تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

التدبيج

بيض المكارم سود النقع حمر ظبيخضر الديار فدبج وصف حالهم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

التدبيج مشتق من الديباج، وهو ثوب سداه ولحمته ابريسم، وهو معرب (ديبا) بدون الجيم، ثم كثر حتى اشتقت العرب منه فقالوا: دبج الغيث الأرض دبجا- من باب ضرب- ودبجها تدبيجا- بالتضعيف- إذا سقاها فأنبتت أزهارا مختلفة، لأنه عندهم اسم للمنقش.

وفي الاصطلاح عبارة عن أن يذكر المتكلم ألوانا يقصد التورية بها والكناية بذكرها عن أشياء، من نسيب أو مدح أو وصف أو غير ذلك من الأغراض، كقوله تعالى (ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود).

قال ابن أبي الإصبع: المراد بذلك- والله أعلم- الكناية عن الواضح والمشتبه من الطرق، لأن الجادة البيضاء هي الطريقة التي كثر السلوك عليها جدا، وهي أوضح الطرق وأبينها، ودونها الحمراء ودون الحمراء السوداء كأنها في الخفاء والالتباس ضد البياض في الظهور والوضوح، ولما كانت هذه الألوان الثلاثة في الظهور للعين طرفين وواسطة، فالطرف الأعلى في الظهور البياض، والطرف الأدنى في الخفاء السواد، والأحمر بينهما على وضع الألوان في التركيب، وكانت ألوان الجبال لا تخرج عن هذه الألوان الثلاثة، بكل علم نصب منقسمة هذه القسمة، أتت الآية الكريمة منقسمة كذلك، فحصل فيها التدبيج وصحة التقسيم.

ومنه قول الحريري: فمذ اغبر العيش الأخضر، وازور المحبوب الأصفر، اسود يومي الأبيض، وابيض فودي الأسود، حتى رثي لي العدو الأزرق، فحبذا الموت الأحمر.

قال الصفدي: أخبرني الشيخ ثناء الدين أبو الثناء محمود أن القاضي الفاضل شرع في إنشاء مقامات، فكان يعارض كل فصل من مقامات الحريري بفصل من كلامه، فلما انتهى إلى هذا الفصل من التدبيج قال: من أين يأتي المتكلم بمثل هذا؟ وغسل ما عمله من المقامات.

ومن إنشاء بعض الكتاب: وصل كتابك فاستلمته استلام الحجر الأسود وتمتعت منه بالعيش الأخضر، وجمعت منه يدي على الكبريت الأحمر والبازي الأشهب وملك بن الأصفر.

ومن رسالة لبعضهم: قد أوردنا الحديد الأخضر في ماء الوريد الأحمر من عدو الله الأزرق من بني الأصفر.

ومن إنشاء القاضي الفاضل في وصف كتاب: ففضضته فكم لحفتني من شرارة، وقضضته فإذا جبال النور منه مستعارة، كأن شرارته الجمالات الصفر؛ أو القصور الحمر أوالنصول الزرق والليالي السود والبروق البيض.

ومنه قول الحسين بن مطير:

مخصرة الأوساط زانت عقودهابأكثر مما زينتها عقودها
بصفر تراقيها وحمر أكفهاوسود نواصيها وبيض خدودها

وقال ابن حيوس:

إن ترد علم حالهم عن يقينفالقهم يوم نائل أو نزل
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «دون بيض الخدور سمر العوالي»
تلق بيض الوجوه سود مثار النقع خضر الأكناف حمر النصال
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «دون بيض الخدور سمر العوالي»

وقوله:

ببياض عزم واحمرار صوارموسواد نقع واخضرار رحاب

وقول مهيار الديلمي:

بيضاء في الغادين يومي أسودمن بعدها وبكاي أحمر قاني
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «ما أنتِ بعد البين من أوطاني»

وقول ابن النبيه:

دع النوح خلف حدوج الركابوسل فؤادك عن كل ذاهب
ببيض السوالف حمر المراشف صفر الترائب سود الذوائب
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة

وقوله أيضاً: بيض الأيادي حمر أطراف القنا=سود العجاج تحل ربعا أخضرا.

وقوله أيضاً:

وفي الكلة الحمراء بيضاء طفلةبزرق عيون السمر يحمى احورارها
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة
أثار لها نقع الجياد سرادفابه دون ستر الخدر عنا استتاره

وقال بعضهم:

الغصن فوق الماء تحت شقائقمثل الأسنة خضبت بدماء
كالصعدة السمراء تحت الراية الحمراء فوق اللامة الخضراء

وقول الصفدي:

ما أبصرت عيناي أحسن منظرافيما ترى من سائر الأشياء
كالشامة الخضراء فوق الوجنة الحمراء تحت المقلة السوداء
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «ما أبصرت عيناي أحسن منظرا»

وبيت بديعيتة الصفي الحلي قوله:

خضر المرابع حمر السمر يوم الوغىسود الوقائع بيض الفعل والشيم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

وبيت بديعية العز الموصلي قوله:

خضر المرابع حمر البيض سود ردىبيض الثنا فاستمع تدبيج وصفهم
للشاعر عز الدين الموصلي، اقرأ القصيدة

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

واخضر أبيض عيشي حين دبجهبياض حظي من زرق العداة حمي

وبيت بديعية المقري قوله:

تبيض ما اسود يوم شبهه دهموجها إذا احمر سمر فوق سمرهم

وبيت بديعية العلوي قوله:

قد بيض الوجه حين اسود وجه الوغىخضر الديار فدبج وصف حالهم

ولم ينظم ابن جابر ولا السيوطي ولا الطبري هذا النوع أيضاً، والله أعلم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.