تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الإدماج

أدمجت مدحك والأيام عابسةوأنت أكرم من يرجى لدى الازم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

الإدماج في اللغة مصدر أدمج الشيء في الشيء: إذا أدخله فيه.

وفي الاصطلاح أن يضمن المتكلم كلاما ساقه لمعنى معنى آخر، بشرط أن لا يصرح به، ولا يشعر في كلامه بأنه مسوق لأجله. ومثاله من التنزيل قوله تعالى (له الحمد في الأولى والآخرة) فان الغرض منها تفرده تعالى بوصف الحمد، وأدمج فيه الإشارة إلى البعث والجزاء.

وقوله تعالى (حملته أمة كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) فأنها سيقت لإثبات منة الوالدة على الولد، وأدمج فيها أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه إذا وضع للفصال أربعة وعشرون شهرا ُلقوله تعالى (وفصاله في عامين) بقي للحمل ستة أشهر، وهي أقل مدته، ويسمى هذا النوع في أصول الحنفية بالإشارة.

ومن النظم قول أبي الطيب في وصف الليل:

أقلب فيه أجفاني كأنيأعد بها الدهر الذنوبا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فإنه ضمن وصف الليل بالطول الشكاية من الدهر، يعني لكثرة تقليبي لأجفاني في ذلك الليل كأني أعد على الدهر ذنوبه.

وقول ابن المعتز في الخيري:

قد نفض العاشقون ما صنع الهجر بألوانهم على ورقة

فان الغرض وصف الخيري بالصفرة فأدمج الغزل في الوصف، وفيه وجه آخر من الحسن وهو إيهام الجمع بين المتنافيين، أعني الإيجاز والإطناب، أما الإيجاز فمن جهة الإدماج، وأما الإطناب فلأن أصل المعنى أنه أصفر، فاللفظ زائد عليه لفائدة، وقد مر الاستشهاد به في نوع البسط.

ومنه قول ابن نباتة:

ولا بد من جهلة في وصالهفمن لي بخل أودع الحلم عنده

فأنه أدمج في الغزل الفخر بكونه حليماً، حيث كنى عن ذلك بالاستفهام عن وجود خليل صالح لأن يودعه حلمه، وضمن الفخر بذلك شكوى الزمان لتغير الأخوان، حيث اخرج الاستفهام مخرج الإنكار إشارة إلى أنه لم يبق في الإخوان من يصلح لهذا الشأن، ونبه بذلك على أنه لم يعزم على مفارقة حلمه أبداً، لكن لما كان مريداً لوصل هذا المحبوب المستلزم للجهل المنافي للحلم، عزم على أنه إن وجد من يصلح لأن يودعه حلمه أودعه إياه، فأن الودائع مستعارة آخر الأمر.

وأورد غير واحد، منهم صاحب المصباح، صفي الدين الحلي في شرح بديعيته، وابن حجة، وسائر أصحاب البديعيات في شروحهم مثالاً لهذا النوع قول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لعبيد الله بن سليمان بن وهب حين وزر للمعتضد، وهو:

أبى الدهر إسعافنا في نفوسنافأسعفنا فيمن نجد ونكرم
فقلت له نعماك فيهم أتمهاودع أمرنا أن المهم المقدم
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا»

قالوا: أدمج شكوى الزمان، وشرح ما هو عليه من اختلال الأحوال في ضمن التهنية. ورد بان الشكوى مصرح بها في صدر البيتين فكيف تكون مدمجة؟ ولو جعل التهنية مدمجة في الشكوى لكان أقرب.

ومن بديع الإدماج قول الصاحب بن عباد يمدح الأستاذ أبا الفضل بن العميد:

إن خير المداح من مدحتهشعراء البلاد في كل ناد
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «من لقلب يهيم في كل وادي»

فأنه أدمج الافتخار في أثناء المدح، وهذا البيت من جملة قصيدة من عيون شعر الصاحب وهي:

من لقلب يهيم في كل وادوقتيل للحب من غير واد
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «من لقلب يهيم في كل وادي»
إنما أذكر الغوالي والمقصد سعدى مكثراً للسواد
وإذا ما صدقت فهي مراميومنائي وروضتي ومرادي
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «من لقلب يهيم في كل وادي»
وندى ابن العميد أني عميدمن هواها ألية الأمجاد
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «من لقلب يهيم في كل وادي»
لو درى الدهر أنه من بنيهلا زدرى قدر سائر الأولاد
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «من لقلب يهيم في كل وادي»
أو رأى الناس كيف يهتز للجودلما عددوه في الأطواد
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «من لقلب يهيم في كل وادي»
أيها الآملون حطوا سريعاًبرفيع العماد واري الزناد
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «من لقلب يهيم في كل وادي»
فهو أن جاد ذم حاتم طيوهو إن قال فل قس أياد
وإذا ما ارتأى فأين زيادمن دهاه وأين آل زياد
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «من لقلب يهيم في كل وادي»
أقبل العيد يستعير حلاهمن علاه العزيزة الأنداد
سيضحي فيه بمن لا يواليهـ ويبقى بقية الأعياد
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «من لقلب يهيم في كل وادي»
ومديحي إن لم يكن طال أبياتاً فقد طال في مجالي الجياد
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «من لقلب يهيم في كل وادي»
أن خير المداح من مدحتهشعراء البلاد في كل ناد
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «من لقلب يهيم في كل وادي»

على أنه ألم فيه بقول يزيد بن محمد المهلبي لابن المدبر وهو:

أن أكن مهدياً لك الشعرانيلابن بيت تهدى له الأشعار

وبيت بديعية الصفي قوله:

لصدق قولك لو حب امرؤ حجرالكان في الحشر عن مثواه لم يرم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

قال في شرحه: الإدماج فيه سؤاله حسن الحشر في زمرة نبيه ﵌ في ضمن تصديق الحديث المأثور.

وبيت بديعية ابن جابر قوله:

لهم أحاديث مجد كالرياض إذاأهدت نواسم أحيت دارس السلم

قال رفيق الناظم في شرحه: جعل لهم أولا أحاديث مجد طيبة، وأدمج في ذلك وصف الرياض. انتهى. ولا يخفى ما فيه.

وبيت بديعية الموصلي قوله:

أدمجت شكواي من ذنبي بمدحتهعساك تشفع لي يا شافع الأمم
للشاعر عز الدين الموصلي، اقرأ القصيدة

قال في شرحه: أنه أدمج فيه الشكوى من ذنبه. قال ابن حجة: لكن نوع الإدماج البديعي لا أعلم أين أدمجه.

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

قد عز إدماج شوقي والدموع لهاعلى بهار خدودي صبغة العنم

قال في شرحه: قدت شرح الحال في غرة إدماج الشوق بواسطة جريان الدموع، وأدمجت في ذلك صفرة اللون وحمرة الدموع.

وبيت بديعية المقري قوله:

واحفظه في سربه وارفع له علماًفي السابقين وسر بي في حمى العلم

وبيت بديعية العلوي قوله:

يا طالبا من رسول الله بغيتهأبشر فأمتنه في الحشر في حرم

وبيت بديعيتي قولي:

أدمجت مدحك والأيام عابسةوأنت أكرم من يرجى لدى الازم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

أدمجت هنا بمعنى أحكمت، من قولهم: صلح دماج -بضم أوله وكسره- أي محكم، أو بمعنى ثقفت من قولهم: قدح مدمج، أي مثقف مستوي. وإلازم -بفتحتين، وكعنب- جمع أزمة وهي الشدة. والإدماج في تضمين المدح الذي سبق الكلام لأجله شكوى الأيام، وسؤال النجاة من شدائدها، نجانا الله بكرمه منها، والله تعالم أعلم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.