تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

المواردة

الحمد لله حمدا دائما أبداعلى مواردتي قومي بحبهم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

هذا النوع عبارة عن أن يتفق الشاعر إن على معنى، من غير أخذ إحداهما من الآخر، كالشخصين اجتمع ورود أحدهما [على الآخر اتفاقا] ويسمى الحافر على الحافر. وسئل أبو عمرو بن العلاء: كيف يتفق الشاعران؟ فقال: عقول رجال توافت على ألسنتها. وهو نوعان [الأول] ما اتفقا فيه لفظا ومعنى من غير تغيير، أو مع تغيير لا يعتد به.

كما روي عن ابن ميادة أنه أنشد لنفسه:

مفيد ومتلاف إذا ما أتيتيهتهلل واهتز اهتزاز المهند

فقيل له: أين يذهب بك؟ هذا للحطيئة، قال: كذلك هو؟ قيل: نعم، فقال: الآن علمت أني شاعر حين وافقته على قوله، وما سمعت به إلا الساعة.

وكما اتفق لامرئ القيس وطرفة بن العبد في بيتين في معلقتهما، فقال: امرؤ القيس:

وقوفا بها صحبي علي مطيهميقولون لا تهلك أسى وتجمل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وقال طرفة البيت في داليته بحاله، غير أنه جعل القافية (وتجلد) فلما تنافسا أحضر طرفة خطوط أهل بلده، أي يوم نظم البيت، فكان اليوم الذي نظما فيه واحدا.

وقال النابغة الذبياني:

لو أنها عرضت لأشمط راهبعبد الإله صرورة المتعبد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»
لرنا لبهجتها وحسن حديثهاولخاله راشدا وإن لم يرشد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»

وقال ربيعة بن مقرم الضبي:

لو أنها عرضت لأشمط راهبعبد الإله صرورة متبتل
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»
لرنا لبهجتها وحسن حديثهاولهم من تاموره بتنزل

وقال الآقيشر:

جريت مع الهوى طلق العتيقوهان علي مأثور الفسوق
وجدت ألذ عارية اللياليقران النغم بالوتر الخفوق
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة
ومسمعة إذا ما شئت غنتمتى نزل الأحبة بالعقيق
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة
تمتع من شباب ليس يبقىوصل بعرى الصبوح عرى الغبوق

وقال أبو نواس:

جريت مع الهوى طلق الجموعوهان علي مأثور القبيح
وجدت ألذ عارية اللياليقران النغم بالوتر الفصيح
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «جريت مع الصبا طلق الجموح»
ومسمعة إذا ما شئت غنتمتى كان الخيام بذي طلوح
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «جريت مع الصبا طلق الجموح»
تمتع منة شباب ليس يبقىوصل بعرى الغبوق عرى الصبوح

وحكى الثعالبي في يتيمة الدهر قال: من عجيب ما يحكى عن أبي الطيب طاهر بن محمد بن طاهر الطيب بن طاهر بكرة يوم رام بهذين البيتين:

وإني والمؤذن يوم راملمختلفان في هذا الصباح
أنادي بالصبوح له كياداإذا نادى بحي على الفلاح

وإذا برسول أبي طاهر جاءه قبل وصوله رقعته إليه برقعة فيها:

وإني والمؤذن يوم راملمختلفان في هذه الغداة

أنادي بالصبوح له كيادا=وإذا نادى بحي على الصلاة.

وكان التقاء رسولهما بالرقعتين على منتصف الطريق. الثاني: ما اتفقا فيه على المعنى دون اللفظ.

قال الثعالبي: اتفق لي في أيام الصبا معنى بديع لم أقدر أي سبقت إليه، ولا ظننت أني شوركت فيه، وهو قولي في آخر هذه الأبيات الأربعة:

قلبي وجدا مشتعلعلى الهموم مشتمل
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
وقد كستني في الهوىملابس الصب الغزل
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
إنسانة فنانةبدر الدجل منها خجل

إذا رنت عيني بها=فبالدموع تغتسل.

فأنشدني أبو حفص عمر بن علي المطوعي لأبي الفرج علي بن الحسين بن هندو وهو:

يقولون لي ما بال عينك إذا رأتمحاسن هذا الظبي أدمعها هطل
للشاعر ابن هندو، اقرأ القصيدة
فقلت عيني بطلعة وجههفكان له من صوب أدمعها غسل
للشاعر ابن هندو، اقرأ القصيدة

فصح عندي توارد الخواطر وتشاركها في المعاني، إذا لم يكن مجال للظن في سرقة أحدنا من الآخر والله أعلم بحقيقة الحال.

وإذا كان احد المتواردين أقدم من الآخر وأرفع منه طبقة حكم له بالسبق، وإلا فلكل منهما ما سبقه.

ولأحمد بن أبي طاهر يعتذر لشعر ادعى البحتري أنه سرق منه:

الشعر ظهر طريق أنت راكبهفمنه منشعب أو غير منشعب
وربما ضم بين الركب منهجهوألصق الطنب العالي إلى الطنب
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة

وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:

تهوى الرقاب مواضيهم فتحسبهاحديدها كان أغلالا من القدم

حكى في شرحه: أنه كان نظم بيتا قديما من أبيات وهو:

تهوى الرقاب مواضيك كأنهامن قبل كان حديدها أغلالا

ثم سمع بيتا لا يعلم قائله وهو:

تهوى الرقاب مواضيه فتحسبهاتود. لو أصبحت أغلال من أسرا

فأسقط ذلك البيت خوفا من القدح بالسرقة، ثم احتاج إلى ذكره هنا شاهد لهذا النوع فذكره كيلا تخلو القصيدة منه.

وبيت بديعية الموصلي قوله:

ليت المدائح تستوفي علاه ولوتواردت في مديح غير منصرم

زعم في شرحه: أنه توارد هو وأبو الطيب المتنبي عليه.

وأبو الطيب يقول:

ليت المدائح تستوفي مناقبهفمن زهير وأهل الأعصر الأول

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

كأنما الهام أحداق مسهدةونومها واردته في سيوفهم

ذكر في شرحه: أنه وارد المتنبي على هذا المعنى، وقوله: ولم يكن يسمع به حتى نبه عليه وهو:

كأن الهام في الهيجا عيونوقد طبعت سيوفك من رقاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

وبيت بديعيتي قولي:

الحمد لله حمدا دائما أبداعلى مواردتي قومي بحبهم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

المواردة في صدر هذا البيت وقعت بيني وبين الصاحب بن عباد، فإني لما دخلت الهند واجتمعت بالوالد قدس روحه في سنة ثمان وستين وألف، ولي من العمر حينئذ خمسة عشر سنة، ولم أكن أتعلق على شيء من النظم، ولا طالعت شيئا من الكتب الأدبية ما عدا ديوان ابن الفارض، عن لي نظم شيء في الاجتماع بالوالد.

فقلت:

الحمد لله حمدا دائما أبداعلى اجتماع به صبح الرجاء بدا
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «الحمد لله حمدا دائما أبدا»

فاتفق أن جاء إلى زيارتي ذلك اليوم الذي نظمت فيه هذا البيت شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي وذلك قبل الاشتغال عليه، فأنشدته البيت فقال: هذا الصدر صدر بيت للصاحب بن عباد، قاله لما ولد سبطه أبو الحسن عباد بن علي الحسني وهو:

الحمد لله حمدا دائما أبداإذا صار سبط رسول الله لي ولدا
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «الحمد لله حمدا دائما أبدا»

فحلفت له أني لم أسمع به فقال: اعلم ذلك، وهذا من نوع المواردة. ثم لما وصلت غلى هذا النوع من البديعية احتجت إلى إيراده شاهدا عليه فأوردته والله أعلم.

ولم ينظم سوى من ذكرناه من أصحاب البديعيات هذا النوع، ولعله لم يتفق لهم والله أعلم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.