من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
حسن الإتباع
هم عصمة للورى ترجى النجاة بهميا فوز من زانه حسن إتباعهم
هذا النوع عبارة عن أن يأتي المتكلم إلى معنى لغيره فيحسن إتباعه فيه، بحيث يستحقه بوجه من الوجوه التي توجب استحقاقه له، إما بحسن سبك، أو قصر وزن، أو تمكين قافية، أو زيادة وصف، أو تتميم نقص، أو تحلية بحلية من البديع يحسن بمثلها النظم، وتوجب الاستحقاق.
كحسن إتباع أبي نواس جريرا في قوله:
إذا غضبت عليك بنو تميمحسبت الناس كلهم غضابا
فإنه نقله من الفخر إلى المدح:
ليس من الله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد
فزاد على جرير بقصر الوزن، وحسن السبك، وإخراج كلامه من مخرج الظن، وذكره العالم وهو أعم من الناس في بيت جرير، وغير ذلك.
ومن شواهده المستحسنة: حسن إتباع ابن الرومي لمحمد بن عبد الله النميري قي قوله يتغزل بزينب أخت الحجاج وأترابها، وهو يقول:
فهن اللواتي إن برزن قتلننيوإن غبن قطعن الحشا زفرات
فقال ابن الرومي وأحسن الإتباع:
ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضتوقع السهام ونزعن أليم
فزاد عليه بزيادات أو حببت استحقاقه، ولم تبق للسمع معه على سماع بيت النميري طاقة.
وقال بشار:
من راقب الناس لم يظفر بحاجتهوفاز بالطيبات الفاتك اللهج
فأحسن إتباعه سلم الخاسر فقال:
من راقب الناس مات غماوفاز باللذة الجسور
فيقال عن بشار لقي بعد ذلك سلما فقال له: أولى لك يا ابن الفاعلة، تذهب ببيتي؟ والله لأسلخن جلدك هجاء، فوقع سلم على قدميه يقبلهما ويسأله العفو، حتى قال له: على أن لا تعود لمثل ذلك، فحلف، فكف عنه.
وقال مسلم بن الوليد:
تجري محبتها في قلب وامقهامجرى السلامة في أعضاء منتكس
فأحسن إتباعه أبو نواس فقال:
فتمشت في مفاصلهمكتمشي البرء في السقم
حكى الأصمعي قال: حضرت مجلس الرشيد وعنده مسلم بن الوليد إذ دخل أبو نواس فقال له الرشيد: ما أحدثت بعدنا يا أبو نواس؟ فقال: يا أمير المؤمنين ولو في الخمر، فأنشده:
يا شقيق النفس من حكمنمت عن ليلي ولم أنم
حتى أتى على آخرها فقال: أحسنت، يا غلام فأعطه عشرة ألاف درهم وعشر خلع، فأخذها وخرج، فلما خرجنا من عنده قال لي مسلم بن الوليد: ألم ترى يا ابن سعيد أبا الحسن كيف سرق لي شعري وأخذ به مالا وخلعا؟ قلت: وأي معنى سرق؟ قال: قوله: فتشمت في مفاصلهم.... الخ البيت، فقلت: وأي شيء قلت؟ قال: قلت:
غراء في فرعها ليل على قمرعلى قضيب دعص النقا الدهس
أذكى من المسك أنفاسا وبهجتهاأرق ديباجة من سرقة النفس
كأن قلبي وشاحاها إذا خطرتوقلبها قلبها في الصمت والخرس
تجري محبتها في قلب وامقهامجرى السلامة في أعضاء منتكس
فقلت: ممن سرقت أنت هذا المعنى؟ فقال: لا أعلم أنني أخذته من أحد، فقلت: بلى، من عمر بن أبي ربيعة حيث يقول:
أما والراقصات بذات عرقورب البيت والركن العتيق
وزمزم والمطاف ومشعريهاومشتاق يحن إلى مشوق
لقد دب الهوى لك في فؤاديدبيب دم الحياة إلى عروقي
فقال: ممن سرق عمر بن أبي ربيعة هذا المعنى؟ فقلت: من بعض العذريين حيث يقول:
منع البقاء تقلب الشمسوخروجها من حيث لا تمسي
وطلوعها حمراء صافيةوغروبها صفراء كالورس
تجري على كف السماء كمايجري حمام الموت في النفس
وأخذ أبو الشيبص قول عمر بن أبي ربيعة فقال:
أما وحرمة كأسمن المدام العتيق
وعقد نحر بنحرومزج ريق بريق
فقد جرى الحب منيمجرى دمي في عروقي
وأخذه أبو الطيب أيضاً فقال:
جرى حبها مجرى دمي في مفاصليفأصبح لي عن كل شغل بها شغل
وقال بشار بن برد:
يا أطيب الناس ريقا غير مختبرإلا شهادة أطراف المساويك
وأحسن إتباعه التهامي فقال:
ولم أشهد لهن جنى ولكنشهدن بذاك أعواد البشام
وزاد عليه ابن الساعاتي فقال:
يخبر عن لثم السلاف لثامهوتشهد أطراف الأراك بشهده
وقال مؤلفه وهو أحسن من الكل سبكا:
وبثغر ماء الحياة لأنفسأودى بهن من الصدود هلاك
ما ذقت مورده ولكن هكذانقل الأراك وحدث المسواك
وقال أبو تمام:
كانت مساءلة الركبان تخبرنيعن أحمد بن سعيد أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعتأذني بأحسن مما قد رأى بصري
فأحسن أبو الطيب إتباعه فقال:
وأستكبر الأخبار قبل لقائهفلما التقينا صدق الخبر الخبر
فبالغ وأوجز، وجاء بالطباق والجناس.
حكى ابن الأنباري قال: لما قدم العلامة السري جار الله الزمخشري بغداد قاصا للحج، قصده الشريف أبو السعادات بن الشجري نقيب السادات الأشراف، فلما اجتمع به أنشده (كانت مساءلة الركبان تخبرني ... الخ البيتين) فقال الزمخشري: روينا من طريق صحيحة الإسناد: أنه لما وفد زيد الخيل على النبي ﷺ قال له: يا زيد ما وصف لي أحد من الجاهلية فوجدته في الإسلام فوق ما وصف غيرك. قال ابن الأنباري: فخرجنا ونحن نتعجب كيف يستشهد الشريف بالشعر، والزمخشري بالحديث وهو رجل أعمى.
وقال أبو تمام أيضاً يرثي طفلين:
لهفي على تلك الشواهد فيهمالو أمهلت حتى تكون شمائلا
نجمان شاء الله أن لا يطلعاألا ارتداد الطرف حتى يأفلا
فأحسن أبو الطيب أيضاً إتباعه فقال يرثي عبد الله بن سيف الدولة:
بنفسي وليد عاد من بعد حملهإلى بطن أم لا تطرق بالحمل
بداوله وعد السحابة بالروىوصد فينا غلة البلد المحل
فأجاد السبك وزاد بمراعاة النظير بين السحابة والروي، والغلة والمحل، وأربى عليه في المعنى بقوله (وصد فينا غلة البلد المحل) لأن مقدار حاجتهم إلى وجوده.
وقال البحتري:
أخجلتني بندى يديك فسودتما بيننا تلك اليد البيضاء
صلة غدت في الناس وهي قطيعةعجبا وبر راح وهو جفاء
فأحسن إتباعه أبو العلاء المعري فقال:
لو اختصر تم من الإحسان زرتكموالعذب يهجر للإفراط في الخصر
فاستوعب معنى البيتين في صدر بيته، وزاد عليه في التمثيل في العجز، وأخرجه مخرج المثل السائر مع حسن السبك والإيجاز، والإيضاح وحسن البيان.
وقال أبو الطيب:
ولذا اسم أغطية العيون جفونهامن أنها عمل السيوف عوامل
وأحسن سبط ابن التعاويذي أتباعه فقال:
بين السيوف وعينيه مشاركةمن أجلها قيل للأغماد أجفان
فإنه أخذ المعنى من قطعة خشب وأودعه في سبيكة ذهب.
وقال أبو الطيب أيضاً:
لو قلت للدنف الحزين فديتهمما به لأغرنه بفدائه
فأحسن إتباعه ابن الخياط فقال:
أغار إذا آنست في الحي أنةحذاراً وخوفاً أن تكون لحبه
وقال ابن المعتز:
وتحت زنانير شددن عقودهازنانير أعكان معاقدها السرر
فأحسن التهامي أتباعه فقال:
لولاه لم يقض في أعدائه قلمومخلب الليث لولا الليث كالظفر
ما صر إلا وصلت بيض أنصلهفي الهام أوطأت الأرماح في الثغر
وغادرت في العدى طعنا يحف بهضرب كما حفت الأعكان بالسرر
الشاهد في البيت الثالث. قال الباخرزي في دمية القصر: هذا والله المعنى البديع والربيع المريع، والتشبيه اللائق، والغرض الموافق، وقد كان يملكني الإعجاب بقول ابن المعتز، فزاد التهامي عليه، وفي المثل: من زاد ركب.
