من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
البسط
بسط الكف يرون الجود مغنمةلا يعرفون لهم لفظا سوى نعم
البسط هو الإطناب، وهو خلاف الإيجاز، ومنهم من خصه بالإطناب بتكثير الجمل، فقسم الإطناب إلى قسمين: بسط، وزيادة. فالأول الإطناب بالجمل، والثاني الإطناب بغيرها والبديعيون لا يعرفون ذلك.
وأعلم أن الإيجاز والإطناب من أعظم أنواع البلاغة، حتى نقل صاحب سر الفصاحة عن بعضهم، أنه قال: البلاغة هي الإيجاز والإطناب.
قال الزمخشري: كما أنه يجب على البليغ قي مظان الإجمال أن يجمل ويوجز، فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل أن يفصل ويشبع.
أنشد الجاحظ:
يرمون بالخطب الطوال وتارةوحي الملاحظ خيفة الرقباء
واختلفوا في تفسير الإيجاز والإطناب، فقال السكاكي وجماعة: الإيجاز هو أداة المقصود من الكلام بأقل من عبارة المتعارف من الأوساط الذين ليس لهم فصاحة وبلاغة، ولاعي وفهاهة، أي كلامهم في مجرى عرفهم في تأدية المعاني عند المعاملات والمحاورات. والإطناب أداؤه بأكثر منها، لكون المقام خليقا بذلك. وعلى هذا التفسير فيكون بين الإيجاز والإطناب واسطة وهي المساواة، وسيأتي الكلام عليها في بابها مبسوطا إن شاء الله تعالى.
وتعقب الخطيب القزويني تفسير السكاكي المذكور للنوعين، بأنه رد إلى الجهالة، لأنه لا يعرف كمية متعارف الأوساط وكيفيتها لاختلاف طبقاتهم حتى يقاس عليه ويحكم بأن المذكور أقل منه أو أكثر.
وأجيب بأن الألفاظ قوالب المعاني، والقدرة على تأدية المعاني بعبارات مختلفة في الطول والقصر والتصرف في ذلك بحسب مناسبة المقام، إنما هي من أدب البلغاء. وأما المتوسطون بين الجهال والبلغاء، فلهم في تفهيم المعاني حد معلوم من الكلام يجري فيما بينهم في الحوادث اليومية، يدل بحسب الوضع على المعاني المقصودة، وهذا معلوم للبلغاء وغيرهم، فالبناء على المتعارف واضح بالنسبة إليهما جميعا، فلا رد إلى الجهالة.
ولما لم يرفض القزويني تفسير السكاكي قال: الأقرب أن يقال: إن المقبول من طرق التعبير عن المعنى هو تأدية أصل المراد، وهو إما بلفظ مساوٍ له، أو ناقص عنه واف، أو زائد عليه لفائدة. الأول: المساواة، الثاني: الإيجاز، والثالث: الإطناب. واحترز بقوله: واف، عن الإخلال، وبقوله: لفائدة، عن الحشو والتطويل، فأثبت المساواة التي هي الواسطة أيضاً.
وقال ابن الأثير وجماعة: الإيجاز: التعبير عن المراد بلفظ غير زائد، والإطناب بلفظ أزيد لفائدة، فلم يثبتوا واسطة.
والإطناب، قيل: بمعنى الإسهاب وألحق أنه اخص منه. فإن الإسهاب التطويل لفائدة، أو لا لفائدة، كما ذكره التنوخي وغيره.
وإذا عرفت ذلك، فالبسط عند البديعين هو الإطناب بالجمل وغيرها، نحو قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي يجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون. أطنب فيها أبلغ إطناب، وزاد على المتعارف، وهو أن يقول: عن في وقوع كل ممكن على نظام مخصوص لآيات للعقلاء، لكون الخطاب مع الثقلين، وفي كل عصر وحين، للعالم منهم والجاهل، والموافق والمنافق.
وقول نبيه ﵊ (الدين النصيحة)، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله وكتابه ونبيه وللأئمة المسلمين وعامتهم، فبسط الكلام وزاد على المتعارف، وهو أن يقول: لله وكتابه ونبيه والمسلمين، فإنها لفظة جامعة للأئمة والعامة، لأجل التخصيص وأفراد الأئمة بالذكر.
ومثاله من الشعر قول ابن المعتز يصف الخير:
قد نفض العاشقون ما صنع الالدهر بألوانهم على ورقه
فإن حاصل هذا الكلام: الإخبار بصفرة الخيري، بأن يقول: الخير أصفر، فبسط هذا اللفظ الذي لو اقتصر عليه حصل الغرض لما فيه من حسن إدماج الغزل في الوصف بغير لفظة تشبيه ولا قرينة، إذ مفهوم اللفظ: إن صفة الخيري تشبه ألوان العاشقين.
وقول أبي العلاء المعري:
والحمد والكبر ضدان اتفاقهمامثل اتفاق فتاء السن والكبر
يجنى تزايد هذا من تناقص ذاوالليل إن طال غال اليوم بالقصر
وحاصل ذلك: ذم الكبر، وكان أصله أن يقول: الكبر ممقوت ابلغ مقت، فأطنب بوضعه موضعه قوله: ضدان، وأردفه التشبيه التمثيلي وهو قوله: اتفاقهما مثل اتفاق فتاء السن والكبر، ثم بين الوجه على سبيل الاستيناف يقوله: يجنى تزايد هذا من تناقض ذا، ثم ذيله بالاستعارة التمثيلية وهي قوله: والليل إن طال غال اليوم بالقصر. كل ذلك لأجل المبالغة في ذم الكبر، وتصوير عدم اجتماعه والحمد في الوجود ليعلم أنه من أقبح الأخلاق.
وقول الطغرائي:
والحب حيث العدى والأسد رابضةحول الكناس لها غاب من الأسل
فإن الغرض من جميع البيت: ما قاله ابن هاني المغربي في شطر بيت وهو (الحب حيث المعشر الأعداء. ولكنه بسط الكلام للمبالغة في وصف محبوبه بأنه مصون محتجب لا سبيل إلى الوصول إليه والحال هذه.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي:
سهل الخلائق سمح الكف باسطهامنزه لفظه عن ل ولن ولم
وبيت بديعية الموصلي قوله:
ذو بسط كف وخلق زانه خلقأثنى عليه إله العرش بالعظم
وبيت بديعية ابن حجة:
هم معشر بسطوا جودا سقاه حيافأخضر العيش في أكناف أرضهم
وبيت بديعية المقري قوله:
ما ذاك عم عدد جم ولا عددوهل يقال لفضل الله ذا بكم
وبيت بديعية السيوطي:
عن كنه معناه كل المطنبون وقدأوتى البلاغة والإيجاز في الكلم
وبيت بديعية العلوي قوله:
منه الندى والعطا والجود منبعهيزري عطاه عطاء الوابل الرزم
وبيت بديعيتي قوله:
بسط الأكف يرون الجود مغنمةلا يعرفون لهم لفظا سوى نعم
الحاصل من جميع البيت: وصفهم بالكرم، وبسط الكلام لتأكيد مدحهم بذلك والله أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع