من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الألغاز
من كل كاسر جفن لا هدو لهمن الغرار فخذ ألغاز وصفهم
الألغاز مصدر الغزت الكلام، وفيه: أتيت بها مشتبها. قال ابن فارس: اللغز: ميلك بالشيء عن وجهه. وفي الإصطلاح: أن يأتي المتكلم بكلام يعمي به المقصود، بحيث يخفى على السامع فلا يدركه إلا بفضل تأمل ومزيد نظر.
ألقى يحيى بن أكثم على المتوكل قوله:
وباسطة بلا نصب جناحاوتسبق ما يطير ولا تطير
إذا ألقمتها الحجر اطمأنتوتجزع أن يباشرها الحرير
وقال أبو العلاء المعري في الآبر:
سعت ذا سم في قميصي فغادرت دبه أثرا والله يشفي من السقم.
كست قيصرا ثوب الجمال وتبعاوكسرى وجاءت وهي عارية الجسم
وقال آخر في القلم:
وذي خضوع راكع ساجدودمعه من جفنه جار
مواظب الخمس لأوقاتهامنقطع في خدمة الباري
وقال موفق الدين علي بن الجزار في قرية السباحة:
وذات فم طورا تسبح ربهاولم تكتسب أجرا بتسبيحها قط
معانقة الصبيان مضمرة الهوىكأن بقايا قوم لوط لها رهط
وقال في قصب السكر:
وذي هيف كالغصن قدا إذا بدايفوق القنا حسنا بغير سنان
وأعجب ما فيه يرى الناس أكلهمباحا قبيل العصر في رمضان
وقال في خلخال:
ومضروب بلا ذنبمليح القد ممشوق
حكى شكل الهلال علىرشيق القد معشوق
وأكثر ما يرى أبداعلى الأمشاط في السوق
قيل: أن بعض الناس لما سمع هذه الأبيات قال: دخلت السوق فلم أجد على الأمشاط شيئا.
ولما غلب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار ﵁ على أصبهان في آخر أيام بني أمية، واجتمع عليه الناس، كتب إلى عمران بن هند يخبره بذلك، فأجابه عمران:
أتاني كتاب منك بالله سرنيتخبرني فيه بإحدى العجائب
تخبرني إن العجوز تزوجتعلى كبر منها كريم الضرائب
فهناكم الله الكريم نكاحهاوراش بها كل ابن عم وصاحب
أراد بالعجوز الخلافة.
وحكي أن الشيخ نجم الدين الفقير سأل جماعة من الطلبة المشتغلين عليه عن قول الشاعر:
يا أيها الحبر الذيعلم العروض به امتزج
أبن لنا دائرةفيها بسيط وهزج
ففكر بعضهم ساعة طويلة ثم قال: هذا في الدولاب، لأنه أراد بالبسيط: الماء، وبالهزج: صوته حال دورانه. فقال الشيخ: صدقت، إلا أنك أدرت الدولاب زمانا حتى ظهر لك المقصود.
وكتب شرف الدين شيخ الشيوخ بحماة إلى والده ملغزا في باب بقوله:
وواقف بالمخرجيذهب طورا ويجري
لست تخاف شرهما لم يكن بمرتج
فكتب إليه والده: ذهاب ومجيء، وخوف وشر، هذا باب خصومة السلام.
ويحكى عن أبي عطاء السندي الشاعر المشهور، أنه كانت في لسانه عجمة أهل السند، فاجتمع حماد الراوية، وحماد عجرد، وحماد بن الزبرقان النحوي، وبكر بن مصعب المزني في بعض الليالي ليتذاكروا، فقالوا: ما بقي شيء ألا تهيا لنا في مجلسنا هذا، فلو بعثنا إلى أبي عطاء السندي ليحضر عندنا ويكمل به المجلس. فأرسلوا إليه، فقال حماد بن الزبرقان: أيكم يحتال لأبي عطاء حتى يقول: جرادة، وزوج، وشيطان- وإنما اختار له هذه الألفاظ لأنه كان يبدل الجيم زالا، والشين سينا- فقال حماد الراوية: أنا أحتال له في ذلك. فلم يلبثوا أن جاءهم أبو عطاء، فقال: هياكم الله، فقالوا له مرهبا مرهبا- يريدون مرحبا مرحبا على لغته- فقالوا: ألا تتعشى؟ فقال: تعسيت- بالسين- فهل عندكم نبيذ؟ فقالوا: نعم، فأتي بنبيذ فشرب حتى استرخى، فقال له حماد الراوية: يا أبا عطاء، كيف معرفتك باللغز؟ فقال: هسن- يريد حسن- فقال: له ملغزا في جرادة:
فما صفراء تكنى أم عوفكأن رجليتيها منجلان
فقال: زرادة، فقال: صدقت. ثم قال ملغزا في زج:
فما اسم حديدة في الرمح ترسىدوين الصدر ليست بالرماح
فقال: زز، فقال: أصبت. ثم قال ملغزا في مسجد بجوار بني شيطان، وهو بالبصرة.
أتعرف مسجدا لبني تميمفويق الميل دون بني أبان
فقال: هو بني سيطان، فقال: أحسنت. ثم تنادموا وتفاكهوا إلى سحرة في أرغد عيش. وهذا أبو عطاء من الشعراء الجيدين، واسمه مرزوق، وكان عبداً أحزب- والأحزب المشقوق الأذن- وله في كتاب الحماسة مقاطيع نادرة.
وقال ابن منقذ ملغزا في الضرس:
وصاحب لا أمل الدهر صحبتهيشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
لم ألقه مذ تصاحبنا فمذ وقعت=عيني عليه تفارقتا إلى الأبد.
وكتب النصير الحمامي إلى السراج الوراق ملغزا في سيل:
قصدت سراج الدين في ليل فكرةفكاد جواد الفكر في سبله يكبو
ليرشدني شيئا به يدرك المنىله قلب صب كم فؤاد له يصبو
إذا ركب البيداء يخشى ويتقىولم يفنه طعن ول
م يفنه ضرب.
بقلب يهد الصخر عند لقائهومن عجب الأشياء ليس له قلب
فأجابه السراج الوراق:
أراك نصير الدين هذبت خاطريوقد لذ لي من لغزك السلسل العذب
وأثبت قلبا منه ثم نفيتهوأعرفه صبا وهام له قلب
وأعرف منه أعينا لا تحفهاجفون كعادات العيون ولا هدب
فدونك ما ألغزته لي مبيناوذلك ما يحتاجه العجم والعرب
وأنشد ابن الأعرابي في أيام الجمعة:
يا سبعة كلهم إخوانليسوا يموتون وهم شبان
لم يرهم في موضع إنسان.
وقال بعضهم في فتيلة المصباح:
وحية في رأسها درةتسبح في بحر قصير المدى
إذا تناءت فالعمى حاضروإن دنت بأن سبيل الهدى
ومن الألغاز النحوية قول الشاعر:
إن هند المليحة الحسناءوأي من أضمرت لخل وفاء
برفع هند والمليحة، ونصب الحسناء، فيقال: كيف رفع اسم إن وصفته الأولى؟ والجواب: أن الهمزة فعل أمر، وأي- كوفي ويفي- بمعنى وعد، والنون للتوكيد، والأصل (أين) بهمزة مكسورة، وياء ساكنة للمخاطبة، ونون مشددة ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع النون المدغمة، وهند منادى مثل (يوسف أعرض عن هذا)، والمليحة: نعت لها على اللفظ، والحسناء: إما نعت لها على الموضع، إما تقدير أمدح، وإما نعت لمفعول به محذوف، أي عدي يا هند المرآة الحسناء. وعلى الوجهين الأولين فإنما يكون أمرها بإيقاع الوعد الوفي من غير أن يعين لها الموعود، وقوله (وأي) من مصدر نوعي منصوب بفعله، والأصل (وأيا مثل وأيا من) فحذف أولا (وأيا) ثم (مثل) وأنيب (وأي) منابه. ومثله (فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر. وقوله: (أضمرت) بالتأنيث ومحمول على المعنى مثل: من كانت أمك؟.
وقول أخر:
أقول لعبد الله لما سقاؤناونحن بوادي عبد شمس وهاشم
ويقال: أين فعلا (لما) ؟ والجواب: إن (سقاؤنا) فاعل لفعل محذوف يفسره (وها) بمعنى سقط، والجواب محذوف تقديره (قلت) بدليل قوله (أقول)، وقوله (شم) آمر، من قولك (شمت البرق) إذ نظرت إليه، والمعنى: لما سقط سقاؤنا قلت لعبد شمسه.
ومن الألغاز العربية قول الشاعر:
عافت الماء في الشتاء فقلنابرديه تصادفيه سخينا
فيقال: كيف يكون التبريد سببا لمصادفته سخينا، وجوابه: إن الأصل (بل برديه) ثم كتب على لفظه للألغاز.
وبيت بديعية الصفي قوله:
حران ينقع حر الكر غلتهحتى إذا ضمه برد المقيل ظمي
وبيت بديعية الموصلي قوله:
إن المنافق لغز قلبه زغلوهو المعمى كمثل الأرزة الرزم
قال ابن حجة: لم يأت الشيخ عز الدين في بيته بغير الجناس المقلوب في (لغز وزغل) وأما التعمية ب (الأرزة الرزم) فما علمت مار المراد منها حتى نظرت في شرحه فوجدته قد قال: الرزم: القائم. والأرزة: شجرة الصنوبر. فما ازددت في التعمية غير تعمية.
وبيت بديعية ابن حجة ملغزا في الرمح قوله:
وكلما ألغزوه حله لسنمذ طال تعقيده أزرى بفهمهم
وبيت بديعية المقري قوله:
أقيم ضربا عليه الحد حال تقىوحين أسرف لم يضرب ولم يضم
وهذا أيضاً لغز في السيف.
وبيت بديعيتي قولي ملغزا في السيف:
من كل كاسر جفن لا هدو لهمن الغرار فخذ الغاز وصفهم
الجفن: غطاء العين، وغمد السيف، والهدو: السكون، والغرار: القليل من النوم، وحد السيف. فهذه ألفاظ تدل بظاهرها على غير المقصود وهو وصف السيف، بأنه يكسر غمده من ذلاقة حده، فلا قرار له في غمده، والله أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع