من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الالتزام
إن التزامي في ديني بجدهمما زال يفعم قلبي صدق ودهم
هذا النوع كما يسمى الالتزام يسمى لزوم ما لا يلزم، وسماه قوم الأعنات من العنت وهو المشقة، وآخرون التضييق، وبعضهم التشديد، وهو عبارة عن أن يلتزم المتكلم في النثر أو الشعر حرفا أو حرفين فصاعدا قبل الروي، بشرط عدم الكفلة، كقوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر)، وقوله: (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس)، وقوله: (في سدر مخضود وطلح منضود)، وقوله: (والطور وكتاب مسطور)، وقوله: (بلغت التراقي وقيل من راق) وهو في الكتاب العزيز كثير.
ومثاله من الشعر قول امرئ القيس وقد نظر إلى قبر امرأة من بنات الروم بأنقرة وهو يجود بنفسه فقال:
أجارتنا إن المزار قريبوإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا أنا غريبان ههناوكل غريب للغريب نسيب
وقول العباس بن الأحنف:
الله يعلم ما تركي زيارتكمإلا مخافة أعدائي وحراسي
لو قدرت على الإتيان جئتكمسحبا على الوجه أو مشيا على الرأس
قال ابن جريح: ما ظننت أن الله ينفع أحدا بشعر عمر بن أبي ربيعة حتى سمعت وأنا باليمن منشدا ينشد قوله:
بالله قولي له في غير معتبةماذا أردت بطول المكث في اليمن
إن كنت حاولت دنيا أو رضيا بهافما أصبت من ترك الحج من ثمن
فحركني ذلك على الخروج إلى مكة، فخرجت مع الحجاج، وحججت.
وقال اسحق الموصلي: أنشدت الأصمعي- على أنه لشاعر قديم:
هل إلى نظرة إليك سبيلفيروى الصدى ويشفى الغليل
غن ما قل منه يكثر عندي=وكثير من الخليل القليل.
فقال: هذا والله الديباج الخزرواني، فقلت: هو ابن ليلة، فقال: لا جرم أثر التوليد فيه، فقلت: لا جرم أثر الحسد فيك.
قال الصولي: كان اسحق يظن أن لم يسبق إلى هذا المعنى، حتى أنشد الأعرابي:
أليس قليلا نظرة إن نظرتهاإليك وكلا ليس منك قليل
فحلفت أنه ما كان سمعه.
ومنه قول عمرو بن أحمر الباهلي:
ومن يطلب المعروف من غير أهلهيجد مطلب المعروف غير يسير
إذا أنت لم تجعل لعرضك جنة=من الذم سار الذم كل مسير.
وقول السيد البطليوسي:
ترى ليلنا شابت نواصيه كبرةكما شبت أم في الجو روض بهار
كأن الليالي السبع في الليل جمعتولا فصل فيما بينها لنهار
وقول بعضهم:
بدا فكأنما قمرعلى أزراره طلعا
بفت المسك عن طرر الجبين بنانه ولعا
وقد خلعت عليه الراح من أصوابها خلعا
وقول الوأواء الدمشقي:
وزائر راع كل الناس منظرهأحلى من الأمن عند الخائف الوجل
ألقى على الليل جنحا من ذوائبهفهابه الصبح أن يبدو من الخجل
أراد بالهجر قتلي فاستجرت بهفاستل بالوصل روحي من يدي أجلي
وقول الحسن بن علي الواسطي:
براني الهوى بري المدى وأذابنيصدودك حتى صرت أنحل من أمس
فلست أرى حتى أراك وإنمايبين هباء الذر في أفق الشمس
وقول أبي إسحاق الصابي:
ولما تعذر أن نلتقيوطال النزاع وزاد الألم
مشيت إليكم برجل الرسولوخاطبتكم بلسان القلم
وألف الشيخ أبو العلاء المعري كتابا سماه لزوم ما لا يلزم، ولكن جمع فيه بين الغث والسمين وقرن بين الرخيص والثمين، فمنه قوله:
دنياك غانية إذا عاهدتهاغدرت فكيف تروم حسن وفائها
لم تصف قط لعاقل فكأنماعبرت عن فقد النهى بصفائها
المين من أترابه والدين منأضدادها والهم من حلفائها
لا تأسفن لها فإن نعيمهاكشقائها وسقامه كشفائها
تلقى مناياها النفوس بقوةحتى تكون الأسد من ضعفائها
ومنه قوله أيضاً:
وعند الليالي عادة مستمرةمن الجور في بعد من الأرض أو أقرب
تصد عليا عن تراث محمدوتدعوا زيادا في ملوك بني حرب
ومنه قوله أيضاً:
لا تطلبن بآلة لك رفعةقلم البليغ بغير حظ مغزل
سكن السما كان السماء كلاهماهذا له رمح وهذا أعزل
ومنه قوله أيضاً: ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة=وحق لسكان البسيطة أن يبكوا.
يحطمنا صرف الزمان كأننازجاج ولكن لا يعاد لنا سبك
قيل: هذا البيت يشهد بأنه كان دهريا، ولعله رجع عن ذلك بقوله في مرثية:
ضل الذي قال البلاد قديمةبالطبع زعما والأنام كنبتها
وللأبيوردي في بعض أهل عصره من كان يستعمل هذا النوع كثيرا:
شعر المراغي وحوشيتهمكعقله أسلمه أسقمه
يلزم ما ليس له لازمالكنه يترك ما يلزمه
ولمؤلفه عفا الله عنه في نحو ذلك:
وشاعر قريضةمن كل حسن معدم
لم يلتزم شيئا سوىلزوم ما لا يلزم
وبيت بديعية الصفي قوله:
من كل مبتدر للموت مقتحمفي مأزق بغبار الخيل ملتحم
وبيت بديعية ابن جابر قوله:
وميل سمعي لنيل القرب من شيميوسيل دمعي بذيل الترب كالديم
وبيت بديعية الموصلي قوله:
لي التزام بمدحي خير معتصمبربه وارتباط غير منفصم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
لأن مدح رسول الله ملتزميفيه ومدحي سواه ليس من لزمي
وبيت بديعية المقري قوله:
تطول إن عرضت في كل منهزمبها الموالي وينجو كل ملتزم
وبيت بديعية العلوي قوله:
ونال عزا وفضلا غير منفصموخصه الله بالنعماء والعصم
وبيت بديعيتي قولي:
إن التزامي في ديني بجدهممازال يفعم قلبي صدق ودهم
ولم أقف على بيت السيوطي في هذا النوع. وأما الطبري فلم ينظمه، والله أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع