من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
حسن النسق
الحسن ناسق والإحسان وافق والأفضال طابق ما بين انتظامهم
النسق- بالتحريك- اسم للفعل من نسقت الدار نسقا- من باب نصر- إذا نظمته، ونسقت الكلام نسقا: عطفت بعضه على بعض، ودر نسق- بفتحتين- بمعنى منسوق، كالولد، بمعنى مولود، وكلام نسق أي على نظام واحد؛ مستعار من الدر.
وفي الاصطلاح يطلق على معنيين: أحدهما، ما يسمى تنسيق الصفات، وهو أن يذكر للشيء صفات متوالية كقوله تعالى: (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر).
وقول أبي طالب في النبي ﷺ:
وأبيض يستسقى الغمام بوجههثمال اليتامى عصمة للأرامل
وقول أبي الطيب:
دانٍ بعيد محب مبغض بهجأغر حلو ممر لين شرس
ند أبي غر واف أخي ثقةجعدسري نهٍ ندب رض ندس
الثاني، أن يؤتى بكلمات متتاليات معطوفات متلاحمات تلاحما سليما مستحسنا، بحيث إذا أفردت كل جملة منه قامت بنفسه، واستقل معناها بلفظها كقوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي المر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين) فإن جمله معطوف بعضها على بعض بواو النسق، على الترتيب الذي تقتضيه البلاغة من الابتداء بالأهم الذي هو انحسار الماء عن الأرض المتوقف عليه غاية مطلوب أهل السفينة من الإطلاق من سجنها، ثم انقطاع ماء السماء المتوقف عليه تمام ذلك من دفع أذاه بعد الخروج ومن إخلاف ما كان بالأرض، ثم الإخبار بذهاب الماء بعد انقطاع المادتين الذي هو متأخر عنه قطعا، ثم قضاء الأمر الذي هو هلاك من قدر هلاكه ونجاة من سبق نجاته وأخر عما قبله لأن علم ذلك لأهل السفينة بعد خروجهم موقوف على ما تقدم، ثم أخبر باستواء السفينة واستقرارها المفيد ذهاب الخوف وحصول الأمن من الاضطراب، ثم ختم بالدعاء على الظالمين لإفادة أن الغرق وأن عم الأرض فلم يشمل إلا من استحق العذاب لظلمه.
ومثاله من الشعر قول أبي الطيب المتنبي:
جاءت بأشجع من يسمى وأسمح منأعطى وأبلغ من أملى ومن كتبا
لو حل خاطره في مقعد لمشىأو جاهل لصحا أو اخرس خطبا
وقوله أيضاً:
سرى النوم عني في سراي إلى الذيصنائعه تسري إلى كل نائم
إلى مطلق الأسرى ومخترم العدىومشكي ذوي الشكوى ورغم المراغم
وقول بديع الزمان الهمذاني:
يقولون وافى حضرة الملك الذيله الكنف المأهول والنائل الجزل
فقيد له طرف وحلت له حبىوخير له قصر ودر له نزل
وقول ابن هاني المغربي:
قد جالت الأوهام فيك ودقت الألباب عنك وجلت الآلاء.
فعنت الأمصار وانقادت لك الأقدار واستحيت لك الأنواء.
وبيت بديعية الصفي الحلي قوله:
والذيب سلم والجني أسلم والثعبان كلم والأموات في الرجم
وبيت بديعية الموصلي قوله:
فالضيق أذهب والتوفيق سببوالتنسيق رتب في تصديق حكمهم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
من ذا يناسقهم من ذا يطابقهممن ذا يسابقهم في حلبة الكرم
وبيت بديعية المقري قوله:
ونالوا عليا وما نالوا بمدحتهاجهدا وفاض عليه فائض الكرم
وبيت بديعية العلوي قوله:
والثدي در له والغيم ظللهوالبدر شق له والطرف عنه عم
وبيت بديعيتي قولي:
الحسن ناسق والإحسان وافق والأفضال طابق ما بين انتظامهم.
ولم ينظم ابن جابر ولا الطبري هذا النوع، والله أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع