من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
التجريد
. جردت منهم لأعناق العدى قضبا=تبري الرقاب بحد غير منثلم.
التجريد في اللغة: مصدر جردته من ثيابه إذا نزعتها عنه.
وفي الاصطلاح: أن ينتزع من أمر متصف بصفة أمر آخر مثله في تلك الصفة مبالغة لكمالها فيه، حتى كأنه بلغ من الإتصاف بها مبلغا يصح أن ينتزع منه أمر آخر موصوف بتلك الصفة، كقولهم: مررت منهم بالرجل الكريم، والنسمة المباركة. جردوا من الرجل الكريم والنسمة المباركة آخر مثله متصفا بصفة البركة، وعطفوا عليه كأنه غيره، وهو هو في نفس الأمر.
وهو- أعني [التجريد- على] أقسام: أحدها، أن يكون بمن التجريدية الداخلة على المنتزع منه.
نحو قولهم: لي من فلان صديق حميم، أي قد بلغ من الصداقة مبلغا صح معه أن يستخلص منه صديق آخر مثله فيها.
وقول الشاعر:
وبي ظبية أدماء ناعمة الصباتحار الظباء البيض من لفتاتها
أعانق غصن البان من لين قدهاوأجني جني الورد من وجناتها
وقول أبي العلاء المعري:
ماجت نمير فهاجت منك ذا لبدوالليث أفتك أفعالا من النمر
وقول ابن هانئ المغربي:
لي منهم سيف إذا جردتهيوما ضربت به رقاب الأعصر
وقول الآخر:
جزيل الندى ذو إياد غدتيحدث عنهم في كل ناد
يلاقيك منه إذا جئتهكثير الرماد طويل النجاد
الثاني، أن يكون بالباء التجريدية الداخلة على المنتزع منه.
نحو قولهم: لئن سألت فلانا لتسألن به البحر. بالغ في اتصافه بالسماحة حتى انتزع منه بحرا في السماحة.
وقول الشاعر: دعوت كليبا دعوة فكأنما=دعوت به ابن الطود أو هو أسرع.
جرد من كليب شيئا يسمى ابن الطود، وهو الصدى، والحجر إذا تدهده، يريد به سرعة إجابته.
الثالث، أن يكون بدخول باء المعية والمصاحبة في المنتزع كقوله:
وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغىبمستلئم مثل الفنيق المرحل
المستلئم: اللابس اللامة وهي الدرع. والفنيق بالفاء والنون كأمير: الفحل المكرم عند أهله. والمرحل من رحل البعير: أشخصه عن مكانه، أي أرسله، أي تعدو بي ومعي من نفسي لابس درع لكمال استعدادي للحرب.
بالغ في اتصافه بالاستعداد، حتى انتزع منه شخصا آخر لابسا للدرع ومسرعا إلى الحرب مثل الفحل المكرم عند أهله إذا أرسل.
الرابع، أن يكون بدخول (في) على المنتزع منه.
كقوله تعالى (لهم فيها دار الخلد) أي في جهنم وهي دار الخلد، لكنه انتزع منها دار أخرى وجعلها معدة في جهنم لأجل الكفار تهويلا لأمرها ومبالغة في اتصافها بالشدة.
وقول الشاعر:
أفاءت بنو مروان ظلما دماءناوفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل
فجرد منه تعالى حكما عدلا وهو هو.
الخامس، أن يكون بدون توسط حرف، كقول قتادة بن (مسلمة) الحنفي:
فلئن بقيت لأرحلن بغزوةتحوي الغنائم أو يموت الكريم
يعني بالكريم نفسه، فكأنه انتزع من نفسه كريما، مبالغة في كرمه، ولذا لم يقل: أو أموت، وقيل: تقديره أن يموت مني كريم، فيكون من القسم الأول الذي هو (بمن التجريدية) ولا حاجة إلى هذا التقدير لحصول التجريد بدونه ولا قرينة عليه.
السادس، أن يكون بطريق الكناية كقول الأعشى:
يا خير من يركب المطي ولايشرب كأسا بكف من بخلا
أي يشرب الكأس بكف جواد من فقد انتزع من الممدوح جوادا يشرب هو الكأس بكفه عن طريق الكناية، لأنه إذا نفى عنه الشرب بكف البخيل فقد أثبت له الشرب بكف كريم، ومعلوم أنه يشرب بكفه، فهو ذلك الكريم.
السابع، أن يكون بطريق خطاب المرء لنفسه.
وبيان التجريد فيه أن ينتزع من نفسه شخصا آخر مثله في الصفة التي سبق لها الكلام، ثم يخاطبه.
كقول أبي الطيب:
لا خيل عندك تهديها ولا مالفليسعد النطق إن لم تسعد الحال
كأنه انتزع من نفسه شخصا آخر مثله في فقد الخيل والمال والحال الذي هو الغنى.
ومثله قول الأعشى:
ودع هريرة إن الركب مرتحلوهل تطيق وداعا أيها الرجل
وأرباب البديعيات بنوا أبياتهم على القسم الأول من أقسام التجريد، وهو ما كان (بمن التجريدية) لأنه أشهر وأكثر استعمالا من سائر الأقسام.
وبيت بديعية الصفي قوله:
شوس ترى منهم في كل معتركأسد العرين إذا حر الوطيس حمي
وبيت بديعية ابن جابر قوله:
من وجه أحمد لي بدر ومن يدهبحر ومن لفظه در لمنتظم
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
من لفظه واعظ بالنصح جرد لييا نفس توبي وللتجريد فالتزمي
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
لي في المعاني جنود في البديع وقدجردت منها لمدحي فيه كل كمي
وبيت بديعية المقري قوله:
يسل منها بروقا قد كثرن حياعند اللقا فهي تهمي من دمائهم
ولم أقف على بيت بديعية السيوطي في هذا النوع.
وبيت بديعية العلوي قوله:
بدرا إذا اشتدت الهيجاء تشهدهليثا يقد العدى في كل مصطدم
ولم ينظم الطبري هذا النوع من بديعيته التي شرحها.
وبيت بديعيتي قولي:
جرت منهم لأعناق العدى قضباتبري الرقاب بحد غير منثلم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع