من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
إيهام التوكيد
حققت إيهام توكيدي لحبهمولم أزل مغريا وجدي بهم بهم
إيهام التوكيد استخرجه الشيخ زين الدين عمر بن الوردي، وسماه بهذا الاسم، وهو عبارة عن أن يعيد المتكلم في كلامه كلمة فأكثر، مرادا بها غير المعنى الأول، حتى يتوهم السامع من أول وهلة أن الغرض التأكيد وليس كذلك، ولذلك سمي إيهام التوكيد. ولم أقف عليه في شيء من كتب هذا الفن، وإنما أشار إليه الشيخ صلاح الدين الصفدي في شرح لامية العجم استطرادا وقال: إنه في غاية الحسن، يظن السامع من أول وهلة أنه من باب التكرار وتحصيل الحاصل، إلى أن يعيره ذهنه ويتأمل معنى الشاعر في ذلك فيرقص طربا. انتهى.
ومثاله في القرآن المجيد قوله تعالى (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) فقوله: فيه فيه، هو إيهام التوكيد، فإن السامع يظن من أول وهلة أن الثانية تأكيد للأولى وليس كذلك.
ومن الشعر قول أبى نصر أحمد بن علي بن (أبي) بكر. (الزوزني):
ألا حل بي عجب عاجبتقاصر وصفي عن كنهه
رأيت الهلال على وجه منرأيت الهلال على وجهه
وقول أبي عبد الله محمد بن أحمد صاحب الجيش بمصر في عبد الحميد بن الحسين بن علي بن الوزير المغربي:
قد أطلع الفال منه معنىيدركه العالم الذكي
رأيت جد الفتى عليافقلت جد الفتى علي
وقول القائل:
قالت لترب معها منكرةلو قفتي هذا الذي نراه من
قالت فتى يشكو الهوى متيمقالت بمن قالت بمن قالت بمن
معناه: قالت بمن هو متيم؟ تستفهم من تربها، قالت لها: بالذي قالت بمن، وهو مأخوذ من قول أبي الطيب:
قالت وقد رأت اصفراري من بهوتنهدت فأجبتها المتنهد
قال الصلاح الصفدي: في البيتين عيب لم أر أحد تنبه له وهو الإيطاء قي القافية، وهو أن (من) في القافيتين للاستفهام، ولو كانت أحدهما للاستفهام والأخرى موصولة كالوسطى في قوله (قالت بمن) لكان أكمل وأخلص من الايطاء في بيتين.
وأنشد الشيخ زين الدين (بن) الوردي لنفسه في هذا النوع:
تعشقت أحوى إليه وسائلوإصلاح أحوالي لديه لديه
أمر به مستعطفا ومسلمافيثقل تسليمي عليه عليه
فلا كان واش كدر الصفو بينناوبغض تحبيبي إليه إليه
ومثله قول ابن نقادة:
يثبت تأليف الهوى حسنهاوقدها إن ماح للصب ماح
وطرفها مسكرة خمرةإذا أديرت يا صاح صاح
واضحها موضع عذري فمايلومني فيه إذا لاح لاح
ولم ينظم أحد من أصحاب البديعيات هذا النوع، وقد تفردت أنا في نظمه في بديعيتي، وهو في قولي في آخر البيت (ولم أزل مغريا وجدي بهم بهم).
فإن قولي بهم بهم، يوهم التوكيد وليس توكيدا، بل (بهم) الأولى متعلقة بوجدي، والثانية بقولي: مغريا، والله أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع