في هذا التشبيه, أن جعل ضوء الصبح لقوة ظهوره ورفعه ظلام الليل, كأنه يحفز الدجى ويتسعجلها, ولا يرضى منها بأن تتمهل في حركتها, ثم لما راعى ذلك في التشبيه ابتداء راعاه آخرا, حيث قال (نطير غرابا) ولم يقلك غراب يطير نحوه, لأن الطائر إذا كان واقعا في مكان فازعج وأطير منه, أو كان قد حبس في يد أو قفص فارسل كان لا محالة أسرع لطيرانه, وأدعى له أن يستمر على الطيران حتى يصير إلى حيث لا تراه العيون, بخلاف ما إذا طار عن اختيار, فانه يجوز أن لا يسرع في طيرانه وإن يصير إلى مكان قريب من مكانه الأول.

وإذا قد تحققت ما ذكرنا في التفصيل علمت أن قول امرئ القيس في وصف السنان أعلى طبقة من قول الآخر:

يتابع لا يبتغي غيرهبأبيض كالقبس الملتهب

لخلو هذا من التفصيل الذي تضمنه قول امرئ القيس, وهو قصر التشبيه على مجرد السنا, وتصويره مقصورا عن الدخان, ومعلوم أن هذا لا يقع في الخاطر أول وهلة, بل لا بد فيه من أن يثبت وينظر في حال كل من الفرع والأصل حتى يقع في النفس أن في الأصل شيئا يقدح في حقيقة التشبيه, وهو الدخان الذي يعلو رأس الشعلة.

وكذا قول بشار:

كأن مثار النقع فوق رؤوسناوأسيافنا ليل تهاوت كواكبه

أعلى طبقة من قول أبي الطيب:

يزور الأعادي في سماء عجاجةأسنته في جانبيها الكواكب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لأي صروف الدهر فيه نعاتب»

وقول الآخر:

تبني سنابكها من فوق أرؤسهمسقفا كواكبه البيض المباتير
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة

لأن كل واحد منهما وإن راعى التفصيل في التشبيه فانه اقتصر على أن أراك لمعان السيوف في أثناء العجاجة, بخلاف بشار, فانه لم يقتصر على ذلك بل عبر عن هيئة السيوف وقد سلت من أغمادها وهي تعلو وترسب وتجئ وتذهب, وهذه الزيادة زادت التفصيل تفصيلا, لأنها لا تقع في النفس إلا بالنظر إلى أكثر من جهة واحدة, وذلك أن للسيوف في حال احتدام الحرب, واختلاف الأيدي فيها للضرب اضطرابا شديدا, وحركات سريعة ثم لتلك الحركات جهات مختلفة وأحوال تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة والارتفاع والانخفاض, ثم هي باختلاف هذه الأمور تتلاقى وتتداخل ويصدم بعضها بعضا, ثم أشكالها مستطيلة, فنبه على هذه الدقائق بكلمة واحدة هي قوله (تهاوى) فإن الكواكب إذا تهاوت اختلفت جهات حركاتها, وكان لها في تهاويها تدافع وتداخل, ثم إنها بالتهاوي تستطيل أشكالها.

وأبلغ التشبيه ما كان من هذا النوع لغرابته, ولان نيل الشيء بعد طلبه والاشتياق إليه ألذ, وموقعه من النفس ألطف, وبالمسرة أولى, ولهذا ضرب المثل لكل ما لطف ببرد الماء على الظماء.

كما قال:

وهن ينبذن من قول يصير بهمواقع الماء من ذي الغلة الصادي

لا يقال عدم الظهور ضرب من التعقيد, والتعقيد مذموم, لانا نقول التعقيد له سببان: سوء ترتيب الألفاظ, واختلال الانتقال من المعنى الأول إلى المعنى الثاني الذي هو المراد باللفظ, وهذا هو المذموم المردود. والمراد بعدم الظهور في التشبيه ما كان سببه لطف المعنى, ودقته, أو ترتيب بعض المعاني على بعض, كما يشعر بذلك قولنا في بدء الفكر, فإن المعاني الشريفة قلما تنفك عن بناء ثان على أول, ورد تال إلى سابق. ألا ترى إلى قوله ﵌ (إن من الشعر لحكمة, وإن من البيان لسحرا) فمن الذي بأول وهلة ينفذ السحر, ويهجم على حكمة الشعر؟ ثم هل شيء أحلى من الفكر إذا صار فيه نهجا قويما وطريقا مستقيما يوصل إلى المطلوب ويظفر بالمقصود؟.

الرابع: من وجود الحسن, أن يكون المشبه به معقولا, والمشبه محسوسا, لما تقدم من أن وجهه أن يقدر المعقول محسوسا, ويجعل كالأصل في ذلك المحسوس على طريقة المبالغة, وذلك لا يخلو من غرابة وبعد تناول.

وما أحسن قول أبي نواس في هذا النوع:

وندمان سقيت الراح صرفاوسر الليل منسدل السجوف
صفت وصفت زجاجتها عليهاكمعنى دق في ذهن لطيف
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وندمان سقيت الراح صرفا»

ولمؤلفه عفا الله عنه من أبيات:

رقت فلولا الكأس لم تبصر لهاجسما ولم تلمس براحة لامس
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «قم هاتها في جنح ليل دامس»
فكأنها عند المزاج لطافةوهم يخيله توهم هاجس
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «قم هاتها في جنح ليل دامس»

وقال الآخر:

كأن القلب والسلوان ذهنيلوح عليه معنى مستحيل
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «عليل شاقه نفس عليل»

وقال جحظة البرمكي:

ورق الجو حتى قيل هذاعتاب بين جحظة والزمان
للشاعر أبو بكر الشبلي، اقرأ القصيدة

وإلى هذا البيت أشار من قال: بيننا عتاب لحظة, كعتاب جحظة.

وقال ابن الهبارية:

كم ليلة بت مطويا على شجنأشكوا إلى النجم حتى كاد يشكوني
والصبح قد مطل الشرق العيون بهكأنه حاجة في نفس مسكين
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة

وقال أبو القاسم أسعد بن إبراهيم:

تنفس الصهباء في لهواتهكتنفس الريحان في الآصال
كأنما الخيلان في وجناتهساعات هجر في زمان وصال

وهو من قول الآخر:

أسفر ضوء الصبح في وجههفقام خال الخد فيه بلال
كأنما الخال على خدهساعة هجر في زمان الوصال

والأصل في هذا المعنى قول المعتمد بن عباد:

أكثرت هجرك غير أنك ربماعطفتك أحيانا علي أمور
فكأنما زمن التهاجر بينناليل وساعات الوصال بدور
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أكثرت هجري غير أنك ربما»

وقال ابن طباطبا:

كأن انتصار البدر من تحت غيمةنجاة من البأساء بعد وقوع
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة

وزعم بعضهم ان هذا أعلى مراتب التشبيه طبقة, لأنه يفتقر إلى لطف ذوق, وسلامة فطرة, وصحة تخيل, فهو صعب على من يرومه, متقاعس عمن جذب إليه زمامه.

الخامس: أن يكون مستحلى عند الذوق, تهش النفس عند سماعه, ويميل الطبع إليه.

كقول القائل في الورد:

كأنه وجنة الحبيب وقدنقطه عاشق بدينار

وقول ابن المعتز:

على عقار صفراء تحسبهاشيبت بمسك في الدن مفتوت
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «قد جمع الحسن والملاحة »
للماء فيها كتابة عجبكمثل نقش في فص ياقوت
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «قد جمع الحسن والملاحة »

وقوله في الهلال:

أنظر إليه كزورق من فضةقد أثقلته حمولة من عنبر

وقول بان طباطبا:

أما والثريا والهلال جلتهمالي الشمس إذ ودعت كرها نهارها
كأسماء إذ زارت عشاء وغادرتدلالا لدينا قرطها وسوارها

وإذا علم أحوال الحسن, علم أحوال خلافه بالتقابل, فيقابل السليم عن الابتذال المبتذل العامي كما مر من تشبيه السواد بالفحم والبياض بالثلج ويقابل ما ارتفع عن أذهان العامة إدراك وجهه ما هو ظاهر يدركه كل أحد نحو زيد كالأسد, ويقابل البعيد القريب المبتذل, كتشبيه العنبة الكبيرة السوداء بالإجاصة في الشكل والمقدار, والجرة الصغيرة بالكوز كذلك. وهذا يقابل الخامس أيضاً وهو تشبيه المحسوس بالمعقول, لأن وجه الحسن فيه غرابته وبعد تناوله, لا تشبيه المعقول بالمحسوس, ويقابل المستحلى عند الذوق المكروه الذي ينفر عنه الطباع.

كقول النابغة:

نظرت إليك بحاجة لم تقضهانظر المريض إلى وجوه العواد
للشاعر موسى بن حسين بن شوال، اقرأ القصيدة

فان الأصمعي عاب عليه هذا التشبيه بين يدي الرشيد فقال: يكره تشبيه المحبوب بالمريض.

وقول أبي محجن الثقفي:

ترجع العود أحيانا وتخفضهكما يظن ذباب الروضة الغرد

فانه ما زاد على أن شبه هذه المطربة بالذبابة.

وقول جعفر المصحفي:

صفراء تطرق في الزجاج فإن سرتفي الجسم دبت مثل صل لاذع
للشاعر الحاجب المصحفي، اقرأ القصيدة

قال الثعالبي: لم يحسن في تشبيه دبيب الخمر في جسم شاربها بدبيب الحية اللاذعة, بل تباغض, ومن يعجبه دبيب الحية في جسمه؟.

قلت: وأين هو عن قول أبي نواس:

وتمشت في مفاصلهمكتمشي البرء في السقم

ومثله قول ابن عون في الخمرة الممزوجة:

وتزيد من تيه عليه كأنهاعزيزة خدر قد يحبطها المس

فان بشاعة هذا التشبيه مما تنفر عنه الطباع, ومن الذي يطيب له أن يشرب شيئا يشبه زبد المصروع.

قالوا: ومن التشبيه المستبشع قول الآخر:

أن شقائق النعمان فيهثياب قد روين من الدماء

فإن الثياب المضرجة بالدماء مما تعاف الأنفس رؤيتها.

وانتقدوا على الحاجري قوله:

وما اخضر ذاك الخد نبتا وإنمالكثرة ما شقت عليه المرائر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أما والذي تبلى لديه السرائر»

فان شق المرائر على خد المحبوب مما تشمئز منه القلوب. قالوا: ما زاد على أن جعل خد محبوبه مسلخا.

وما اكتفى الآخر بشق المرائر على خد محبوبه حتى سفك عليها الدماء فقال:

وما احمر ذاك الخد واخضر فوقهعذارك إلا من دم ومرائر

وما أحسن قول الصنوبري في شق المرارة:

أتت في لباس لها أخضركما لبس الورق الجلناره
فقلت لها ما اسم هذا اللباس فأدت جوابا لطيف العبارة
شققنا مرارة قوم بهفنحن نسميه شق المراره

هذا إذا لم يكن الغرض من التشبيه التشويه والتنفير. أما إذا كان غرض المتكلم التنفير فلا يستهجن ذلك, وكذلك إذا كان الغرض الهجو فانه لا يستهجن فيه ما يستهجن في الغزل.

كما قال الثعالبي في قول الرقي:

لقد جل حظي في التي رق خصرهاوأسهر جفني جفنها وهو نائم
إذا كان أصداغ الخدود عقاربافإن ذوابات الرؤوس أراقم

هذا البيت صعب عندي إذ جمع بين العقارب والحيات في الغزل, والطبع يأنف منها, ولو كان في الهجاء كان جيدا.

كما قال ابن الرومي في هجاء قينة:

فقرطها بعقرب شهرزورإذا غنت وطوقها بأفعى
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «إذا ما شنطف نكهت أماتت»

وأما أحوال القبول فهي أن يكون التشبيه وافيا بأداء الأغراض المتقدم ذكرها, بان يكون المشبه به أعرف بالوجه إذا قصد بيان حال المشبه, ومع العلم به مساويا له إذا قصد بيان مقداره, ومسلم الحكم إذا قصد بيان إمكان وجوده, وأتم معنى فيه إذا أريد زيادة التقرير, أو إلحاق الناقص بالكامل, أو قصد الترغيب أو التعبير, ونادر الحضور إذا قصد غرابته واستطرافه كما مر. والمردود بخلافه.

قال الزنجاني: ومن فساد التشبيه أن يكون منكوسا كقول الفرزدق:

والشيب ينهض في الشباب كأنهليل يصيح بجانبيه نهار

فذكر أن الشيب يبدو في الشباب, ثم ترك ما ابتدأ به, ووصف الشباب بأنه كالليل والذي تقتضيه المقابلة الصحيحة أن يقول: كمنا ينهض نهار في جانبي الليل. انتهى.

قلت: وقريب من ذلك قول الصلاح الصفدي في تشبيه إشراق القمر من خلال الأغصان:

كأنما الأغصان لما انثنتأمام بدر التم في غيهبه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «كأنما الأغصان لما انثنت»
بنت مليك خلف شباكهاتفرجت منه على موكبه

قال البدر الدماميني: ظاهر عبارته تشبيه الأغصان في حالة انثنائها أمام البدر في الدجى ببنت مليك تطل من شباكها للنظر في موكب أبيها, وذلك عن مظان التشبيه بمعزل, ومقصوده أن البدر في حالة ظهوره من خلال الأغصان المنثنية على الصفة المذكورة, يشبه بنت مليك على تلك الحالة تمثيلا للهيئة الاجتماعية, لكن اللفظ لا يساعده على ذلك المطلوب, فانه جعل الأغصان مبتدأ وأخبر عنه بقوله: بنت مليك, فلم يتم له المراد.

