تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الترشيح

إذا أتيت بترشيح لمدحتهمحلى لساني وجيدي فضل ذكرهم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

الترشيح في اللغة بمعنى التربية، يقال: رشح الندى النبت ترشيحا: رباه فترشحن وفلان يرشح للملك: يربى ويؤهل له.

وفي الاصطلاح، هو أن يأتي المتكلم بلفظة تؤهل غيرها لضرب من المحاسن البديعية: أما التورية كقول التهامي:

وإذا رجوت المستحيل فإنماتبني الرجاء على شفير هار
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»

فذكر الشفير يرشح الرجاء للتورية برجاء البئر، وهو ناحيتها، ولولا ذكره لما كان فيه تورية، ولكان من رجوت بمعنى ضد اليأس فقط، لقوله أولا: وإذا رجوت المستحيل.

أو الطباق كقول أبي الطيب:

وخفوق قلب لو رأيت لهيبهيا جنتي لرأيت فيه جهنما

فقوله: يا جنتي، رشحت لفظة جهنم للمطابقة.

أو الاستخدام كقول أبي العلاء في صفة الدرع:

تلك مأذية وما لذباب الصيف والسيف عندها من نصيب

فإن ذكر السيف رشح الذباب لاستخدامه، بمعنى طرف السيف، ولولاه لا نحصر في معنى الطائر المعروف.

أو تحقيق المبالغة في التشبيه وذلك في الاستعارة والمرشحة، وهي التي قرنت بما يلائم المستعار.

كقوله تعالى (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم) فإنه استعار الاشتراء للاستبدال والاختيار، ثم رشحه بما يلائم الاشتراء من الربح والتجارة، فذكر الربح والتجارة يرشح حقوق المبالغة في التشبيه. وبيان ذلك: إن في الاستعارة مبالغة في التشبيه، فترشيحها بما يلائم المستعار تحقيق لذلك وتقوية. فظهر أن الترشيح لا يختص بنوع من البديع، فمن زعم أنه ضرب من التورية فلا معنى لجعله نوعا برأسه، فقد توهم.

وبيت بديعية الصفي قوله:

أن حل أرض الناس شد أزرهمبما أتاح لهم من حط وزرهم

فقوله (سد) رشح لفظة (حل) للمطابقة، ولولاه لبقيت على عنى الحلول وفاتت المطابقة.

ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في مطابقته.

وبيت بديعية الموصلي قوله:

في الفتح ضم من لأنصار شملهمجبرا لكسر بترشيح من الرحم

رشح الفتح للتورية بذكر الصم، ورشح الضم للتورية بذكر الكسر.

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

يس زادت على لقمان حكمتهوبأن ترشيحه في نون والقلم

فذكر لقمان رشح يس للتورية، وذكر نون والقلم رشح لقمان للتورية.

وبيت بديعية المقري قوله:

كم صاف في رمضي صيف وحر ظمامن سامه رمضان الفطر لم يلم

قال في شرحه: رمضان تثنية رمض، والمعنى (من كلفه رمض أن يفطر لم يلم) لأن رمضان هنا تثنية رمض، وقد شرحه لرمضان الذي هو شهر الصوم والفطر معه. وفي معنى البيت غرة. انتهى.

وبيت بديهية السيوطي قوله:

وكلما نسجوا حوكا بوشيهمعنى لهم رشحوه باختراعهم
للشاعر جلال الدين السيوطي، من قصيدة «من العقيق ومن تذكاري ذي سلمٍ»

فذكر النسيج والحوك رشح الوشي للتورية بمعنى رقم الثوب ونقشه، ولولاه لبقي على معنى السعاية والنميمة.

وبيت بديعية العلوي قوله:

تراه أسود من لبس الدروع لهبياض وجه يضي للوفد من الظلم

وبيت بديعية الطبري قوله:

عم الورى بيد سحنا يرشحهاعطاؤه ليس يخشى فاقة النهم

قال في شرحه: الشاهد فيه قولي: سحا عطاؤه، لأنهما رشحا باليد للنعمة دون الجارحة. انتهى، وفيه نظر ظاهر.

وبيت بديعيتي قولي:

إذا أتيت بترشح لمدحهمحلى لساني وجيدي فضل ذكرهم

فذكر الجيد رشح وأهل لفظة حلى لاستخدامها بمعنى ألبسة الحلي، ولولاه لانحصرت في معنى جعله حلوا، والله أعلم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.