تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

تشبيه شيئين بشيئين

شيئان شبههما شيئان منه لنانداه في المحل مثل البرء في السقم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

هذا النوع عبارة عن أن يأتي المتكلم بشيئين, ويقابلهما بشيئين لأجل التشبيه, وهو على نوعين: أحدهما, أن يكون المقصود تشبيه كل جزء من جزء أحد طرفي التشبيه بما يقابله من الطرف الآخر.

كقول امرئ القيس:

كأن قلوب الطير رطبا ويابسالدى وكرها العناب والحشف البالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

شبه الرطب والطري من قلوب الطير بالعناب, واليابس بالحشف البالي. وليس تحت هذا أمر كبير, إذ ليس لاجتماعهما هيئة مخصوصة يعتد بها ويقصد تشبيهها, ولذا قال الشيخ في أسرار البلاغة: إنه إنما يستحق الفضيلة من حيث اختصار اللفظ وحسن الترتيب فيه, لا لأن للجمع فائدة في عين التشبيه.

الثاني, أن يكون المقصود تشبيه هيئة حاصلة من مجموع جزئي أحد الطرفين بالهيئة الحاصلة من مجموع الطرف الآخر وإن كان الظاهر فيه تشبيه شيئين بشيئين, وهذا النوع هو الذي تعقد عليه الخناصر, ويعز وقوعه, لا مطلق تشبيه شيئين بشيئين, كما يقتضيه إطلاق شراح البديعيات, وهو على قسمين: أحدهما, ما يكون بحيث يحسن تشبيه كل جزء من جزئي أحد طرفيه بما يقابله من الطرف الآخر كقوله:

وكأن أجرام النجوم لوامعادرر نثرن على بساط أزرق

فانك لو قلت: كأن النجوم درر, وكأن السماء بساط أزرق, كان تشبيها مقبولا حسنا, ولكن أين هو من المقصود من التشبيه وهو الهيئة التي تملأ القلوب سرورا وعجبا من طلوع النجوم صغارها وكبارها, مؤتلفة ومفترقة في أديم السماء وهي زرقاء رزقتها الصافية.

الثاني, ما لا يكون بهذه الحيثية.

كقول القاضي:

أنما المريخ والمشتريقدامه في شامخ الرفعه
منصرف بالليل عن دعوةقد أسرجت قدامه شمعه
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

فانك لو قلت: كأن المريخ منصرف بالليل عن دعوة, وكأن المشتري شمعة, لم يكن شيئا, إذ المقصود تشبيه الهيئة الحاصلة من المريخ حال كون المشتري أمامه بالهيئة الحاصلة من المنصرف عن الدعوة مسرجا الشمعة قدامه.

وإلى هذا أشار صاحب الكشاف حيث قال: أن العرب تأخذ شيئاً فرادى معزولا بعضها عن بعض وتشبهها بنظائرها, وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامت وتلاءمت وتلاصقت, حتى عادت شيئا واحدا بأخرى مثلها. وهذا النوع يسميه أرباب البيان: تشبيه المركب بالمركب, وإنما أطلق عليه البديعيون: تشبيه شيئين بشيئين, باعتبار تعدد طرفيه.

حكي عن بشار أنه قال: ما زلت منذ سمعت قول امرئ القيس يصف العقاب:

كأن قلوب الطير رطبا ويابسالدى وكرها العناب والحشف البالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

لا يأخذني الهجوع حسدا له, إلى أن نظمت في وصف الحرب قولي:

كأن مثار النقع فوق رؤوسناوأسيافنا ليل تهاوى كواكبه

وقد تقدم الكلام على هذا البيت في نوع التشبيهن ومرت لهذا النوع شواهد كثيرة هناك.

وبيت بديعية الصفي قوله:

تلاعبوا تحت ظل السمر من مرحكما تلاعبت الأشبال في الأجم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع.

وبيت بديعية العز الموصلي قوله:

شيئان تشبيه شيئين أتنبه لهماحلم وجهل هما كالبرء والسقم

الشيخ عز الدين جهل في هذا التشبيه جهلا لا يسعه حلم, فانه وقع في القصيدة من جملة المديح النبوي, وفيه الإيهام القبيح ما لا يخفى. نعوذ بالله من آفة الغفلة.

وبيت بديعية ابن حجة:

شيئان قد أشبها شيئين فيه لناتبسم وعطا كالبرق في الديم

وبيت بديعية المقري قوله:

تراه في جيشه كالبدر في شهببالبلق قد جال في الهيجاء بالدهم

وبيت بديعية السيوطي قوله:

شيئان قد أشبها شيئين منه علىوجه وشعر كمثل البدر في الظلم

وبيت بديعية العلوي قوله:

فحوصه ولواه شافيان كماقدما شفى كفه والنفث من ألم

وبيت بديعية الطبري قوله:

تشبيه شيئين بالشيئين فيه هماالنور والفيض مثل البدر والديم

وبيت بديعيتي قولي:

شيئان شبههما شيئان منه لنانداه في المحل مثل البرء في السقم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.