من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
التسهيل
وأنت يا سيد الكونين معتمديفي أن تسهل ما أرجو ومعتصمي
التسهيل أدخلها بعضهم في نوع الانسجام، وذكرها ابن سنان الخفاجي في كتاب سر الفصاحة وقال في مجمل كلامه: هي خلو اللفظ من التكليف والتعقيد والتعسف في السبك، لا كما قال بعضهم:
وقبر حرب بمكان قفروليس قرب قبر حرب قبر
قال الجاحظ في كتاب البيان والتبيين:
هذا بيت لا يطيق أحد أن يقوله ثلاث مرات متوالية ولا يتوقف فيه، لتنافر كلماته، وقيل: هو من شعر الجن. قال صاحب كتاب عجائب المخلوقات: في الجن نوع يقال له: الهاتف، صاح واحد منهم على حرب بن أمية بن عبد شمس فمات، فقال ذلك الجني هذا البيت فيه.
وقال التيفاشي: السهولة هي أن يأتي الشاعر بألفاظ سهلة ظريفة تتميز على ما سواها عند من له أدنى ذوق في الأدب، وهي مما يدل على رقة الحاشية وسلامة الطبع.
ومن أحسن أمثلة ذلك قول بعضهم:
أليس وعدتني يا قلب أنيإذا ما تبت عن ليلى تتوب
فها أنا تائب عن حب ليلىفمالك كلما ذكرت تذوب
وان لا يكون كقول امرئ القيس:
غدائرها مستشزرات إلى العلاتضل العقاص في مثنى ومرسل
قلت: ومن محاسن أمثلة هذا النوع أيضاً قول الحكم بن (قنبر المازني):
ويلي على من أطار النوم وامتنعاوزاد قلبي على أوجاعه وجعا
كأنما الشمس من أعطافه لمعتحسنا أو البدر من أزراره طلعا
مستقبل بالذي تهوى وان كثرتمنه الذنوب ومعذور متى صنعا
في وجهه شافع يمحو إساءتهمن القلوب وجيه حيثما شفعا
حكى أبو الحسين بن فارس قال: جرى في بعض الأيام بين الأستاذ ابن العميد ذكر أبيات استحسن الأستاذ وزنها، واستحلى ذوقها، فانشد جماعة من حضر ما حضرهم من ذلك الروي: وهو قول القائل:
لئن كففت وإلاشققت منك ثيابي
فأصغى إلينا ابنه أبو الفتح ثم انشد في الوقت:
يا مولعا بعذابيأما رحمت شبابي
تركت قلبي جريحانهب الأسى والتصابي
إن كنت تنكر ما بيمن لوعتي واكتئابي
فارفع قليلا قليلاعن العظام ثيابي
قال الثعالبي: تأمل هذه الطريقة الظريفة، وانظر إلى هذا الطبع، فانه أتى بمثل ما أنشده في سياقته وخفته، وسهولته وظرافته، ولم يعد الجنس ولم يقصر دونه، فبذلك تعرف قدرة القادر على الخطابة والبلاغة.
وقول الوزير أبي محمد المهلبي: قال لي من أحب قد جسد ودمعي مواصل لشهيفي
ما الذي في الطريق تصنع بعديقلت أبكي عليك طول الطريق
وقوله أيضاً:
تصارمت الأجفان منذ صرمتنيفما تلتقي ألا على عبرة تجري
وقول أبي فراس بن حمدان:
يا ليل ما أغفل عما بيحبائي فيك وأحبابي
يا ليل نام الناس عن موجعناء على مضجعه نابي
هبت له ريح شآميةمتت إلى القلب بأسباب
أدت رسالات الهوى بيننافهمتها من بين أصحابي
وقوله أيضاً:
أساء فزادته الإساءة حظوةحبيب على ما كان منه حبيب
يعدُّ عليَّ الواشيان ذنوبهومن أين للوجه المليح ذنوب
وقول أبي الفرج (المخزومي) الببغاء وهو مما يتغنى به:
يا سادتي هذه نفسي تودعكمإذ كان لا الصبر يسليها ولا الجزع
قد كنت أطمح في روح الحياة لهافاليوم مذ بنتم لم يبق لي طمع
لا عذب الله روحي بالبقاء فماأظنها بعدكم بالعيش تنتفع
وقول أبي الفرج المعروف بالوأواء الدمشقي:
بالله ربكما عوجا على سكنيوعاتباه لعل العتب يعطفه
وعرضا بي وقولا في حديثكماما بال عبدك بالهجران تتلفه
فان بدا لكما من سيدي غضبفغالطاه وقولا ليس نعرفه
وان تبسم قولا عن ملاطفةما ضر لو بوصال منك تسعفه
وقوله وهو مما يتغنى به:
يا من سقام جفونهلفؤاد عاشقه طبيب
حزت المودة فاستوىعندي حضورك والمغيب
كن كيف شئت من البعاد فأنت من قلبي قريب
وقوله أيضاً:
رماه ريم فأصاب القلب منه اذ رمى
واحتج في قتلتهبأنه ما علما
يا معشر الناس أماينصفني من ظلما
علم سقم طرفهجسمي منه السقما
فسقم جسمي في الهوىمن طرفه تعلما
لو قيل لي ما تشتهيمخيرا محكما
لقلت أن ألثمهنحرا وخدا وفما
وقول أبي الحسن بن المظفر بن نحرير البغدادي
خليلي ما أحلى صبوحي بدجلةوأطيب منه في الصراة غبوقي
شربت على المائين من ماء كرمةوماء كدر ذائب وعقيق
على قمري أفق وأرض تقابلافمن شائق حلو الهوى ومشوق
فما زلت أسقيه واشرب ريقهوما زال يسقيني ويشرب ريقي
وقلت لبدر التم تعرف ذا الفتىفقال نعم هذا أخي وشقيقي
قال القاضي شمس الدين بن خلكان: وهذه الأبيات من أملح الشعر وأظرفه.
وقول مؤيد الدولة أسامة بن مرشد:
شكا ألم الفراق الناس قبليوروع بالنوى حي وميت
وأما مثل ما ضمت ضلوعيفإني ما سمعت ولا رأيت
ومن الشعر المشهور بالرقة والسهولة قول الحسن بن مطير على ما في الغرر والدرر للمرتضى:
ولي كبد مقروحة من يبيعنيبها كبدا ليست بذات قروح
أباها جميع الناس لا يشترونهاومن يشتري ذا علة بصحيح
أئن من الشوق الذي في جوانحيأنين غصيص بالشراب قريح
وكان سلطان مكة المشرفة الشريف محسن بن الحسين بن الحسن الحسني يطرب لهذه الأبيات كثيراً ويعجب لها، فسأل ابن عمه السيد احمد بن مسعود بن الحسن تذييلها، فذيلها بقوله:
على سالف لو كان يشرى زمانهشريت ولكن لا يباع بروحي
تقضى وأبقى لا عجا ُيستفزهتألق برق أو تنم ريح
وقلباً إلى الأطلال والضال لم يزلنزوعاً وعن أفياه غير نزوح
فليت بذاك الضال نجب أحبتيطلاحاً فنضو الشوق غير طليح
يجشمه بالا برقين منيزلوبرق سرى وهنا وصوت صدوح
وموقف بين لو أرى عنه ملحداًولقت بنفسي فيه غير شحيح
صرمت به ربعي وواصلت أربعيوأرضيت تبريحي وغظت نصيحي
وباينت سلواني وكل ملوحولا يمت أشجاني وكل مليح
وكلفت نفسي فوق طوقي فلم أطقلعد سجايا محسن بمديح
وذيلتها أنا أيضاً فقلت:
ولي كبد مقروحة من يبيعنيبها كبدا ليست بذات قروح
أباها جميع الناس لا يشترونهاومن يشتري ذا علة بصحيح
أئن من الشوق الذي في جوانحيأنين غصيص بالشراب قريح
وأبكي بعين لا تكف غروبهاوأصبو بقلب بالغرام جريح
وألتاع وجدا كلما هبت الصبابنشر خزامى أو بنفحة شيح
إلى الله قلباً لا يزال معذبابتأنيب لاح أو بهجر مليح
فيا عصرنا بالرقمتين الذي خلالك الله جد بالقرب بعد نزوح
أرقت وقد نام الخلي من الأسىبجفن على تلك السفوح سفوح
يهيج أشجاني ترتم صادحويوقظ أحزاني تنسم ريح
فلله بالجرعاء حي عهدتهميحلون منها في معاهد فيح
ليالي ليلى من بهيم ذوائبوصبحي من وجه أغر صبيح
هم نيل آمالي ونجح مآربيوصحة أسقامي وراحة روحي
لئن مر دهر بالتنائي فقد حلاغبوقي بهم فيما مضى وصبوحي
وبيت بديعية الصفي قوله:
وقلت هذا قبول جاءني سلفاًما ناله أحد قبلي من الأمم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
يا رب سهل طريقي في زيارتهمن قبل أن تعتريني شدة الهرم
وبيت بديعية المقري قوله:
يا احمد الرسل هذا احمد الخلفافي الملك هذا المسمى باسمك العلم
وبيت بديعية العلوي قوله:
ومن يكن للإله الفرد فيه ثنافمدح كل الورى ضرب من العدم
وبيت بديعيتي قولي:
وأنت يا سيد الكونين معتمديفي أن تسهل ما أرجو ومعتصمي
ولم ينظم سائر أصحاب البديعيات هذا النوع والله تعالى أعلم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع