تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

المشاكلة

يجزي العداة بعدوان مشاكلةوالفضل بالفضل ضعفا في جزائهم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

المشاكلة في اللغة: المشابهة والموافقة, وفي الاصطلاح: ذكر الشيء بلفظ غيره, لوقوعه في صحبته تحقيقا أو تقديرا.

فالأول: كقوله تعالى "وجزاء سيئة سيئة مثلها" فإن الثانية لكونها حقة لا تكون سيئة, لكن لوقوعها في صحبة الأولى عبر عنها بالسيئة. وقوله تعالى "تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك" أي تعلم ما أخفيه من معلوماتك فلما عبر عن الأول بما في نفسي, عبر عن الثاني بما في نفسك مشاكلة, لأن الحق تعالى وتقدس لا يستعمل في حقه لفظة النفس.

وقول الشاعر:

قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخةقلت اطبخوا لي جبة وقميصا

ذكر خياطة الجبة بلفظ الطبخ لوقوعها في صحبة الطعام, ولا يلزم تقديم الصاحب لمجيئه متأخرا, كقوله ﵇ (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ فعليكم من الأعمال بما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا) فعبر عن قطع الثواب بالملل لوقوعه في صحبته وهو متأخر عنه.

وقول أبي تمام:

من مبلغ أفناء يعرب كلهاإني بنيت الجار قبل المنزل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «بوأت رحلي في المراد المبقل»

فبناء الجار إنما سوغه بناء المنزل وهو متأخر عنه.

وأحسن ما اعتذر به عن قول أبي تمام:

لا تسقني ماء الملام فإننيصب قد استعذبت ماء بكائي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قدك اتئب أربيت في الغلواء»

انه من هذا الباب, وإن إثبات الماء للملام بمشاكلة ماء البكاء المتأخر عنه.

واستشهد كثير لهذا النوع بقول ابن كلثوم:

ألا لا يجهلن أحد علينافنجهل فوق جهل الجاهلينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

قالوا: سمى جزاء الجهل جهلا مشاكلة. واعترض بأنه إنما كان جهلا للزيادة على جهل الأول, فهو أيضاً جاهل متعد كالأول, وغاية ما يمكن أن يقال في جوابه: إن الزيادة على جهل الظالم في مكافأة ظلمه ليس ظلما في اعتقاد الشاعر, لأن الجهل عنده ما لا يكون له سبب يحال عليه عادة, والأول كذلك, وأما الثاني وإن زاد فيصح أن يحال على الأول.

والثاني: وهو ما يكون وقوعه في صحبة غيره تقديرا, كقوله تعالى "صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون" فقوله: صبغة الله, مصدر مؤكد منتصب عن قوله: آمنا بالله, لأن الإيمان يطهر النفوس, فعبر عن الإيمان بالصبغة وإن لم يقع في الصبغ. لأن سبب النزول دال عليه, وذلك أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون هو تطهير لهم, فعبر عن مقابله من تطهير القلوب بالإيمان بصبغة الله مشاكلة, لوقوعه في صحبة صبغة النصارى تقديرا وإن لم يذكر ذلك لفظا, وهذا كما تقول لمن يغرس الأشجار: اغرس كما يغرس فلان, تريد رجلا يصطنع الكرام ويحسن إليهم, فتعبر عن الاصطناع بلفظ الغرس للمشاكلة, وقرينة الحال, حيث كان مشغولا بالغرس وإن لم يكن له ذكر في المقال.

حكي أن فقيراً وقف على بعض الولاة وهو يغرس فسيلا فأنشده:

إن الولاية لا تدوم لواحدإن كنت تنكره فأين الأول
فاغرس من الفعل الجميل غرائسافإذا عزلت فإنها لا تعزل

وأرباب البديعيات إنما بنوا أبياتهم على النوع الأول, وهو ما يكون وقوعه في صحبة غيره تحقيقا لأنه الأشهر والأكثر في الاستعمال.

وبيت بديعية الصفي قوله:

يجزي إساءة باغيهم بسيئةولم يكن عاديا منهم على ارم

وبيت بديعية ابن جابر قوله:

سقاهم الغيث واستسقى لهم ذهبافغير كفيه إن أمحلت لا تشم

وبيت بديعية عز الدين الموصلي قوله:

يجزي بسيئة للضد سيئةمعنى مشاكلة من خير منتقم
للشاعر عز الدين الموصلي، اقرأ القصيدة

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

من اعتدى فبعدوان يشاكلهلحكمة هو فيها خير منتقم

وبيت بديعية المقري قوله:

يضاعف الأجر والحسنى ويردع عنظلم بظلم ويعفو عن كثيرهم

وبيت بديعية العلوي قوله:

إن الرحيم جزى بالسوء سيئةقطيعة العفو للأصحاب والرحم

وبيت بديعية الطبري قوله:

جازى بالإحسان إحسانا مشاكلةوألف اللفظ بالمعنى لملتئم

وبيت بديعيتي قولي:

يجزى العداة بعدوان مشاكلةوالفضل بالفضل ضعفا في جزائهم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.