من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
التعريض
لا تعرضن لتعريضي بمدحتهفأنني في ولادي غير متهم
التعريض، هو الإتيان بكلام مشار به إلى جانب هو مطلوب، وإبهام أن الغرض جانب أخر وسمي تعريضا لما فيه من الميل عن المطلوب إلى عرض- بالضم، أي جانب- ويقال: نظر إليه بعرض وجهه- بالضم أي- بجانبه، ومنه المعارض في الكلام وهي التورية بالشيء عن الشيء، وفي المثل: إن في المعارض لمندوحة عن الكذب، أي سعة وفسحة، وهو إما لتنويه جانب الموصوف ما يقال: أمر المجلس السامي نفذ، والستر الرفيع قاصدا لكذا، تعريضا بأن المعبر عنه أرفع قدرا وشأنا من أن يسع الذاكر له التصريح باسمه وترك تعظيمه بالسكينة.
وق أشار إلى هذا المعنى زهير حيث قال:
فعرض إذا ما جزت بالبان والحمىوإياك أن تنسى فتذكر زينبا
ستكفيك من ذاك المسمى إشارةفدعه مصونا بالجلال محجبا
ولما سئل الحطيئة عن أشعر الناس ذكر زهيراً والنابغة، ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث، يعرض بنفسه، ولو صرح لم يفخم هذا التفخيم البليغ، كأنه قال الذي تعورف واشتهر، وعليه قوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات) أراد به محمدا ﵌ فلم يصرح بذكره بل عرض إعلاء لقدره، أي أن العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس، وأما لملاطفة، كما يقول المخاطب لمن يريد خطبتها: إنك لجميلة صالحة، وعسى الله أن ييسر لي امرأة صالحة، عملا بقوله تعالى: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبه النساء.
وأما فاستعطافه واستماحته، كما يقول المحتاج: جئتك لأسلم عليك، ولأنظر إلى وجهك الكريم.
قال الشاعر:
أروح لتسليم عليك وأغتديوحسبك مني بالسلام تقاضيا
وسئل عطاء عن معنى قوله ﵇: خير الدعاء دعائي، ودعاء الأنبياء من قبلي وهو (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير) وليس هذا دعاء إنما تقديس وتمجيد.
فقال: قال أمية بن أبي الصلت في ابن جدعان:
إذا أثنى المرء عليك يوماكفاه من تعرضه الثناء
أفيعلم ابن جدعان ما يراد منه بالثناء عليه، ولا يعلم الله تعلى ما يراد منه بالثناء عليه؟.
ومن أحسن التعريض من هذا الضرب ما كتبه عمرو بن مسعدة للمأمون في أمر بعض من استشفع به من أصحابه: أما بعد فإن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائي به في حق فلان تعدى طاعته. فوقع المأمون في جوابه: قد عرفنا تصريحك لفلان، وتعريضك لنفسك، وأجبناك إليهما.
وأما للملامة والتوبيخ كقوله تعالى: (وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت) والذب للوائد، دون المؤودة، ولكن جعل السؤال لها إهانة للوائد، وتوبيخا على ما ارتبكه، فأخرجه عن إستئهال أن يخاطب ويسئل عما فعله. وقوله تعالى لعيسى: (أنت قلت للناس اتخذوني وأمي ألهين من دون الله) ولا ذنب لعيسى ﵇، وإنما هو تعريض بمن عبدهما من النصارى، لكنه عدل من خطابهم إهانة لهم وتوبيخا.
وإما للإستدراج، وهو إرخاء العنان مع الخصم ليعثر حيث يراد تبكيته وإفحامه، وهو من مخادعات الأقوال والتصرفات الحسنة التي هي السحر الحلال، حيث يسمعه الحق على وجه لا يغضبه كقوله تعالى: (لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعلمون) لم يقل عما تجرمون احترازا عن التصريح بنسبة الجرم إليهم وإكتفاء بالتعريض في قوله تعالى: عما أجرمنا، لئلا يلبسوا جلد النمر، وليتفكروا في حالهم وحال مخالفيهم، فيدركوا بالتأمل ما هو الحق منهما.
وأما للاحتراز عن المخاشنة والمفاحشة، كما تقول معرضا بمن يؤذي المسلمين: المسلم من سلم المسلمون من لسان ويده، تتوسل بذلك إلى نفي الإسلام عنه، وكما تقول معرضا بمن يشرب الخمر ويعتقد حليتها وأنت تريد تفكيره: أنا لا أعتقد حل الخمر، تريد إثبات صفة الكفر. وهذا الضرب من التعريض هو أشهر ضروبه.
حكى الزمخشري في ربيع الأبرار قال: سمع إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة يحيى بن أكثم يغض من جده فقال: ما هذا جزاؤه منك، قال: حين فعل ماذا؟ قال: حين أباح النبيذ ودرء الحد عن اللوطي.
وحكى القاضي شمس الدين بن خلكان عن يحيى بن أكثم المذكور أيضاً: أنه كان إذا نظر إلى رجل يحفظ الفقه سأله عن الحديث، وإذا رآه يحفظ الحديث سأله عن النحو، وإذا رآه يحفظ النحو سأله عن الكلام، ليقطعه ويخجله، فدخل إليه رجل من خراسان ذكر أنه حافظ، فناظره فرآه مفننا فقال له: نظرت في الحديث؟ قال: نعم، قال: ما تحفظ من الأصول؟ قال: أحفظ عن أبي إسحاق عن الحارث أن عليا ﵁ رجم لوطيا، فأمسك يحيا ولم يكلمه.