على انه مع ما فيه مأخوذ من قول ابن قرناص الحموي:

وحديقة عناء ينتظم الندىبفروعها كالدر في الأسلاك
والبدر يشرق من خلال غصونهامثل المليح يطل من شباك

ومما عابوه من التشبيه قول ابن وزير في تشبيه الماء الجاري على الرخام:

لله يوم بحمام نعمت بهوالماء ما بيننا من حوضه جار
كأنه فوق شفاف الرخام ضحىماء يسيل على أثواب قصار

وإياه عنى ابن الذروي بقوله:

لشاعر أوقد الطبع الذكاء لهفكاد يحرقه من فرط الذكاء
أقام يجهد أياما قريحتهفشبه الماء بعد الجهد بالماء

وبلغ الآخر من السخافة أقصى غاياتها حيث قال:

كأننا والماء من حولناقوم جلوس حولهم ماء

وقد يتصرف في التشبيه القريب المبتذل بما يجعله غريبا, ويخرجه من الابتذال, كقول أبي الطيب:

لم تلق هذا الوجه شمس نهارهاإلا بوجه ليس فيه حياء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

فان تشبيه الوجه الحسن بالشمس قريب مبتذل, لكن حديث الحياء أخرجه نم الابتذال إلى الغرابة, لاشتماله على زيادة دقة وخفاء.

ومثله قول الآخر:

إن السحاب لتستحي إذا نظرتإلى نداك فقاسته بما فيها
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة

وكقول رشيد الدين الوطواط:

عزماته مثل النجوم ثواقبالو لم يكن للثاقبات أفول

وقول البديع الهمذاني:

وكاد يحكيك صوب الغيث منسكبالو كان طلق المحيا يمطر ذهبا
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «علي أن لا أريح العيش والقتبا»
والبدر لو لم يغب والشمس لو انطلقتوالأسد لو لم تصد والبحر لو عذبا

فان الشروط المذكورة أخرجت التشبيهات المبتذلة إلى الغرابة. وهذا يسمى التشبيه المشروط, وقد يتصرف في القريب الإجمالي بما يخرجه إلى الغريب التفصيلي.

كقول ابن بابك:

ألا يا رياض الحزن من أبرق الحمىنسيمك مسروق ووصفك منتحل
حكيت أبا سعد فنشرك نشرهولكن له صدق الهوى ولك الملل

فان تشبيه نشر الرياض بنشر الممدوح قريب إجمالي, ولكن ادعاء كونه مسروقا من نشر الممدوح, والاستدراك المذكور, أخرجه إلى الغرابة والتفصيل.

ومثله قول الآخر:

فو الله ما أدري أزهر خميلةبطرسك أم در يلوح على نحر
فإذا كان زهرا فهو صنع سحابةوإن كان درا فهو من لجة البحر

فإذا نظرت إلى تشبيه الخط الحسن بالزهر والدر, كان قريبا إجماليا, وإذا قيد بقوله: خميلة, المفيدة لنضارة الزهر الموجبة لزيادة الحسن, وقوله: على نحر, المفيد لملاحظة بياض الطرس خرج إلى الغرابة والتفصيل, لكن يقرب تعاطيها, فإذا أخذ معهما معنى حسن التحليل الذي يلوح من قوله: صنع سحابة, ولج البحر, بعدا وزاده في الحسن.

وقد يعتبر الحسن بالجمع بين عدة تشبيهات, وإن كان كل واحد منها منفردا غير مستحق للتحسين, لأن الواحد منها قد يسبق إليه كل ذهن, وأما الجمع بينها فيتوقف على فكر وهو على نوعين: أحدهما, أن يؤتى لمشبه واحد بتشبيهات كثيرة كقول البحتري:

كأنما يبسم عن لؤلؤمنضد أو برد أو أقاح

الثاني, أن تؤخذ أعضاء أو أحوال الشخص, فيشبه كل منها بشيء على الترتيب كقول ابن سكرة:

أنا من خده وعينيه والثغر ومن ريقه البعيد المرام
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة
بين ورد ونرجس وتلاليأقحوان وبابلي المدام
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.