تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

التسميط

سمطت من فرحي في وصفهم مدحيولم أنل منحي إلا بجاههم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

التسميط مأخوذ من السمط- بكسر السين المهملة وسكون الميم- وهو خيط النظم، كأنهم جعلوا القافية كالسمط، والأجزاء المسجعة بمنزلة حبات العقد، أو من السمط بمعنى القلادة، كأنهم جعلوا البيت بتفصيله بالأجزاء المسجعة كالقلادة المفصلة بالجواهر المناسبة. وهو عبارة عن أن يجعل الشاعر البيت من قصيدة، أو كل بيت منها، أربعة أقسام، ثلاثة منها على سجع واحد مع مراعاة القافية في الرابع.

كقول جنوب الهذلية:

وحرب وردتوثغر سددت
وعلج شددتعليه الحبالا
ومال حويتوخيل حميت
وضيف قريتيخاف الوكالا

وكقول الحريري والشاهد فيما عدا المطلع:

أيا من يدعي الفهمإلى كم يا أخا الوهم
تعبي الذم والذنبوتخطي الخطأ الجم
أما بان لك العيبأما أنذرك الشيب
وما في نصحه ريبولا سمعك قد صم
أما نادى بك الموتأما أسمعك الصوت
أما تخشى من الفوتفتحتاط وتهتم
فكم تسدر في السهووتختال من الزهو
وتنصب إلى اللهوكأن الموت ما عم
وحتام تجافيكوابطاء تلا فيك
طباعا جمعت فيكعيوبا شملها انضم
إذا أسخطت مولاكفما تقلق من ذاك
وإن أخفق مسعاكتلظيت من الهم
وإن لاح لك النقشمن الأصفر تهتش
وإن مر بك النعشتغاممت ولا غم
تعاصي الناصح البروتعتاص وتزور
وتنقاد لمن غرومن هان ومن نم
وتسعى في هوى النفسوتحتال على الفلس
وتنسى ظلمة الرمسولا تذكر ما ثم
ولو لاحظك الحظلما طاح بك اللحظ
ولا كنت إذا الوعظجلا الأحزان تغتم
ستذري الم لا الدمعإذا عاينت لا جمع
يقي في عرصة الجمعولا خال ولا عم
كأني بك تنحطإلى القبر وتنغط
وقد أسلمك الرهطإلى أضيق من سم
هناك الجسم ممدودليستأ كله الدود
إلى أن ينخر العودويمسي العظم قد رم
ومن بعد فلا بدمن العرض إذا اعتد
صراط جسره مدعلى النار لمن أم
فكم من مرشد ضلومن ذي عزة ذل
وكم من عالم زلوقال الخطب قد طم
فبادر أيها الغرلما يحلو به المر
فقد كاد يهي العمروما أقلعت عن ذم
ولا تركن إلى الدهروإن لان وإن سر
فتلقى كمن اغتربأفعى تنفث السم
وخفض من تراقيكفإن الموت لاقيك
وسار في تراقيكوما ينكل إن هم
وجانب صعر الخدإذا ساعدك الجد
وزم النطق إن ندفما أسعد من زم
ونفس عن أخي البثوصدقه إن نث
ورم العمل الرثفقد أفلح من رم
ورش من ريشه انحصبما عم وما خص
ولا تأس على النقصولا تحرص على اللم
وعاد الخلق الرذلوعود كفك البذل
ولا تستمع العذلونزهها عن الضم
وزود نفسك الخيرودع ما يعقب الضير
وهيئ مركب السيروخف من لجة اليم
بذا وصيت يا صاحوقد بحت كمن باح
فطوبى لفتى راحبآدابي يأتم

وقوله أيضاً:

لزمت السفاروجبت القفار
وعفت النفارلا جني الفرح
وخضت السيولورضت الخيول
لجر ذيولالصبي والمرح
ومطت الوقاروبعت العقار
لحسو العقارورشف القدح
ولولا الطماحإلى شرب راح
لما كان باحفمي بالملح
ولا كان ساقدهائي الرفاق
بأرض العراقبحمل السبح
فلا تغضبنولا تصخبن
ولا تعتبنفعذري وضح
ولا تعجبنلشيخ أبن
بمغنى أغنودن طفح
فإن المدامتقوي العظام
وتشقي السقاموتنفي الترح
وأصفى السرورإذا ما الوقور
أماط ستورالحيا واطرح
وأحلى الغرامإذا المستهام
أزال اكتتامالهوى وافتضح
فبح بهواكوبرد حشاك
فزند أساكبه قد قدح
وداو الكلوموسل الهموم
ببنت الكرومالتي تقترح
وخص الغبوقبساق يسوق
بلاء المشوقإذا ما طمح
وشاد يشيدبصوت تميد
جبال الحديدله إن صدح
وعاص النصيحالذي لا يبيح
وصال المليحإذا ما سمح
وجل في المحالولو بالمحال
ودع ما يقالوخذ ما صلح
وخالف أباكإذا ما أباك
ومد الشباكوصد من سنح
وصاف الخليلوناف البخيل
وأول الجميلووال المنح
ولذ بالمتابأمام الذهاب
فمن دق بابكريم فتح

وبعضهم يسمي كل ذلك تسجيعا، والصحيح أن بينهما فرقا، وهو أن التسجيع يلزم فيه أن يكون سجع أجزائه على روي البيت، وأن تكون أجزاؤه متزنة، وعددها محصورا، بخلاف التسميط. وذهب الخليل ﵀ إلى أن الشعر المسمط هو الذي يكون في صدر البيت أبيات مشطورة، أو منهوكة مقفاة، ثم تجمعها قافية مخالفة لازمة للقصيدة حتى تنقضي.

كقول امرئ القيس:

ومستلئم كشفت بالرمح ذيلهأقمت بعضب ذي سفاسق ميله
فجئت به في ملتقى الكر خيلهتركت عناق الطير تحجل حوله

كأن على سرباله نضح جريال.

وقول المطرزي:

يا خليلي اسقياني بالزجاجحلب الكرمة من غير مزاج
أنا لا ألتذ سمعا باللجاجفاسقنيها قبل تغريد الدجاج

قبل أن يؤذن صبحي بانبلاج.

إن أردت الراح فاشربها صباحابعد أن تصحب أترابا ملاحا
جمعوا حسنا وأنسا ومزاحاوغدوا كالبحر علما وسماحا

فهم مفتاح باب الابتهاج.

وقول الحريري وهو شطور الأبيات المنهوكة:

خل ادكار الأربعوالمعهد المرتبع
والظاعن المودعوعد عنهم ودع
واندب زمانا سلفاسودت فيه الصحفا
ولم تزل معتكفاعلى القبيح الشنع
كم ليلة أودعتهامآثما أبدعتها
لشهوة أطعمتهافي مرقد ومضجع
وكم خطى حثثتهافي خزية أحدثتها
وتوبة نكثتهالملعب ومرتع
وكم تجرأت علىرب السماوات العلى
ولم تراقبه ولاصدقت فيما تدعي
وكم غمطت برهوكم أمنت مكره
وكم نبذت أمرهنبذ الحذا المرقع
وكم ركضت في اللعبوفهت عمدا بالكذب
ولم تراع ما يجبمن عهده المتبع
فالبس شعار الندموسكب شآبيب الدم
قبل زوال القدموقبل سوء المصرع
واخضع خضوع المعترفولذ ملاذ المقترف
واعص هواك وانحرفعنه انحراف المقلع
إلام تسهو وتنيومعظم العمر فني
فيما يضر المقتنيولست بالمرتدع
أما ترى الشيب وخطوخط في الرأس خطط
ومن يلح وخط الشمطبفوده فقد نعي
ويحك يا نفس احرصيعلى ارتياد المخلص
وطاوعي وأخلصيواستمعي النصح واعي
واعتبري بمن مضىمن القرون وانقضى
واخشي مفاجاة القضاوحاذري أن تخدعي
وانتهجي سبل الهوىوادكري وشك الردى
وإن مثواك غدافي قعر لحد بلقع
آهاً له بيت البلىوالمنزل القفر الخلا
ومورد السفر الألىواللاحق المتبع
بيت يرى من أودعهقد ضمه واستودعه
بعد الفضاء والسعةقيد ثلاث أذرع
لا فرق أن يحلهداهية أو أبله
أو معسر أو من لهملك كملك تبع
وبعده العرض الذييحوي الحيي والبذي
والمبتدي والمحتذيومن رعى ومن رعي
فيا مفاز المتقيوربح عبد قد وقي
سوء الحساب الموبقوهول يوم الفزع
ويا خسار من بغىومن تعدى وطغى
وشب نيران الوغىلمطعم أو مطمع
يا من عليه المتكلقد زاد ما بي من وجل
لما اجترحت من زللفي عمري المضيع
فاغفر لعبد مجترموارحم بكاه المنسجم
فأنت أولى من رحموخير مدعو دعي

ومن التسميط نوع أخر يسمى تسميط التقطيع، وهو أن يسجع جميع أجزاء تفعيل البيت على روي يخالف القافية، وهو عزيز الوقوع.

كقول ابن أبي الإصبع:

وأسمر مثمر بمزهر نضرمن مقمر مسفر عن منظر حسن

فإن جميع أجزاء تفعيل هذا البيت من سباعية وخماسية مسجع على خلاف سجعة الجزء الذي هو قافية البيت. ومنهم من سمى هذا النوع (الموازنة) وعده نوعا مستقلا، وسيأتي ذكره عن قريب إن شاء الله تعالى. وأصحاب البديعيات بنوا أبياتهم على التسميط بالمعنى الأول لأنه هو الأشهر.

وبيت بديعية الصفي الحلي قوله:

فالحق في أفق والشرك في نفقوالكفر في فرق والدين في حرم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.

وبيت بديعية الموصلي قوله: تسميط ذي أدب تنظيم ذي أرب=تحقيق ذي غلب بالنصر ملتزم.

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

تسميط جوهره يلفى بأبحرهورشف كوثره يروى لكل ظم

وبيت بديعية المقري قوله:

كم مهجة وسما لما رقى وسماما فوق سابع سما وخص بالكلم

وبيت بديعية السيوطي قوله:

في رأسه غسق في وجهه فلقفي ثغره نسق تسميط درهم
للشاعر جلال الدين السيوطي، من قصيدة «من العقيق ومن تذكاري ذي سلمٍ»

وبيت بديعية العلوي قوله:

سرى إلى أفق والليل في غسقوجاز في طرق لم ترم لم ترم

وبيت بديعية الطبري قوله:

على البراق سرى لربه نظراولات حين سرى في سمط سيرهم

وبيت بديعيتي قولي:

سمطت من فرحي في وصفهم مدحيولم أنل منحي إلا بجاههم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.