وكان يحيى قاضيا على عهد المأمون، وفيه يقول أحم بن نعيم: ط
قاض يرى الحد في الزناء ولايرى على من يلوط من باس
وذكر أبو العباس المبرد في كتاب الكامل: أن قتيبة بن مسلم لما فتح سمرقند أفضى إلى أثاث لم ير مثله، وآلات لم يسمع بمثلها، فأراد أن يري الناس عظم ما فتح الله عليه ويعرفهم أقدار القوم الذين ظهر عليهم، فأمر بدرا ففرشت وفي صحنها قدور يرتقى إليها بالسلام، فإذا بالحضين بن المنذر قد أقبل والناس جلوس على مراتبهم- والحضين شيخ كبير- فلما رآه عبد الله بن مسلم قال لأخيه قتيبة: أتئذن لي في معابثته، قال: لا ترده فإنه خبيث الجواب، فأبى عبد الله إلا أن يؤذن له- وكان عبد الله يضعف، وكان قد تسور حائطا إلى امرأة قبل ذلك- فأقبل على الحضين فقال: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان؟ قال: أجل، أسن عمك عن تسور الحيطان، قال: أرأيت هذه القدور؟ قال: هي أعظم من ألا ترى، قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها، قال: أجل، ولا عيلان، ولو رآها سمي شبعان ولم يسم عيلان.
فقال عبد الله: أتعرف يا أبا ساسان الذي يقول:
عز لنا وأمرنا وبكر بن وائلتجر خصاها تبتغي من تحالف
قال: أعرفه وأعرف الذي يقول:
فأذى العزم من نادى منيراومن كانت له أسرى كلا
وخيبة من يخيب عل غنيوباهلة بن أعصر والرباب
قال: أتعرف الذي يقول:
كأن فقاح الأزد حول ابن مسمعوقد عرقت أفواه بكر بن وائل
قال: نعم أعرفه واعرف الذي يقول:
قوم قتيبة أمهم وأبوهملولا قتيبة أصبحوا في مجهل
قال: أما الشعر فأراك ترويه، فهل [تقرأ من] القرآن شيئا؟ قال: أقرا الأكثر الأطيب (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) فأغضبه فقال: والله لقد بلغني أن امرأة الحضين حملت إليه وهي حبلى من غيره. قال: فما تحرك الشيخ عن هيئته الأولى، بل قال على رسله: وما يكون؟ تلد غلاماً على فراشي فيقال: فلان بن الحضين، كما يقال عبد الله بن مسلم. فأقبل قتيبة على عبد الله وقال: لا يبعد الله غيرك.
التعريض في هذه الحكاية المستحسنة في موضعين: أحدهما قوله: أجل أسن عمك عن تسور الحيطان، يعرض بفاحشة عبد الله. والثاني: في تلاوة الآية يعرض بأنهم ليس لهم قديم ذكر، وغنما هم حديثو عهد بالرياسة.
ومن أمثلته في الشعر قول الحماسي:
أنا ابن زيابة أن تلفنيلا تلف
ني في النعم العازب.
ومراده أني لست راعيا وأنك راعي.
وقول الحجاج بن يوسف يعرض بمن تقدمه من الأمراء:
لست براعي إبل ولا غنمولا بجزار على ظهر وضم
وقول أبي فراس بن حمدان من قصيدة يمدح العلويين، ويعرض ببني عباس:
ما في ديارهم للخمر معصرولا بيوتهم للسوء معتصم
ولا تبيت لهم خنثى تنادمهمولا يرى لهم قرد له حشم
أراد بالخنثى: عبادة نديم المتوكل، وبالقرد، قردا كان لزبيدة طالبت الناس بالسلام عليه، وجعلت له حشما وأتباعا، حتى قتله يزيد بن مزيد الشيباني.
وأجمع العلماء على أن التعريض أرجح من التصريح لوجوه: أحدها، أن النفس الفاضلة لميلها إلى استنباط المعاني تميل إلى التعريض شفعا باستخراج معناه بالفكر. ثانيها: أن التعريض لا ينتهك معه سجف الهيبة، ولا يرتفع به ستر الحشمة. ثالثهما: أنه ليس للتصريح الأوجه واحدة، وللتعريض وجوه وطرق عديدة. رابعها: أن النهي صريحا يدعو إلى الإغراء، بخلاف التعريض كما يشهد به الوجدان.
والفرق بين الكناية والتعريض، أن الكناية ذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، والتعريض أن تذكر شيئا يدل به على شيء لم تذكره، قاله الزمخشري.
وبيت بديعية الصفي قوله:
ومن أتى ساجدا لله ساعتهولم يكن سا
جدا في العمر للصنم.
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
تطويل تعريض شانيهم يعظمهوالرفض أقبح شيء موجب الأضم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
تعريض مدح أبي بكر يقدمنيفي سبق حليهم مع موصليهم
وبيت بديعية المقري قوله:
أوحى إليه بما أوحى وثبتتهعند الخطاب فلم يصعق ولم يهم
وبيت بديعية العلوي قوله:
وقد تسلسل من صلب إلى رحمبكل عقد صحيح الحكم منتظم
وبيت بديعيتي قولي:
لا تعرضن لتعريضي بمدحهفإنني في ولادي غير متهم
بقال: لا تعرضن له- بكسر الراء وفتحها- أي لا تعترض فتمنعه باعتراضك أن يبلغ مراده، لأنه يقال: سرت فعرض لي في الطريق عارض، من جبل ونحوه أي مانع من المضي. والولاد مصدر بمعنى ولادة، والتعريض في البيت ظاهر والله ﷾ اعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع