تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

حسن التعليل

ما حسن تعليل نشر الريح إذا نسمتإلا لإلمامها يوماً بأرضهم

هذا النوع عبارة عن أن يدعى لوصف علة مناسبة له باعتبار لطيف غير حقيقي بحيث لا يكون علة له في الواقع، وإلا لما عد من محسنات الكلام لعدم التصرف فيه. وهو أربعة أقسام، لن الوصف الذي أدعي له علة مناسبة، إما ثابت أريد إثباته أو غير ثابت، والأول: إما أن لا يظهر له في العادة علة أو أن يظهر له علة غير المذكور، والثاني إما ممكن أو غير ممكن.

أما الأول وهو الذي لا يظهر له في العادة علة.

فكقول أبي الطيب:

لم تحك نائلك السحاب وإنماحمت به فصبيبها الرخصاء
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الرخصاء: العرق في أثر الحمى، أي المصبوب من السحاب هو عرق الحمى. فنزول القطر من السحاب وصف ثابت لها لا يظهر له في العادة علة وقد علله بأنه عرق حماها الحادثة بسبب نائل الممدوح وتفوقه عليها.

ومن لطيف هذا القسم قول أبي هلال:

زعم البنفسج أنه كعذارهحسنا فسلوا من قفاه لسانه
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة

وقول ابن نباتة السعدي في صفة فرس أغر محجل:

وأدهم يستمد الليل منهوتطلع بين عينيه الثريا
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
سرى خلف الصباح يطير زهواويطوي خلفه الأفلاك طيا
فلما خاف وشك الفوت منهتشبث بالقوائم والمحيا
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

وقول الشيخ جمال الدين الحلي:

ولما نضا وجه الربع نقابهوفاحت بأطراف الرياض نسائم
فطارت عقول الطير لما رأينهوقد بهتت من بينهن الحمائم
للشاعر الواساني، اقرأ القصيدة
خشين جنونا بالرياض وحسنهافرحن وفي أعناقهن التمائم

وحكى ابن رشيق قال: كنت أجالس محمد بن حبيب وكان كثيرا ما يجالسنا غلام ذو خال تحت حنكه، فنظر إلي ابن حبيب يوما وأشار إلى الخال، ففهمت أنه يريد أن يصنع فيه شيئا، فصنعت أنا بيتين، فلما رفع رأسه قال لي: اسمع وأنشدني:

يقولون لي من تحت صفحة خدهتنزل خال كأن منزله الخد
فقلت رأى حسن الجمالفهابه

فحط خضوعا مثل ما يخضع العبد.

فقلت له: أحسنت ولكن أسمع:

حبذا الخال كامنا منه بين الخد والجيد رقبة وحذارا
رام تقبيله اختلاسا ولكنخاف من سيف لحظه فتوارى
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

وأما الثاني وهو الذي يظهر له العادة علة غير المذكورة.

فكقول المتنبي:

ما به قتل أعاديه ولمنيتقي إخلاف ما ترجوا الذئابا

فإن قتل الملوك أعداءهم إنما يكون في العادة لدفع مضرتهم، ليصفوا لهم ملكهم عن المنازع المزاحم، لا لما ادعاه، من أن طبيعة الكرم قد غلبت عليه، ومحبته أن يصدق رجاء الراجين، بعثته على قتل أعدائه، لما علم أنه لما غدا للحرب غدت الذئاب ترجوا أن بتسع عليها الرزق من قتلاهم، وهذا مبالغة في وصفه بالجود. ويتضمن المبالغة في وصفه بالشجاعة على وجه تخييلي، أي تناهى في الشجاعة حتى ظهر ذلك للحيوانات العجم، فإذا غدا للحرب رجت الذئاب أن تنال من لحوم أعدائه. وفيه نوع آخر من المدح وهو أنه ليس ممن يسرف في القتل طاعة للغيظ والحنق. أيضاً قصور أعدائه عنه، وفرط أمنه منهم، وأنه لا يحتاج إلى قتلهم واستئصالهم.

وقول أبي طالب المأموني في بعض الوزراء:

مغرم بالثناء صب بكسب المجد يهتز للسماح ارتياحا.

لا يذوق إلا غفا إلا رجاءأن يرى طيف مستميح رواحا

فإن الإعفاء علته في العادة غير ما ذكره، وكان تقييده بالرواح ليشير إلى أن العفاة إنما يحضرونه في صدر النهار- على عادة الملوك- فإذا كان الرواح قلوا فهو يشتاق إليهم ليأنس برؤية طيفهم.

واصله قول الآخر:

وإني لأستغشي وما بي نعسةلعل خيالا منك يلقى خياليا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «ألا حي لبنى اليوم إن كنت غاديا»

وهذا غير بعيد أن يكون أيضاً من هذا الضرب، إلا أنه لا يبلغ في الغرابة والبعد عن العادة ذلك المبلغ، فأنه قد يتصور أن يريد المغرم المتيم إذا بعد عهده بحبه أن يراه في المنام فيريد النوم لذلك خاصة.

ومن لطيف هذا القسم قول ابن المعتز:

قالوا اشتكت عينه فقلت لهمم كثرة القتل مسها الوصب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قالوا اشتكت عينه فقلت لهم»
حمرتها من دماء من قتلتوالدم في النصل شاهد عجب
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «قالوا اشتكت عينها فقلت لهم»

وقول الآخر:

أتتني تؤنبني بالبكافأهلا بها وبتأنيبها
تقول وفي عينه حشمةأتبكي بعين تراني بها
فقلت إذا استحسنت غيركمأمرت الدموع بتأديبها
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «أتتني تؤنبني في البكاء»

فإن العادة في دمع العين أن يكون السبب فيه إعراض الحبيب واعتراض الرقيب ونحو ذلك من الأسباب الموجبة للاكتئاب، لا ما جعله من التأديب على الإساءة باستحسان غير الحبيب.

وأما الثالث وهو الوصف الغير ثابت، الذي أريد إثباته وهو ممكن.

فكقول مسلم بن الوليد:

يا واشيا حسنت فينا إساءتهنجى حذارك إنساني من الغرق
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «يا واشيا حسنت فينا إساءته»

فإن استحسان إساءة الواشي وصف غير ثابت له أراد إثباته، وهو ممكن، فلما حالف الناس فيه عقبة بذكر سببه، وهو أن حذاره من الواشي منعه من البكاء، فسلم إنسان عينه من الغرق في الدموع، وما حصل به ذلك فهو حسن.

وقول الآخر:

ولقد هممت بقتلها من حبهاكيما تكون خصيمتي في المحشر
حتى يطول على الصراط وقوفنافيلذ عيني من لذيذ المنظر

لما ادعى أمرا غير ثابت ولا معتاد، وهو هم العاشق بقتل محبوبته، علله بطول الوقوف معها للمخاصمة يوم المحشر على الصراط، لتلتذ عينه بالنظر إليها.

ويقرب من هذا ما نقل عن بعض العارفين أنه قال: وددت أن يكون جميع ذنوب الخلق علي ليكون لي بكل ذنب مع الله حساب.

وأما الرابع وهو الوصف المذكور غير الممكن.

فكقول الخطيب القزويني وهو معنى بيت فارسي ترجمه:

لو لم تكن نية الجوزاء خدمتهلما رأيت عليها عقد منتطق

فنية الجوزاء خدمة الممدوح وصف غير ممكن أراد إثباته، وجعل الانتطاق علة له، ومما يحلق بحسن التعليل ما بني على الشك، وإنما الحق به ولم يجعل منه، لأن حسن التعليل فيه ادعاء وإصرار والشك ينافيه.

ومثاله قول أبي تمام:

ربي شفعت ريح الصبا بنسيمهاإلى المزن حتى جادها وهو هامع
كأن السحاب العز غيبن تحتهاحبيبا فما ترقى لهن مدامع

فعلل على سبيل الشك نزول المطر من السحاب بأنها غيبت حبيبا تحت تلك الربى فهي تبكي عليه.

وهذا المعنى يشير إلى قول محمد بن وهيب:

طلان طال عليهما الأمددرسا فلا علم ولا نضد
لبسا البلى فكأنما وجدابعد الأحبة مثل ما أجد
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة

وبيت بديعية الصفي قوله:

لهم أسام سوام غير خافيةمن أجلها صار يدعى الإسم بالعلم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

وبيت بديعية ابن جابر قولك:

لم تبرقت إلا أنها فرحتإذا ظللته فأهدت حسن مبتسم

وبيت بديعية الموصلي قوله:

تعليل طيب نسيم الروض حتى سرىبأنه نال بعضا من ثنائهم

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

نعم وقد طال تعليل النسيم لنالأنه مر في آثار تربهم

وبيت بديعية المقري قوله:

لو لم يكن أصله في طيب عنصرهمسكا لما جا ختام الرسل كلهم

وبيت بديعية العلوي قوله:

لولا العناية فيه قبل ما سبقتلم يخلق الناس والدنيا من العدم

وفي كون هذا من حسن التعليل نظر ظاهر.

وبيت بديعيتي قولي:

ما حسن تعليل نشر الريح إذ نسمتإلا لإلمامها يوما بأرضهم

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.