تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الاتساع

. قل في علي أمير النحل غرتهم=ما شئت وفق اتساع المدح واحتكم.

هذا النوع عبارة عن أن يأتي المتكلم في كلامه نثرا كان أو نظما بلفظ أو فأكثر يتسع فيه التأويل في هاتين اللفظين على ثلاثة وعشرين قولا: أ- هما الزوج والفرد من العدد. قال أبو مسام: وهو تذكير بالحساب لعظم نفعه، وما يضبط به من المقادير، وهو قول الحسن.

ب- هما كما خلقه الله، لأن الأشياء إما زوج أو فرد، وهو قول ابن أبي زيد والجبائي.

ج- الشفع، هو الخلق لكونه أزواجا، كما قال تعالى (وخلقناكم أزواجا) كالكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والضلالة والهدى، والليل والنهار، والسماء والأرض، والظلمة والنور، والجن والإنس. والوتر هو الله تعالى وحده، وهو في حديث الخدري عنه ﵇.

د- إن الشفع صفات الخلق لتبديلها بأضدادها كالقدرة والعجز، والوتر صفات الله تعالى، لأنه سبحانه دون خلقه فهو عز بلا ذل، وغنى بلا فقر، وقوة بلا ضعف، وحياة بلا موت، ونحو ذلك.

هـ- إنهما الصلاة، لأن فيها شفعا ووترا، فهو في حديث ابن حصين عنه ﵇.

و إن الشفع، النحر، لأنه عاشر أيام الليالي العشرة المذكورة من قبل في قوله (وليال عشر) والوتر يوم عرفة، لأنه تاسع أيامها.

ز- إن الشفع، يوم التروية، والوتر، يوم عرفة، روي عن أبي جعفر الباقر، وأبي عبد الله الصادق ﵉.

ح- إن الشفع شفع العشر الآخر من شهر رمضان، والوتر وترها.

ط- إن الشفع، الليالي والأيام، والوتر يوم القيامة.

ي- إن الشفع شفع العشر التي أتم الله بها ليالي موسى ﵇، والوتر وترها.

يا- إن الشفع، الصفا والمروة، والوتر البيت الحرام.

يب- إن الشفع، قوله تعالى (فمن تعجل في يومين) والوتر من تأخر إلى اليوم الثالث.

يج- إن الشفع، آدم وحواء، والوتر هو الله تعالى.

يد- إن الوتر، آدم، والشفع، شفع بحواء.

يه- إن الشفع، الركعتان من صلاة المغرب، والوتر الركعة الثالثة.

يو- إن الشفع، درجات الجنان، لأنها كلها شفع، والوتر، دركات النار؛ لأنها وتر؛ كأنه تعالى أقسم بالجنة والنار.

يز- إن الشفع هو الله ﷾، وهو الوتر أيضاً لقوله (ما يكون من نجوى ثلاثة إل هو رابعهم) الآية (سورة لمجادلة.

يح- إن الشفع، مسجدا مكة والمدينة، والوتر مسجد بيت المقدس.

يط- إن الشفع، القرآن في الحج والتمتع فيه، والوتر الإفراد فيه.

ك- إن الشفع، الفرائض، والوتر السنن.

كا- إن الشفع الأعمال، والوتر النية، وهو الإخلاص.

كب- إن الشفع، العبادة التي تتكرر كالصوم والصلاة والزكاة، والوتر العبادة التي لا تتكرر كالحج.

كج- إن الشفع، الروح والجسد إذا كانا معا، والوتر الروح بلا جسد، فكأنه تعالى اقسم بها في حالتي الاجتماع والافتراق.

ومن هذا الباب فواتح السور المشتملة على حروف التهجي، فإن التأويل فيها متسع أيضاً.

ومثاله من الشعر قول الجماسي:

بيض مفارقنا تغلي مراجلنانأسو بأموالنا آثار أيدينا
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

فالتأويل من الشرائح اتسع في قوله: بيض مفارقنا، فقيل: أراد بذلك الطهارة والعفاف كقولهم: أبيض العرض والشيم والحسب. وقيل: أراد أنهم كهول ومشايخ قد حنكتهم التجارب وليسوا بالإغمار. وقيل: أراد أنهم ليسوا بعبيد، لأن فرق الإنسان إذا كان أبيض كان جميع جسده أبيض. وقيل: أراد انحسار الشعر عن مقدم رؤوسهم لمداومتهم لبس البيض والمغافر. وقيل: معناه نحن كبار نكثر استعمال الطيب أسرع الشيب له. وقيل: معناه نحن مكشوفوا الرؤوس، لا عيب فينا، فعبر عن النقاء بالبياض، والعرب تقول في مدح الرجل، الأبيض.

قال الأعشى:

أبيض لا يرهب الهزال ولايقطع رحما ولا يخون إلا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «إن محلا وإن مرتحلا»

وقيل: معناه نحن كبار فشابت مفارقنا دون القفا، لأنه قيل: شيب الكرام يبدو في المفارق.

قال الشاعر:

فشيب لئام الناس في نقرة القفاوشيب كرام الناس تعلوا المفارقا

وقيل: المفارق هنا: الطرق، يقول: قد ابيضت مفارق الطرق التي تؤدي إلى رحالنا، لكثرة ما يأتينا من العفاة، فهي بيض لائحة لم تعف لكثرة سالكيها، وهذا الوجه أولى لمشاكلته ما بعده، وهو قوله: تغلي مراجلنا، والمراجل: القدور الكبار من نحاس، ذكر ذلك أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب في شرح كتاب الحماسة.

وقال الصغاني في كتاب الجملة والذيل والصلة: قد قيل في البيت المذكور مائتي قول.

وقد أفرد لتفسره كتاب. والبيت يروى لمسكين الدرامي وليس له، ولبشامة النهشلي، ولبعض بني قيس بن ثعلبة.

والشيخ صفي الدين الحلي نسج في بديعيته على هذا المثال ليسوغ له اتساع الأقوال فقال:

بأن اتساع المعالي في الصحابة كالفاروق ثم شهيد الدار في الحرم

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

نور القبائل ذو النورين ثالثهموللمعالي اتساع في عليهم

وبيت بديعية المقري قوله:

يلقى المسيء بصدر حقده طلليسر عاف نداه غير منصرم

قال في شرحه: الاتساع في لفظة عاف.

وبيت بديعية العلوي قوله:

وأبيض الوجه بيض الشم تخدمهوكل أروع زاكي الأصل والشيم

وبيت بديعيتي قولي:

قل في علي أمير النحل غرتهمما شئت وفوق اتساع القول واحتكم

الاتساع في موضعين: أحدهما، قولي: أمير النحل، لقب بذلك لتقدمه وسبقه إلى الإسلام، كما يتقدم النحل أميرها فتتبعه. وقيل: لأن المؤمنون يلوذون به كما تلوذ النحل بأميرها، ولذلك قال له النبي صلى الله عليه وآله: أنت يعسوب الدين، والمال يعسوب الكفار، أي يلوذ بك المؤمنون، ويلوذ الكفار بالمال، كما تلوذ النحل بيعسوبها. وقيل لأنه سيد المؤمنين ورئيسهم الذي لا يتم لهم أمرا إلا به، كما لا يتم للنحل إلا بأميرها.

قال الشيخ كمال الدين الدميري: قيل لأمير المؤمنين علي كرم الله وجهه: أمير النحل، وأمير النحل: يعسوبها، وهو ملكها الذي لا يتم لها رواح وإياب ولا عمل إلا به، فهي مؤتمرة بأمره، سامعة لرأيه، يدبرها كما يدبر الملك أمر رعيته، حتى إنها إذا آوت إلى بيوتها يقف على باب البيت فلا يدع واحدة تزاحم الأخرى، ولا تتقدم عليها، بل تعبر واحدة بعد واحدة بغير تزاحم وتصادم ولا تراكم كما يفعل الأمير إذا انتهى بعسكره إلى مضيق انتهى.

وفي هذا اللقب تشبيه للمؤمنين بالنحل. قال ﵇: المؤمن كالنحلة لا تدخل إلا طيبا ولا تخرج إلا طيبا. الثاني، قوله: غرتهم، فإنه يحتمل أن يراد به سيدهم، يقال: فلان غرة قومه، أي سيده. ويحتمل أن يراد بهم أكرمهم، وغرة كل شيء أكرمه. ويحتما أن يراد أولهم، وغرة كل شيء أوله، ومنه الغرر لثلاث ليال من أول الشهر. قال ﵇ لمحلم الليثي لما قتل عامر بن الأضبط الأشجعي: قتلته في غرة الإسلام، أراد في أوله. ويحتمل أن يراد بهم شريفهم، يقال: فلان غرة في قومه، أي شريف فيهم، ويحتمل أن يراد به خيارهم، وغرة المال خياره، كالفرس النجيب، والعبد، والأمة فارهين. ويحتمل أن يراد به أحسنهم وأجملهم، يقال: فلان غرة قومه، أي أحسنهم وأجملهم. ويحتمل أن يراد به العين المنظور إليه، يقال: فلان غرة في قومه، إذا كان المنظور إليه منهم، والمشار إليه، والله أعلم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.