تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الإيغال

, فإن الكلام تم بقوله: أفاد ربحي, لكنه أتى بما بعده إيغالا للتعليل.

والمساواة, فإن ألفاظه مساوية لمعناه.

وائتلاف اللفظ مع المعنى, فإن كل لفظة لا يصلح تبديلها بغيرها.

والتورية باسم النوع.

وائتلاف اللفظ مع الوزن, إذ ليس فيه تقديم وتأخير يفسد تصور المعنى ويذهب رونق اللفظ.

والانسجام, وهو ظاهر.

والتهذيب, فإن ألفاظه غير متنافرة ولا فيها بشاعة, ولا عقادة تركيب.

والإبداع الذي هو المقصود, فهذه خمسة عشر نوعا زائدة على عدد ألفاظ البيت والله أعلم.

الإيغال

ما أوغل الفكر في قول لمدحتهإلا وجاء بعقد غير منفصم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

الإيغال في اللغة, مصدر وغل في البلاد, إذا ذهب وبالغ وأبعد فيها, وفي الاصطلاح, هو ختم الكلام نثرا كان أو نظما بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها, كقوله تعالى "أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين", فقوله: وما كانوا مهتدين, إيغال تم المعنى بدونه أفاد به زيادة المبالغة في ضلالتهم, لأن مطلوب التجار في متصرفاتهم سلامة رأس المال, وحصول الربح, وربما تضيع الطلبات ويبقى لهم معرفة التصرف في طريق التجارة, فيهتدون بطرق المعاش, وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين لاشتراكهم الضلالة بالهدى, وعدم حصول الربح, وضلوا الطرق أيضاً فدمروا تدميرا, وقوله تعالى "قال يا قوم اتبعوا المرسلين. اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون" فإن قوله: وهم مهتدون, مما يتم المعنى بدونه, لأن الرسول مهتد لا محالة, لكنه إيغال أفاد زيادة حث على الإتباع وترغيب في الرسل, لا تخسرون معهم شيئا في دنياكم, وتربحون صحة دينكم, فينتظم لكم خير الدنيا والآخرة. وبهذا يظهر بطلان قول من زعم أن هذا النوع خاص بالشعر, فلذا عرفه بأنه ختم البيت بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها.

كزيادة المبالغة في قول الخنساء:

وإن صخرا لتأتم الهداة بهكأنه علم في رأسه نار
للشاعر الخنساء، من قصيدة «قذى بعينك أم بالعين عوار»

فإن قولها: كأنه علم واف بالمقصود, وهو تشبيه بما هو معروف بالهداية, لكنها أتت بقولها: في رأسه نار, إيغالا لزيادة المبالغة, كتحقيق التشبيه.

في قول امرئ القيس:

كأن عيون الوحش حول خبائناوأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
للشاعر امرؤ القيس، اقرأ القصيدة

شبه عيون الوحش حول خبائهم وأرحلهم بالجزع -وهو بالفتح-: الخرز اليماني الذي فيه سواد وبياض تشبه به العيون, وهو واف بالغرض من التشبيه, لكنه أتى بقوله: لم يثقب, إيغالا وتحقيقا للتشبيه, لأن الجزع إذا كان غير مثقوب كان أشبه بالعيون. قال الأصمعي: الظبي والبقرة إذا كانا حيين فعوينهما كلها سواد, وإذا ماتا بدا بياضها, وإنما شبهها بالجزع وفيه بياض وسواد بعدما موتت. والمراد كثرة الصيد, يعني لكثرة ما أكلنا منه كثرت العيون عندنا.

كذا في شرح ديوان امرئ القيس, وبه تبين بطلان ما قيل: أن المراد به. قد طالت مسايرتهم في المفاوز حتى ألفت الوحوش رحالهم وأخبيتهم.

ومثله قول زهير:

كأن فتات العهن في كل منزلنزلن به حب الفنا لم يحطم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

فقوله لم يحطم إيغال حقق به التشبيه, لأن حب الفنا -وهو حب أحمر تنبته الأرض- تتخذ منه القلائد, إذا كسر كان داخله أبيض, فلا يشبه العهن -وهو الصوف الأحمر- وقد تكون في الإيغال دفع توهم غير المقصود.

كقول أبي العلاء المعري:

فسقيا من فم مثل خاتممن الدور لم يهمهم بتقبيله خال

فانه لما جعل الفم كأٍسا ضيقا مثل خاتم من الدر, وكان الكأس غالبا مما يكرع فيه كل واحد من أهل المجلس, حتى كأنه يقبله, دفع ذلك بأنه لم يحدث الملك المختال المتكبر نفسه بتقبيله, فكيف غيره؟.

فالفرق بين الإيغال والتتميم: أن التتميم يجعل المعنى الناقص تاما, والإيغال يفيد المعنى التام نكتة لا يتوقف تمامه عليها.

قال ابن حجة: وبين الإيغال والتكميل تجاذب يكاد أن ينتظم كل منهما في سلك الآخر. ومفهومه أنه لا فرق بينهما, وليس كذلك. فإن الفرق بينهما من وجهين: أحدهما, إن التكميل يؤتى به لإفادته معنى آخر يكمل المعنى الأول كما مر في بابه, والإيغال يؤتى به لإفادته نكتة في ذلك المعنى بعينه, كما رأيت في الأمثلة المذكورة.

الثاني, أن التكميل قد يكون في أثناء الكلام, وقد يكون في آخره, والإيغال لا يكون إلا ختما للكلام كما هو صريح حده, فظهر الفرق بينهما ظهورا لا يخفى إلا على ابن حجة.

وبيت بديعية الصفي الحلي قوله:

كأن مرآه بدر غير مستتروطيب رياه مسك غير مكتتم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

الإيغال فيه في موضعين وهما غير مستتر, وغير مكتتم.

وبيت بديعية العز الموصلي قوله:

أضحت أعاديه في الأقطار طائرةوأوغلت في الهوى خوفا مع العصم
للشاعر عز الدين الموصلي، اقرأ القصيدة

قال في شرحه: الإيغال في قوله: خوفا من العصم.

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

للجو في السير إيغال إليه وكمحبا الأنام بود غير منصرم

الإيغال في قوله: غير منصرم, ولكن استعارة السير والإيغال للجود لا وجه لها, لأن الجود من الغرائز, والغريزة طبيعة لا تنفك عن الإنسان حتى تسير إليه, أو توغل في سيرها إليه, وهذا من الغلط في الكلام.

وبيت بديعية المقري قوله:

كأن الشمس الضحى من حسنه كسبتورونق الحسن منه صيغ القدم

وبيت بديعية الطبري قوله:

هو الكريم بإيغال فلست ترىأمد منه عطاء غير منحسم

وبيت بديعيتي قولي:

ما أوغل الفكر في قولي بمدحتهإلا وجاء بعقد غير منفصم

الإيغال فيه قولي: غير منفصم, والله أعلم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.