تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

التكرار

تكرار قولي حلا في الباذخ العلم ابن الباذخ العلم ابن الباذخ العلم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

التكرار, وقد يقال: التكرير, فالأول اسم, والثاني مصدر من كررت الشيء: إذا أعدته مرارا, وهو عبارة من تكرير كلمة فأكثر باللفظ والمعنى لنكتة, ونكتة كثيرة:

منها التوكيد, كقوله تعالى "كلا سوف تعلمون, ثم كلا سوف تعلمون". فالتكرير تأكيد للردع والإنذار, فقوله: كلا: ردع وتنبيه, على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه أن يكون الدنيا جميع همه, وأن لا يهتم بدينه. وسوف تعلمون: إنذار, ليخافوا فينتبهوا من غفلتهم, أي سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه, إذا عاينتم ما قدامكم من هول لقاء الله. وفي الإتيان بلفظ (ثم) دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول, كما تقول لمن تنصحه, أقول لك: لا تفعل ثم لا تفعل, وذلك لأن أصل ثم للدلالة على تراخي الزمان, لكنها قد تجيء لمجرد التدرج في درج الارتقاء, من غير اعتبار التراخي والبعد بين تلك الدرج, ولا لأن الثاني بعد الأول في الزمان, وذلك إذا تكرر الأول بلفظ الأول نحو والله ثم والله. وكقوله تعالى "وما أدريك ما يوم الدين, ثم ما أدريك ما يوم الدين".

وقول كثير عزة:

فو الله ثم الله ما حل قبلهاولا بعدها مخلوقة حيث حلت

ومنها زيادة التنبيه على ما ينفى التهمة والإيقاظ من سنة الغفلة, ليكمل تلقي الكلام بالقبول, كما في قوله تعالى "وقال الذي آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد, يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع" فانه كرر فيه النداء لذلك.

ومنها تذكر ما قد بعد بسبب طول الكلام, وهذا التكرير قد يكون مجردا عن رابط كما في قوله تعالى "ثم أن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا أن ربك من بعدها لغفور رحيم".

وكما في قول الشاعر:

لقد علم الحي اليماني أننيإذا قلت أما بعد إني خطيبها

وقد يكون مع رابط كما في قوله تعالى "لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبهم بمفازة من العذاب", فقول: فلا تحسبهم, تكرير لقوله: لا تحسبن الذين يفرحون, لبعده من المفعول الثاني.

ومنها زيادة التوجع والتحسر كما في قول الحسين بن مطير:

فيا قبر معن أنت أول حفرةمن الأرض خطت للسماحة مضجعا
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «لندبك أحزان وسابق عبرة»
ويا قبر معن كيف واريت جودهوقد كان منه البر والبحر مترعا
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «لندبك أحزان وسابق عبرة»

ومنها التهويل نحو "الحافة ما الحافة" و"القارعة ما القارعة".

ومنها زيادة الاستبعاد كما في قوله تعالى "هيهات هيهات لما توعدون".

وقول الشاعر:

وهيهات هيهات العقيق وأهلهوهيهات خل بالعقيق نواصله

ومنها زيادة المدح كقول أبي تمام:

بالصريح الصريح والأروع الأروع منهم وباللباب اللباب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ريب دهر أصم دون العتاب»

ومنها التعظيم كقوله تعالى "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين".

ومنها التلذذ بذكر المكرر كما في قوله:

سقى الله نجدا والسلام على نجدويا حبذا نجد على النأي والبعد
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة
نظرت إلى نجد وبغداد دونهلعلي أرى نجدا وهيهات من نجد
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة

فكرر لفظة نجد خمس مرات لتلذذه بذكرها, كما قيل:

أعد ذكر نعمان لنا أن ذكرههو المسك ما كررته يتضوع

ومنها التنويه بشأن المذكور, كقول أبي الطيب:

العارض الهتن ابن العارض الهتن ابن الفارض الهتن ابن الفارض الهتن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

وقول ابن النبيه: الطاهر النسب ابن الطاهر النسب اب_ن الطاهر النسب ابن الطاهر النسب وقد عاب قوم علي أبي الطيب هذا التكرار وقالوا: انه من العي تكرار اللفظ.

قال العكبري في شرحه: سمعت شيخي أبا الفتح يقول: إن كان هذا من العي, فحديث رسول الله ﵌ أصله, فقد قال ﵇: الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

وأما ابن الأثير فانه عاب ألفاظ البيت من حيث هي, واستثقل لفظ العارض والهتن وقال: لو قال بدل العارض, السحاب, لم يكن هجنا. وليس كما زعم, فإن لفظ العارض والهتن فصيح عذب.

وقال ابن وكيعك لولا انتهاء القافية لمضى في العارض الهتن إلى آدم ﵇. وبانتهاء الغاية أعلمنا أن نهاية عدد آبائه المستحقين للمدح ثلاثة ثم يقف هناك.

وأحسن من هذا قول البحتري:

الفاعلون إذا لدينا بجودهمما يفعل الغيث في شؤبوبه الهتن

فجاء بالمعنى عاما من غير عدد ولا لفظ مستبرد, فهو أرجح كلاما وأحسن لفظا.

وما أشبه برد بيت أبي الطيب ببيت قاله امرؤ القيس وهو:

ألا أنني بال على جمل باليقود بنا بال ويتبعنا بال

انتهى كلام ابن وكيع.

قال الصفدي: وقد أخطأ في هذا الكلام من عدة وجوه: أولها, أنه قال: لولا انتهاء القافية لمضى إلى آدم ﵇, ولو قال: لولا انتهاء الوزن لكان أكثر تحقيقا, لأن القافية حصلت في ربع البيت من أول ذكر الهتن.

الثاني, أنه قال: أعلمنا أن عدد آبائه الممدوحين ثلاثة, ولا يلزم في المديح أن يؤتى بجميع الآباء في الذكر, ويكفي من ممدوح أصلان, تقول: أنت كريم ووالدك, ووالده ووالده. وقد مدح الشعراء بالنسب القصير.

قال أبو العلاء المعري يرثي الشريف الطاهر:

أنتم ذوو النسب القصير وطولكمباد على الكبراء والأشراف
كالراح إن قيل ابنة العنب أكتفبأب عن الأسماء والأوصاف

أراد بهذا ما حكاه الفرزدق قال: خرجت من البصرة أريد العمرة, فرأيت عسكرا في البرية, فقلت: عسكر من هذا؟ فقالوا: عسكر حسين بن علي ﵉, فقلت: لأقضين حق رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم, فأتيته فسلمت عليه, فقال: من الرجل؟ فقلت: الفرزدق بن غالب, فقال: هذا نسب قصير, فقلت: أنت أقصر مني نسبا, أنت ابن بنت رسول الله ﵌.

لا تمدحنه بآباء له كرمواوأحرزوا الأمد الأقصى أبا فأبا
فالراح قد أكثر المداح وصفهملها ولم يذكروا مع وصفه العنبا

الثالث, انه مثله ببيت البحتري, وليس من الباب الذي حاوله, ولفظا (الفاعلون وشؤبوبه) ثقيلان على السمع.

الرابع, شبهه ببرد بيت امرئ القيس, وليس منه, وإنما الجامع بينهما التكرار, ولم يكن بيت أبي الطيب ببرد ذلك. انتهى كلام الصفدي.

ولا ريب في قبح التكرار إذا خلا من نكتة, كما في قول عون بن....

وكتبه إلى محمد بن عبد الملك:

قد بعثنا بتحفة البستانبكر ما قد جنى من الريحان
ياسمينا ونرجسا قد بعثناوبعثنا شقائق النعمان

فأجابه بقوله:

عون فض إلا له فاك وأدماهـ وأقصاك يا عيي اللسان
حشو بيتيك قد وقد فالى كمقدك الله بالحسام اليماني

وبعث إلى الوليد بن عبد الملك عمه عبد الله [بن] مروان قطيفة, وكتب إليه: بعثت إليك بقطيفة خز حمراء حمراء. فكتب إليه الوليد: وصلت القطيفة يا عم, وأنت أحمق أحمق أحمق.

وقالت جارية ابن السماك له: ما أحسن كلامك لولا أنك تكثر تكراره. فقال: أكرره حتى يفهمه من لا يفهمه. فقالت: فالي أن يفهمه من لم يفهمه فقد مله من فهمه.

وأرباب البديعيات نسجوا على منوال بيت أبي الطيب المذكور.

فبيت بديعية الصفي الحلي قوله:

الطاهر الشيم ابن الطاهر الشيم ابن الطاهر الشيم ابن الطاهر الشيم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

ولم ينظم ابن جابر هذا النوع.

وبيت بديعية العز الموصلي قوله:

تكرير مدحي في الشامل النعم ابن الشامل النعم ابن الشامل النعم

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

تكرير مدحي في الزائد الكرم ابن الزائد الكرم ابن الزائد الكرم

وبيت بديعية المقري قوله:

المفرد العلم ابن المفرد العلم ابن المفرد العلم ابن المفرد العلم
للشاعر عبد الغني النابلسي، من قصيدة «يا منزل الركب بين البان فالعلم»

وبيت بديعية السيوطي قوله: كرر أحاديث مدح السابغ النعم اب_ن السابغ النعم ابن السابغ النعم وبيت بديعية العلوي قوله:

السيد العلم ابن السيد العلم ابن السيد العلم ابن السيد العلم
للشاعر الحبسي، اقرأ القصيدة

وبيت بديعية الطبري قوله:

كرر أحاديث نشر الناشر العلم ابن الناشر العلم ابن الناشر العلم

وبيت بديعيتي قولي:

تكرار قولي حلا في الباذخ العلم ابن الباذخ العلم ابن الباذخ العلم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.