من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
التقسيم
إن مد كفا لتقسيم النوال فهمما بين معطى ومستجد ومستلم
التقسيم في اللغة: التجزئة والتفريق, وفي الاصطلاح على نوعين: أحدهما: أن يذكر قسمة ذات جزئين أو أكثر, ثم يضيف إلى كل واحد من الأقسام ما يليق به.
كقول المتلمس:
ولا يقيم على ضيم يراد بهإلا الأذلان غير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمتهوذا يشج فلا يرثي له أحد
ذكر العير والوتد, ثم أضاف إلى الأول الربط مع الخسف, وإلى الثاني الشج.
وقول ربيعة الرقي:
لشتان ما بين اليزيدين في الندىيزيد سليم والأغر ابن حاتم
يزيد سليم سالم المال والفتىفتى الأزد للأموال غير مسالم
فهم الفتى الأزدي إتلاف مالهوهم الفتى القيسي جمع الدراهم
وقول أبي الفتيان ابن حيوس:
ثمانية لم تفترق مذ جمعتهافلا افترقت ما ذب عن ناظر شفر
يقينك والتقوى وجودك والغنىولفظك والمعنى وسيفك والنصر
الثاني: أن يتقصى تفصيل ما ابتدأ به, ويستوفي جميع الأقسام الذي يقتضيها ذلك المعنى, كقوله تعالى "هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا" إذ ليس في رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق والطمع في الغيث ولا ثالث لهذين القسمين, وقوله تعالى "الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم" استوفى جميع هيئات الذاكر, وقوله تعالى "يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكوراً, ويزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما" استوفى جميع أحوال المشروحين ولا خامس لها.
وكان الحسن البصري يقول: لا توبة لقاتل المؤمن متعمدا, فدس إليه عمرو بن عبيد رجلا وقال: قل له: لا يخلو من أن يكون مؤمنا أو كافرا أو منافقا (أو فاسقا). فإن كان مؤمنا, فإن الله سبحانه يقول "يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا", ويقول "توبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون", وإن كان كافرا فانه تعالى يقول "قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف", وإن كان منافقا فانه تعالى يقول "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا", وإن كان فاسقا فانه يقول "أولئك هم الفاسقون إلا الذين تابو".
فقال الحسن للرجل: من أين لك هذا؟ قال: شيء اختلج في صدري, قال: محال: أصدقني, فقال: عمرو بن عبيد, فقال عمرو وما عمرو, إذا قام بأمر قعد به, وإذا قعد بأمر قام به. ورجع عن قوله.
وحكي أنه قدم وفد من العراق على هشام بن عبد الملك وفيهم رجل من بني أسد, فقال: يا أمير المؤمنين, أصابتنا سنون ثلاث. أما الأولى فأذابت الشحم, وأما الثانية فنخست اللحم, وأما الثالثة, فهاضت العظم, وفي أيديكم فضول أموال, فإن كانت لله فبثوها في عباد الله, وإن كانت لهم فلا تمنعوهم إياها, وإن كانت لكم فتصدقوا إن الله يجزي المتصدقين.
فقال هاشم: ما ترك لنا في واحدة عذرا, ثم قال له: قد قلت في حاجة العامة فقل في حاجة نفسك, فقال: ما لي حاجة في خاصة دون عامة.
ولما ورد قتيبة من مسلم خراسان قال: بلغني أن لعبد الله بن حازم بهذه البلدة مالا فمن كان في يده شيء منه فلينبذه, ومن كان في فمه فليلفظه, ومن كان في صدره فلينفثه, فتعجبوا من حسن تفصيله.
ومثاله في الشعر قول نصيب:
فقال فريق الحي لا وفريقهمنعم وفريق قال ويحك لا ندري
وقول زهير:
وأعلم علم اليوم والأمس قبلهولكنني عن علم ما في غد عم
وقوله:
فإن الحق مقطعه ثلاثيمين أو شهود أو جلاء
وروي أن عمر لما سمع هذا البيت قال: لو أدركت زهيراً لوليته القضاء.
وقول الشماخ يصف صلابة سنابك الحمار:
متى ما تقع أرساغه مطمئنةعلى حجر يرفض أو يتدحرج
فليس في أقسام ما وطي الوطي الشديد إلا أن يوجد إما رخوا فيرفض, أو صلبا فيتدحرج.
وقول عمرو بن الأهتم:
اشربا ما شربتما فهذيلمن قتيل أو هارب أو أسير
وقول أبي تمام في مجوسي أحرق بالنار:
صلى لها حيا وكان وقودهاميتا ويدخلها مع الفجار
وقول الآخر:
ولا بد من شكوى إلى ذي مروءةيواسيك أو يسليك أو يتوجع
فان المشكو إليه إما أن يواسي الشاكي وهي الرتبة العليا, وإما أن يسليه وهي الرتبة الوسطى, وإما أن يتوجع وهي الرتبة السفلى.
وفساد التقسيم يكون إما بالتكرار كقوله:
فما برحت تومي إليك بطرفهاوتومض أحيانا إذا خصمها غفل
فتومي بطرفها وتومض متساويان في المعنى.
أو بدخول أحد القسمين في الآخر كقول عدي:
غير ما أن أكون نلت نوالامن نداها عفوا ولا مهنيا
فيجوز أن يكون العفو مهنيا وبالعكس.
وقول البحتري:
قف مشوقا أو مسعدا أو حزيناأو مغيثا أو عاذرا أو عذولا
قال ابن الأثير في المثل السائر: وهذا من فساد التقسيم, فإن المشوق يكون حزينا, والمسعد يكون مغيثا, وكذلك قد يكون المسعد عاذرا.
أو بترك بعض الأقسام كقول جرير:
صارت حنيفة أثلاثا فثلثهممن العبيد وثلث من مواليها
وقال بواب المأمون يوما للوقوف على الباب: كم تقفون على الباب؟ اختاروا واحدة من ثلاث: إما أن تقفوا ناحية الباب, وإما أن تجلسوا في المسجد, ثم سكت, فقالوا: فالخصلة الثالثة؟ فلم يحسن أن يثلث, فقال: جئتمونا بكلام الزنادقة؟. فحدث به المأمون فضحك وأمر له بألف درهم, وقال: لولا أنها نادرة جهل لاستحق بها أكثر.
وبيت بديعية الصفي قوله:
أفنى جيوش العدى غزوا فلست ترىسوى قتيل ومأسور ومنهزم
وبيت بديعية ابن جابر قوله:
عيثان أما الذي من فيض أنملهفدائم والذي للمزن لم يدم
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
تقسيمه الدهر يوما أمسه كغدفي الحلم والجود والأيفاء للذمم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
هداه تقسيمه حالي به صلحتحيا وميتا ومبعوثا مع الأمم
رأيت في شرح بديعية ابن حجة مكتوبا على الهامش بإزاء هذا البيت ما نصه: شكر الله فضل أبي تمام, وجزاه عن المصنف خيرا. انتهى. يشير إلى أن التقسيم فيه مأخوذ من بيت أبي تمام المقدم ذكره, وهو:
صلى لها حيا وكان وقودهاميتا ويدخلها مع الفجار
وبيت بديعية المقري قوله:
في الله أعطى وهل أبقت يد سمحتبالنفس والمال والأهلين والحشم
هذا البيت فيه فساد التقسيم, فإن الأهل يدخلون في الحشم. قال في القاموس: حشم الرجل: خاصته الذين يغضبون له من أهل, وعبيد, وجيرة, وهو عيالة والقرابة أيضاً. انتهى.
وبيت بديعية السيوطي قوله:
تقسيمه الخزي في الكفار يوم وغىقتلا وسبيا وتشريدا لمنهزم
وبيت بديعية العلوي قوله:
مرآه كالبرق ترجوه وترهبهوالقبض في كفه والبسط للاضم
وبيت بديعية الطبري قوله:
تقسيم آياته كالضب كلمهوالجذع حن ونبع الما لريهم
قال الشيخ صفي الدين في شرح بديعيته: اشترط البديعيون في التقسيم أن يستوفي أقسام القسمة, فلا يغادر منها قسما. انتهى. وعلى هذا فبيت الطبري خارج عن شرط البديعيين, لأنه لم يستوف أقسام الآيات.
وبيت بديعيتي قولي:
إن مد كفا لتقسيم النوال فهمما بين معطى ومستجد ومستلم
هذه الأقسام الثلاثة لا رابع لها, لأن العفاة عند مد الكف للعطاء, إما معطى, أو سائل, أو مستلم. لا يقال: قد يكون كل من هذه الأقسام داخلا في الآخر, لانا نقول: المراد في تلك الحالة الراهنة, فلا تداخل, والله أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع