تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

التصريع

كفاه نصرا على تصريع جيشهمرعب تراع له الآساد في الأجم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

التصريع عبارة عن استواء آخر جزء في صدر البيت وعجزه, في الوزن والروي والإعراب, ولا يعتبر فيه قاعدة العروضيين في الفرق بين المصرع والمقفى باصطلاحهم.

قال قدامه: الفحول والمجيدون من الشعراء, من القدماء والمحدثين, يجعلون قافية المصراع الأول من القصيدة مثل قافيتها, وربما صرعوا أبياتا أخر من القصيدة بعد البيت الأول, وذلك يكون من اقتداء الشاعر, وسعة تبحره.

كقول أوس بن حجر في قصيدة أولها:

ودع لميس وداع الصارم اللاحيقد فنكت في فساد بعد إصلاح
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «ودع لميس وداع الصارم اللاحي»

ثم أتى بأبيات أخر وقال:

إني أرقت ولم تأرق معي صاحيلمستكف بعيد النوم نواح
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «ودع لميس وداع الصارم اللاحي»

وقال ابن الأثير: التصريع ينقسم إلى سبع مراتب: الأولى: أن يكون كل مصراع مستقلا بنفسه في فهم معناه, ويسمى التصريع الكامل.

كقول امرئ القيس:

أفاطم مهلا بعض هذا التدللوإن كنت قد أزمعت صرما فأجملي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

الثانية: أن يكون الأول غير محتاج إلى الثاني, فإذا جاء, جاء مرتبطا به.

كقوله أيضاً:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلبسقط اللوى بين الدخول فحومل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

الثالثة: أن يكون المصراعان بحيث يصح وضع كل واحد منهما موضع الآخر.

كقول ابن الحجاج:

من شروط الصبوح في المهرجانخفة الشرب مع خلو المكان
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «من شروط الصبوح في المهرجان»

الرابعة: أن لا يفهم معنى الأول إلا بالثاني.

كقول أبي الطيب:

مغاني الشعب طيبا في المغانيبمنزلة الربيع من الزمان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

الخامسة: أن يكون التصريع بلفظة واحدة في المصراعين, ويسمى التصريع المكرر, وهو ضربان, لأن اللفظة إما متحدة المعنى في المصراعين.

كقول عبيد بن الأبرص:

فكل ذي غيبة يؤبوغائب الموت لا يؤب

وإما مختلفة المعنى لكونه مجازا كقول أبي تمام:

فتى كان شربا للعفاة ومرتعافأصبح للهندية البيض مرتعا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أصم بك الناعي وإن كان أسمعا»

السادسة: أن يكون المصراع الأول معلقا على صفة يأتي ذكرها في أول الثاني, ويسمى التعليق.

كقول امرئ القيس:

ألا أيها الليل الطويل إلا انجليبصبح وما الاصباح منك بأمثل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وهذا معيب جدا.

السابعة: أن يكون التصريع في أول البيت مخالفا لقافيته (ويسمى التصريع) المشطور.

كقول أبي النواس:

أقلني قد ندمت الذنوبوبالإقرار عذت من الجحود

فصرع بالباء, ثم قفاه بالدال. انتهى. ولا يخفى أن هذه خارجة عما نحن فيه.

وبيت بديعية الصفي قوله:

لاقاهم بكماة عند كرهمعلى الجسوم دروع من قلوبهم

ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع وبيت بديعية العز الموصلي قوله:

لا زال بالعزمات الغر والهمميصرع الضد بالتشطير للقمم

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

تصريع أبواب عدن يوم بعثهميلقاه بالفتح قبل الناس كلهم

وبيت بديعية المقري:

يسطو بكف يد كفت يد العدمتجلو الخطوب وتمحو البؤس بالنعم

وسيأتي بيتا بديعيتي السيوطي والطبري في نوع التصريع, فإنهما جمعا بين النوعين في بيت واحد.

وبيت بديعية العلوي قوله:

فاق النبيين في فضل وفي كرموفي فخار وفي عز وفي شيم

وبيت بديعيتي قولي:

كفاه نصرا على تصريع جيشهمرعب تراع له الآساد في الاجم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

مثل ضربة في الاستعمال, فجعل لها قافية مثل قافيته, ولوازم كلوازمه من الحروف والحركات, سمي البيت مقفى, وإن كان عروضه مخالفا لضربه في الاستعمال, فجعلت في البيت كالضرب, فيلزمها ما يلزم الضرب, سمي البيت مصرعا. وكل بيت مصرع فعروضه على زنة ضربه, أو على ما يجوز أن يكون ضربه عليه, وإذا لم يكن مقفى ولا مصرعا سمي مصمتا. والعروض آخر المصراع الأول من البيت, والضرب آخر المصراع الثاني منه, والله أعلم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.