وقال النابغة:
يقولون حصن ثم تأبى نفوسهمفكيف بحصن والجبال جنوح
وأحسن ابن بسام أتباعه فقال:
قد استوى الناس ومات الكمالوصاح صرف الدهر أين الرجال
هذا أبو القاسم في نعشهقوموا انظروا كيف تزول الجبال
وقال عمر بن كلثومك
فآبوا بالنهاب وبالسباياوأبنا بالملوك مصفدينا
فأحسن أبو تمام أتباعه فقال:
إن الأسود إسود الغاب همتهايوم الكريهة في المسلوب لا السلب
وقال منصور النمري: فكأنما وقع الحسام بهامه=خدر الأسنة أو نعاس الهاجع.
فأحسن أبو الطيب أتباعه فقال:
كأن الهام في الهيجا عيونوقد طبعت سيوفك من رقاد
وقال بكر بن النطاح:
يتلقى الندى بوجه حييوصدور القنا بوجه وقاح
فأحسن السري الرفاء أتباعه فقال:
يلقى الندى برقيق وجه مسفرفإذا التقى الجمعان عاد صفيقا
وما أحسن ما قال بعده:
رحب المنازل ما أقام فإن سرىفي جحفل ترك الفضاء مضيقا
وقال الأول:
خلقنا لهم في كل عين وحاجببسمر القنا والبيض عينا وحاجبا
فأحسن ابن نباتة السعدي أتباعه فقال: خلقنا بأطراف القنا في ظهورهم=عيونا لها وقع السيوف حواجب.
وماى أحسن قوله بعده:
لقوا نبلنا مرد العوارض وانثنوابأوجههم منها لحي وشوارب
وشواهد هذا النوع أكثر من أن يحيط بها نطاق الحصر، فلنكتف منها بهذا القدر والله أعلم.
وبيت بديعية الصفي قوله:
ينازع السمع فيها الطرف حين جرتفيرجعان إلى الآثار في الأكم
قال في شرحه: موضع حسن الأتباع منه، إني سمعت بيتا مجهولا قائله، ومعناه يحتمل الزيادة وهو:
وطرف يفوت الطرف في حركاتهولكن للأسماع فيه نصيب
فلما احتجت أن لا أخلى القصيدة من هذا النوع، زدت فيه استعارة المنازعة بين السمع والطرف والمحاكمة في الرجوع إلى الآثار، وزيادة أن الآثار في الأكم مما يدل على صلابة الحوافر والسنابك، وهو مما يمدح به الخيل، وفيه زيادة الإيغال وتمكين القافية.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
والجذع حن عليه بعد فرقتهحسن إتباع لتلك الأربع الحرم
قال في شرحه: إنه اتبع الفرزدق في قوله يمدح علي بن الحسين ﵇:
يكاد يمسكه عرفان راحتهركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
ذكراه تطربهم والسيف ينهل منأجسامهم لم يشن حسن إتباعهم
قال في شرحه: غنه اتبع فيه قول ابن العارض:
ولي ذكرها يحلو على كل صيغةولو مزجزه عذلي بملام
وبيت بديعية المقري قوله:
قد مس راحته من مس راحتهفكم من المس أبرى كل ذي لمم
قال في شرحه أنه اتبع فيه قول صاحب البردة:
كم أبرأت وصبا باللمس راحتهوأبرأت أربا من ربقة اللمم
ولم ينظم السيوطي ولا الطبري هذا النوع.
قل ما أردت سوى الإشراك فهو إذنمن فوق ما قلت من عز ومن عظم
قال في شرحه أنه اتبع فيه قول البوصيري في البردة:
دع ما أدعته النصارى في نبيهمواحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
وبيت بديعيتي قولي:
هم عصمة للورى ترجى النجاة بهميا فوز من زانه حسن إتباعهم
هذا البيت أتبعت فيه قول الفرزدق من قصيدته في علي بن الحسين ﵇:
من معشر حبهم دين وبغضهمكفر وقربهم منجى ومعتصم
ووجه حسن الإتباع فيه إني استوفيت معنى البيت كله في الشطر الأول، فإن من كان عصمة للورى وبه ترجى النجاة، كان من المعلوم أن حبه دين وبغضه كفر. وزدت عليه بالحض على حسن إتباعهم والترغيب في موالاتهم في الشطر الثاني صريحا مع حسن البيان وتمكين القافية، والله أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع