تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الاستتباع

يعفون عن كل ذي ذنب إذا قدروامستتبعين نداهم عند عفوهم

هذا النوع سماه العسكري: المضاعف، وابن أبي الإصبع ومن بعده: التعليق، وسماه الزناجي: الموجه، والسكاكي: الاستتباع. ولم يغير أحد منهم الشواهد.

وهو عبارة عن الوصف بشيء يستتبع وصفا آخر من جنس الوصف الأول، مدحا كان أو ذما أو غير ذلك.

كقول أبي الطيب:

عمر العدو إذا لاقاه في رهجأقل من عمر ما يحوي إذا وهبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

فمدحه بفرط الشجاعة، واستتبع في آخر البيت وصفه بفرط الجود.

وقوله أيضاً:

نهبت من الأعمار ما لو حويتهلهنئت الدنيا بأنك خالد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

مدحه بالنهاية في الشجاعة إذا أكثر قتلاه، بحيث لو ورث أعمارهم لخلد في الدنيا، على وجه استتبع مدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها، حيث جعل الدنيا مهنأة بخلوده، إذ لا معنى لتهنئة أحد بشيء لا فائدة له فيه.

قال علي بن عيسى الربعي: وفيه وجهان آخران من المدح، أحدهما: نهبت الأعمار دون الأموال، وهو ما ينبئ عن علو الهمة. والثاني: أنه لم يكن ظالما في قتل أحد من مقتوليه، لأنه لم يقصد بذلك إلا صلاح الدنيا وأهلها، لأن تهنئة الدنيا تهنئة لأهلها، فلو كان ظالما في قتل من قتل ما كان لأهل الدنيا سرور بخلوده.

ومما ورد من ذلك في الذم قول ابن هانئ المغربي:

إن لفظا تلوكه لشبيهبك في منظر الجفاء الجليف
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «طلب المجد من طريق السيوف»

وصفه بالعي وقبح اللهجة، على وجه يستتبع وصفه بجفاء الخلقة والجلافة. يقال: رجل جافي الخلقة: إذا كان كزا غليظا، والجليف- بالجيم- الجلف الجافي.

ومنه قولي من قصيدة وصفت فيها خروجي من الأسر وفوتي الأعداء، وقد جدوا في طلبي لم يلحقوا بي:

وبثوا الجياد السابحات ليلحقواوهل يدرك الكسلان شأو أخي المجد
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «وبثوا الجياد السابحات ليلحقوا»
فساروا وعادوا خائبين على وجىكما خاب من قد بات منهم على وعد
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «وبثوا الجياد السابحات ليلحقوا»

وصفهم بخيبة السعي في طلبهم له على وجه يستتبع وصفهم بخلف الوعد.

والفرق بين هذا النوع وبين التكميل، إن التكميل يكمل ما وصف به أولا، والاستتباع لا يلزم به ذلك.

وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:

الباذلوا النفس بذل الزاد يوم القرىوالصائنوا العرض صون الجار والحرم

وبيت بديعية ابن جابر قوله:

تجري دماء الأعادي من سيوفهممثل المواهب تجري من أكفهم
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة

وبيت بديعية الموصلي قوله:

يستتبعون ببذل العلم بذل ندىويحفظون المعالي حفظ عرضهم

وبيت بديعية ابن حجة قوله: يحمون مستتبعين العفو إن ظفروا=ويحفظون وفاهم حفظ دينهم.

وبيت بديعية المقري قوله:

أفنى العداة كما أفنى النقاد ندىفماله والأعادي منه في نقم

وبيت بديعية العلوي قوله: له الشفاعة في الدنيا وآخرة=وباللواء وحوض للورى شبم.

وبيت بديعيتي قولي:

يعفون عن كل ذي ذنب إذا قدروامستتبعين نداهم عند عفوهم

ولم ينظر السيوطي ولا الطبري هذا النوع، والله أعلم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.