تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الإشارة

درى إشارة من وافاه مجتديافجاد ما جاد مرتاحا بلا سأم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

هذا النوع من مستخرجات قدامة. وهو عبارة عن أن يشير المتكلم إلى معان كثيرة بكلام قليل يشبه الإشارة باليد. فإن المشير بيده يشير دفعة واحدة إلى أشياء لو عبر عنها لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة.

ومن شواهدها في الكتاب العزيز قوله تعالى "وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين". قال بعضهم: جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلق كلهم على وصف ما فيها على التفصيل لم يخرجوا عنه. وقوله تعالى "أخرج منها ماءها ومرعيها" دل بهاتين الكلمتين على جميع ما أخرجه من الأرض, قوتا ومتاعا للأنام, من العشب والشجر والحب والثمر, والعصف والحطب واللباس, والنار والملح. لأن النار من العيدان, والملح من الماء. وقوله تعالى "فأصدع بما تؤمر". قال ابن أبي الأصبع: المعنى: صرح بجميع ما أوحي إليك, وبلغ كل ما أمرت ببيانه وإن شق بعض ذلك على بعض القلوب فانصدعت كالزجاجة.

والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصريح في القلوب, فيظهر ذلك على ظاهر الوجوه من التقبض والانبساط, ويلوح عليها من علامات الإنكار والاستبشار كما يظهر على ظاهر الزجاجة المصدوعة. فانظر إلى جليل هذه الاستعارة وعظم أيجازها, وما انطوت عليه من المعاني الكثيرة.

وقد حكي: إن بعض الأعراب لما سمع هذه الآية سجد وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام. انتهى.

وقوله تعالى "فغشيهم من اليم ما غشيهم" أي غشي آل فرعون وجنوده من البحر ما لا يدخل تحت العبارة, ولا يحيط به إلا علم الله تعالى من العذاب, والهلاك, والغضب والانتقام, والاستئصال إلى غير ذلك. دل على ذلك كله كلمة (ما) في قوله (ما غشيهم). ومثل ذلك قوله تعالى "فأوحى إلى عبده ما أوحى".

ومن الشعر قول امرئ القيس:

على هيكل يعطيك قبل سؤالهأفانين جري غير كز ولا وان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»

فانه أشار بقوله: أفانين جري, إلى جميع صنوف عدو الخيل المحمودة التي لو عبر عنها لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة, واحترز بنفي الكزوزة والونى من الحران, والجمام والعثور.

وقوله:

تظل لنا يوم لذيذ بنعمةفقل في مقيل نحسه متغيب

فدل باليوم اللذيذ على جميع ما احتوى عليه من المآكل والمشارب اللذيذة, والملاذ السماعية, وسرور النفس والارتياح, إلى غير ذلك مما لا يتسع له الحصر. وكذا في قوله: تحسه متغيب, من ذهاب الغموم والهموم, والمكاره والمخاوف ونحو ذلك.

وبيت بديعية الصفي قوله:

يولي الموالين من جدوى شفاعتهملكا كبيرا عدا ما في نفوسهم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

قال في شرحه: الإشارة فيه قوله: ملكا كبيرا.

ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.

وبيت بديعية العز الموصلي قوله:

ما تشتهي النفس يهدى في إشارتهتعطى فنونا بلا من ولا سأم
للشاعر عز الدين الموصلي، اقرأ القصيدة

وبيت بديعية المقري قوله:

محرم قعدة لا في ربيع ندىأصب ما فيه لم يخطر على الهمم

قال في شرحه: الإشارة فيه قوله: ما فيه لم يخطر على الهمم.

وبيت بديعية السيوطي قوله:

يا أكرم الرسل يا من في إشارتهحوز المنى وبلوغ القصد من أمم

وبيت بديعية العلوي قوله:

يفيد بعض نوال أمتهعزاً وذاماً عظيماً غير منصرم

وبيت بديعية الطبري قوله:

حوى فصائل لا حد يشار لهابه فيفصح عنه واصف بفم

وبيت بديعيتي قولي:

درى إشارة من وافاه مجتدياًفجاد ما جاد مرتاحا بلا سأم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

الإشارة فيه قولي: فجاد ما جاد, على حد قوله تعالى "فأوحى إلى عبده ما أوحى" و"فغشيهم من أليم ما غشيهم" والله أعلم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.