تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

المدح في معرض الذم

إن شئت في معرض الذم المديح فقللا عيب فيهم سوى إكثار نيلهم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

هذا النوع من مستخرجات ابن المعتز، وسماه قوم: تأكيد المدح بما يشبه الذم، وآخرون: النفي والجحود. وهو ضربان: أحدهما، وهو أفضلهما، أن يستثنى من صفة ذم منفية صفة مدح يتعذر دخولها فيه.

كقول النابغة الذبياني:

لا عيب فيهم غير إن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائب

فالعيب صفة ذم منفية استثنى منها صفة مدح، وهي أن سيوفهم ذات فلول، أي لا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهذه الصفة، إن كان فلول السيف من قراع الكتائب عيبا. فأثبت شيئا من العيب على تقدير كون فلول السيوف منه، وهو محال، لأنه كناية عن كملل الشجاعة، فهو بالمعنى تعليق بالمحلل كقولهم: حتى يبيض القار، فتأكيد المدح ونفي الذم في هذا الضرب من جهتين، إحداهما: انه كدعوى الشيء بينية، لأنه علق نقيض المطلوب وهو إثبات شيء من العيب بالمحال محال، فعدم العيب ثابت، والثانية: الأصل في الاستثناء أن يكون متصلا، وهو دخول المستثنى في المستثنى منه، على تقدير السكوت على الاستثناء، ليكون ذكر المستثنى إخراجا له عن الحكم الثابت للمستثنى منه، وذلك لأن الاستثناء المنقطع مجاز على ما تقرر في محله. وإذا كان الأصل في الاستثناء أن يكون متصلا فذكر ما بعدها يوهم السامع أن ما يأتي بعدها مخرج مما قبلها، فيظن إن غرض المتكلم إخراج من أفراد ما نفاه من العيب، وإرادة أثباته، حتى يحصل فيهم شيء من العيب، فإذا أتت بعدها صفة مدح وتحول الاستثناء من الاتصال إلى الانقطاع تأكد المدح، لكونه مدحا على مدح، وللإشعار بأنه لم يجد فيهم صفة ذم حتى يثبتها، فاضطر إلى استثناء صفة مدح، مع ما فيه من نوع خلابة وتأخيذ للقلوب.

الضرب الثاني: أن يثبت لشيء صفة مدح، ويعقب بأداة استثناء يليها صفة مدح أخرى، كقوله ﵇: أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، أي غير أني من قريش، وهذا الضرب لا يفيد التأكيد إلا من الجهة الثانية من الجهتين المذكورتين في الضرب الأول، وهو أن الأصل في مطلق الاستثناء أن يكون متصلا، فذكر أداته قبل ذكر المستثنى يوهم إخراج شيء مما قبلها، من حيث أنه استثناء، فإذا ذكر بعد الأداة صفة مدح أخرى تأكد المدح، ولا يتأتى فيه التأكيد إلا من الجهة الأولى، وهي أنه كدعوى الشيء بينية، لأنها مبنية على التعليق بالمحال المبني على تقدير الاستثناء متصلا، ولهذا كان الضرب الأول أفضل.

ومن هذا الضرب قول النابغة الجعدي:

فتى كملت أخلاقه غير أنهجواد فما يبقي من المال باقيا
للشاعر الجندل الفزاري، من قصيدة «فتىً كملت أخلاقه غير أنه»

وقول بديع الزمان الهمذاني:

هو البدر إلا انه البحر زاخراسوى انه الضرغام لكنه الوبل
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «كان ينابيع الثرى ثدي مرضع»

والاستدارك في هذا البيت يجري مجرى الاستثناء.

ومما وقع في هذا النوع في التنزيل قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما، إلا قيلا سلاما سلاما.) وهو يحتما أن يكون من الضرب الأول، بأن يقدر السلام داخلا في اللغو والتأثيم فيفيد التأكيد من جهتين، وأن يكون من الضرب الثاني بأن لا يقدر ذلك ويجعل الاستثناء من أصله منقطعا. وأصحاب البديعيات بنوا أبياتهم على الضرب الأول لكونه أفضل عما علمت.

وبيت بديعية الصفي الحلي قوله:

لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهميسلوا عن الأهل والأوطان والحشم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

وبيت بديعية ابن جابر قوله:

لا عيب فيهم سوى أن لا يرى لهمضيف بجوع ولاجار بمهتضم

وبيت بديعية الموصلي قوله:

في معرض الذم أن قيل المديح فهملا عيب فيهم سوى الإعدام للنقم
للشاعر عز الدين الموصلي، اقرأ القصيدة

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

في معرض الذم إن رمت المديح فهملا عيب فيهم سوى إكرام وفدهم

وبيت بديعية المقري قوله:

لا عيب فيه سوى أن العصاة بهيلقون عفو كبير الإثم واللمم

وبيت بديعيتي قولي:

إن شئت في معرض الذم المديح فقللا عيب فيهم سوى إكثار نيلهم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

ولم ينظم الطبري هذا النوع في بديعيته، والله ﷾ أعلم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.