تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

تنبيهات (٣)

. الأول، أحسن التضمين ما صرف عن معنى غرض الشاعر الأول، وما زاد على الأصل بنكتة كالتورية والتشبيه ونحو ذلك.

كقول ابن أبي الإصبع:

إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرهاتذكرت ما بين العذيب وبارق
للشاعر ابن أبي الإصبع، من قصيدة «إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها»
وتذكرني من قدها ومدامعيمجر عوالينا ومجرى السوابق

الثاني: يجوز في التضمين أن يجعل صدر البيت عجزا وبالعكس.

كقول الحريري:

على أني سأنشد عند بيعيأضاعوني وأي فتى أضاعوا

المصراع الثاني صدر البيت للعرجي وتمامه (ليوم كريهة وسداد ثغر.

الثالث: لا يضره التغيير اليسير لما قصد تضمينه ليدخل في معنى الكلام.

كقول بعضهم في يهودي به داء الثعلب:

أقول لمعشر غلطوا وغضوامن الشيخ الرشيد وأنكروه
هو ابن جلا وطلاع الثنايامتى يضع العمامة تعرفوه

البيت لسحيم بن وثيلة، وأصله قوله:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايامتى أضع العمامة تعرفوني
للشاعر سليمان الباروني، من قصيدة «لبست التاج تاج الفخر كيما»

فغيره إلى طريق الغيبة ليدخل في المقصود.

ومن بديع التضمين قول بعضهم في طبيب يسمى النعمان ويكنى ابن المنذر:

أقول لنعمان وقد ساق طبهنفوسا نفيسات إلى باطن الأرض
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «أقول لنعمان وقد ساق طبه»
أبا منذر أفنيت فأستبق بعضناحنانيك بعض الشر أهون من بعض
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «أقول لنعمان وقد ساق طبه»

وقول أبي الحسن اللحام مضمنا بيتا للنابغة في وصف الأقحوان:

يا سائلي عن جعفر علمي بهرطب العجان وكفه كالجلمد
كالأقحوان غداة غب سمائهجفت أعاليه وأسفله ند
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»

وقول أبي عبد الله الحسين بن الحجاج:

صاح أيرى ورمحه فوق خصييه ولا رمح ضمرة بن هلال.

قربا مربط النعامة منيلقحت حرب وائل عن حيال
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «صاح أيري ورمحه فوق خصييه»
ثم أهوى بطعنة بات منهاسرم ستي ذاك الشقاء بحالي
فتولى يقول وهو طعيندمعه مع خراه مثل البزال
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «صاح أيري ورمحه فوق خصييه»
لم أكن من جناتها علم اللهـ وإني بحرها اليوم صال
للشاعر الحارث بن عباد، من قصيدة «كل شئ مصيره للزوال»

وما أحسن ما ضمن هذا البيت شمس الدين محمد بن العفيف التلمساني في قوله:

وعيون أمرضن جسمي وأضرمن بقلبي لواعج البلبال
وخدود مثل الرياض زوارهما الأيام حسنها من زوال
لم أكن من جناتها علم اللهـ وإني بحرها اليوم صال
للشاعر الحارث بن عباد، من قصيدة «كل شئ مصيره للزوال»

فإنه صرف فيه لفظة جناتها من الجناية إلى معنى الجنة.

ومن محاسن التضمين أيضاً ما حكاه القاضي شمس الدين بن خلكان في تاريخه: إن الحيص بيص الشاعر خرج ليلة من دار الوزير شرف الدين بن طراد الزينبي، فنبح عليه جرو، وكان متقلدا سيفا فوكزه بعقب السيف فمات. فبلغ ذلك أبي القاسم هبة الله بن الفضل المعروف بابن القطان الشاعر فنظم أبياتا وضمنها بيتين لبعض العرب قتل أخوه ابنا له فقدم إليه ليقتاد منه، فألقى السيف فأنشدهما (البيتين المذكوران يوجدان في الباب الأول من كتاب الحماسة) ثم إن الفضل المذكور جعل الأبيات في ورقة وعلقها في عنق كلبة لها جرو، ورتب معها من يطردها مع أولادها إلى باب الوزير المذكور كالمستغيثة، فأخذت الورقة من عنقها وعرضت على الوزير فإذا فيها:

يا أهل بغداد فإن الحيص بيص أتىبفعلة أكسبته الخزي في البلد
هو الجبان الذي أبدى تشاجعهعلى جري ضعيف البطش والجلد
للشاعر ابن الفضل القطان، اقرأ القصيدة
وليس في يديه مال يديه بهولم يكن ببواء عنه في القود
للشاعر ابن الفضل القطان، اقرأ القصيدة
فأنشدت جعدة من بعد ما احتسبتدم الأبيلق عند الواحد الصمد
للشاعر ابن الفضل القطان، اقرأ القصيدة
أقول للنفس تأساء وتعزيةإحدى يدي أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبههذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
للشاعر ابن الفضل القطان، اقرأ القصيدة

قال القاضي شمس الدين: وهذا التضمين في نهاية الحسن، ولم أسمع مثله مكثرة استعمال الشعراء التضمين في أشعارهم ألا ما أنشدني الشيخ مهذب الدين أبو طالب المعروف بابن الخيمي لنفسه، وأخبرني أنه كان بدمشق وقد أمر السلطان بحلق لحية شخص له وجاهة بين الناس، فحلقت بعضها وحصلت فيه شفاعة فعفا عنه في الباقي، ولم يصرح باسمه بل رمزه وستره وهو:

زرت ابن آدم لما قيل قد حلقواجميع لحيته من بعد ما ضرب
فلم أرى النصف محلوقا فعدت لهمهنيا بالذي منهما له وهبا
فقام ينشدني والدمع يخنقهبيتين ما نظما مينا ولا كذبا
إذا أتتك لحلق الذقن طائفةفأخلع ثيابك منها ممعنا هربا
وإن أتوك وقالوا إنها نصففإن أطيب نصفيها الذي ذهبا

والبيتان الأخيران منها في كتاب الحماسة أيضاً في باب مذمة النساء، لكن الأول منهما فيه تغيير، فأن بيت الحماسة هكذا: لا تنكحن عجوزا إن أتيت بها=وأخلع ثيابك منها ممعنا هربا.

وتلطف الحريري في تضمين البيت (من) أبيات للفارابي في وصف الدنيا، فنقله إلى معنى آخر فقال:

أنبات عانتها وفتح مبالهاوليان ملمسها من الجثمان
مرأى كخضراء الديار ومبسم الليث الهصور وملمس الثعبان

ومما جاد في التضمين وبلغ فيه الغاية الشيخ مجير الدين محمد بن تميم وهو القائل:

أطالع كل ديوان أراهولم أزجر عن التضمين طيري
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة
أضمن كل بيت في معنىفشعري نصفه من شعر غيري

ومن محاسنه في هذا الباب قوله:

أزهر اللوز أنت لكل زهرمن الأزهار يأتينا أمام
لقد حسنت بك الأيام حتىكأنك في فم الدنيا ابتسام
للشاعر زينب الشهارية، اقرأ القصيدة

وقوله:

إذا هجرتني الصهباء يوماألاقي النار في كبدي اشتعالا
كأن الهم مشغوف بقلبيفساعة هجرها يجد الوصالا
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة

وقوله في مليح ينظر في مرآة: سقيا لمرآة الحبيب فإنها=جليت بكف مثل غصن أينعا.

واستقبلت قمر السماء بوجههافأرتني القمرين بوقت معا
للشاعر ظافر الحداد، من قصيدة «يا بدر تم بالجمال تبرقعا»

وقوله:

عاينت في الحمام أسود واثبامن فوق أبيض كالهلال المسفر
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة
فكأنما هو زورق من فضةقد أثقلته حمولة من عنبر
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة

وقوله:

إن تاه ثغر الأقاحي إذا تشبههبثغر حبك واستولى به الطرب
فقل له عندما يحكيه مبتسمالقد حكيت ولكن فاتك الشنب
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة

وقوله:

أفدي الذي أهوى بفيه شاربامن بركة راقت وطابت مشرعا
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة
أبدت لعيني وجهه وخيالهفأرتني القمرين في وقت معا
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة

ومن محاسن الشيخ صلاح الدين الصفدي قوله:

أرى فضل المشيب على شبابيخالف في بعضه الأغبياء
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أرى فضل المشيب على شبابي»
وهبني قلت هذا الصبح ليلأيعمى العالمون عن الضياء
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أرى فضل المشيب على شبابي»

وقوله وقد عاد مليحا أرمد:

أيقظته منكراه بعدما رمدتعيناه لامسه م بعدها الألم
قد زرته وسيوف الهند مغمدةوقد نظرت إليه والسيوف دم
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أيقظته من كراه بعد ما رمدت»

وقوله مضمنا قول أبي العلاء المعري في السيف:

ما كنت أحسب لولا نبت عارضهأن ينبت الآس وسط الجمر في النهر
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «ما كنت أحسب لولا نبت عارضه»
ولا ظننت صغار النمل يمكنهامشيا على اللج أو سعيا على السعر
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «ما كنت أحسب لولا نبت عارضه»

ومن مليح التضمين قول الشيخ زكي الدين بن أبي الإصبع وقد نقل المعنى من الحماسة إلى الغزل:

له من ودادي ملء كفيه صافياولي منه ما ضمت عليه الأنامل
ومن قده الزاهي ونبت عذارهصدور رماح أشرعت وسلاسل

وقول الشيخ شهاب الدين بن (أبي) حجلة:

قل للهلال وغيم الأفق يسترهحكيت طلعه من أهواه بالبلج
للشاعر ابن أَبي حَجَلَة، اقرأ القصيدة
لك البشارة فأخلع ما عليك فقدذكرت ثم على ما فيك من عوج
للشاعر محمد الشوكاني، من قصيدة «الدر أهداه لي في المنظر البهج»

وقول الشيخ عز الدين الموصلي: نادمت قوما لا خلاق لهم ولا=ميل إلى طرب ولا سمار.

يستيقظون إلى نهيق حمارهم=وتنام أعينهم عن الأوتار.

وقول الشيخ عبد الرحمن المرشدي:

إذا الحبشي راوده مريدأجاب ولو تسمط بالعذار
فلا تمنعك من أرب لحاهمسواء ذو العمامة والخمار

وقد ضمن الشيخ جمال الدين بن نباتة، والشيخ زين الدين بن الوردي كثيرا من أشطار الملحة للحريري، وأورد أبن حجة نبذة من ذلك في شرح بديعيته.

أما تضمين شيء من ألفية ابن مالك المسماة بالخلاصة فلم أقف عليه إلا الشيخ محمد بن يوسف المراكشي التاولي من علماء هذا القرن فإنه نظم أرجوزة مدح به بلدية الشيخ أحمد بن محمد المقري، وضمن فيها أشطارا من الألفية المذكورة وأجاد في ذلك ما شاء، فمنها قوله:

ذاك الإمام ذو العلاء والهممكعلم الأشخاص لفظا وهو عم
فلن ترى في علمه مثيلامستوجبا ثنائي الجميلا
ومدحه عندي لازم أتىفي النظم والنثر الصحيح مثبتا
أوصاف سيدي بهذا الرجزتقرب الأقصى بلفظ موجز
فهو الذي له المعالي تعتزيوتبسط البذل بوعد منجز
رتبته في العلم يا من قد فهمكلامنا لفظ مفيد فاستقم
وكم أفاد دهره من تحفمبدي تأول بلا تكلف
لقد رقى على المقام الباهركطاهر القلب جميل الظاهر
وفضله للطالبين وجداعلى الذي في رفعه قد عهدا
وقد حصل العلم وحرر السيروما بالا أو بأنما انحصر
في كل فن باهر صفة ولايكون إلا غاية الذي تلا
سيرته سارت على نهج الهدىولا يلي إلا اختيارا أبدا
وعلمه وفضله لا ينكرمما به عنه مبينا يخبر
يقول دائما بصدر انشرحأعرف بنا فإننا نلنا المنح
يقول مرحبا لقاصديه منيصل إلينا يستعن بنا يعن
والزم جنابه وإياك المللإن يستطل وصل وإن لم يستطل
واقصد جنابه ترى مآثرهوالله يقضي بهبات وافره
وانسب له فإنه ابن معطويقتضي رضا بغير سخط
وأجعله نصب العين والقلب ولاتعدل به فهو يضاهي المثلا

وبيت بديعية صفي الدين الحلي قوله:

إذا رأته الأعادي قال حازمهمحتام نحن نساري النجم في الظلم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

ضمن صدر المطل قصيدة للمتنبي وعجزه (وما سراه على خف ولا قدم.

وبيت ابن جابر قوله:

اسمح بنفسك وأبذل في زيارتهكرائم المال من خيل ومن نعم

ضمن المصراع الثاني من بيت الشريف الرضي، وصدره (ماض من العيش لو يفدى بذلت له. وبيت بديعية العز الموصلي قوله:

إيداعه الفضل في الأصحاب شرفهمبين الرجال وإن كانوا ذوي رحم

ضمنه من قول المتنبي:

ولم تزل قلة الأنصاف قاطعةبين الرجال وإن كانوا ذوي رحم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

وأودعوا للثرى أجسامهم فشكتشكوى الجريح إلى العقبان والرخم

ضمنه من قول المتنبي أيضاً:

ولا تشك إلى خلق فتشمتهشكوى الجريح إلى العقبان والرخم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»

وبيت بديعية المقري قوله:

بيض يقول الأعادي حين تطرفهلانت أسود في عيني من الظلم

ضمنه من قول المتنبي أيضاً:

ابعد بعدت بياضا لا بياض لهلانت أسود في عيني من الظلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

وبيت بديعية العلوي قوله:

فهو الذي تم معناه وصورتهحتى غدا مفردا كالنار في العلم

ضمن المصراع الأول من قول البوصيري في البردة، وتمامه فيها قوله: (ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسم.

وبيت بديعيتي قولي:

إيداع قلبي هواهم شادلي بهممن العناية ركنا غير منهدم

هذا التضمين من قول البوصيري في البردة أيضاً هو:

بشرى لنا معشر الإسلام أن لنامن العناية ركنا غير منهدم
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «مالي أراك أخا الإيناس والسلم»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.