من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الاحتراس
وكم مننت بلا من على رجلمن احتراس حلول الخطب لم ينم
الاحتراس في اللغة: التحفظ. وفي الاصطلاح أن يأتي المتكلم بمعنى يتوجه عليه فيه دخل، أو يوهم خلاف المقصود، فيتنبه له فيأتي بما يخلصه من ذلك، وهو في التنزيل كثير، منه قوله تعالى (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) فقوله من غير سوء: احترس عن البهق والبرص. وقوله تعالى (لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) احترس لئلا يتوهم نسبة الظلم إلى سليمان ﵇. ومثله] قوله تعالى [ (فتصيبكم] منهم [معرة بغير علم).
وقوله تعالى (قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم أنك لرسوله والله يشهد أن المنافقين لكاذبون) فالجملة الوسطى احترس لئلا يتوهم أن التكذيب لما في نفي الأمر.
ومن أمثلته في النظم قول طرفة بن العبد:
فسقى ديارك غير مفسدهاصوب الغمام وديمة تهمي
فقوله (غير مفسدها) احترس من عفا آثارها، ومحو معالمها، فأن نزول المطر قد يكون سبباً لذلك، وهكذا قال غير واحد. وتعقبه بعض بأن مجرد احتمال كون المطر للفساد لا يكفي في إيهام خلاف المقصود، بل لا بد من وقوع سبق إلى الذهن، ولا يسبق من السقي إلا الإصلاح لشيوعه في ذلك، فكون البيت من قبيل الاحتراس محل تأمل، اللهم إلا أن يقال سبق الذهن بالفساد من قوله: ديمة، فإن الديمة هي المطر الدائم الذي ليس فيه رعد ولا برق. وبعد لا يخلو من شوب، لأن تقدم قوله: غير مفسدها على قوله: وديمة تهمي، يدفع هذا التوجيه. انتهى.
قلت: ومما عيب على أبي الطيب قوله:
وإذا ارتحلت فشيعتك سلامةحيث اتجهت وديمة مدرار
قال الوزير الكاتب أبو محمد بن عبد الغفور المغربي وكتبه إلى أمير المسلمين وقد أراد الغزو:
سر حل حيث تحله النواروأراك فيك مرادك المقدار
وإذا ارتحلت فشيعتك سلامةوغمامة لا ديمة مدرار
تنفي الهجير بظلها وتنيم بالرش القتام وكيف شئت تدار
وقضى الإله بأن تعود مظفراوقضت بسيفك نحبها الكفار
هذا ما تمناه الولي، لا ما تمناه الجعفي، فأنه قال: حيث ارتحلت وديمة، وما تكاد تنعقد معها عزيمة، وإذا سفحت على ذي سفر، فما أحراها بأن تعوق عن الظفر، ونعتها فكان أبلغ في الأضرار.
منه قول الفرزدق:
لعن الإله بني كليب أنهملا يغدرون ولا يفوق لجار
فقوله: لا يفون، احتراس لئلا يتوهم أن عدم غدرهم من الوفاء، فقال ولا يفون، ليفيد أنه للعجز، وقوله: لجار: إيغال، لأن ترك لوفاء للجار أشد قبحا.
وبيت بديعية الصفي قوله:
فوقني غير مأمور وعودك ليفليس رؤياك أضغاثاً من الحلم
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
حبي له يتمشى في المفاصل قلبالاحتراس تمشي البرء في السقم
قال ابن حجة: الشيخ صفي الدين احترس في بيته بقوله: غير مأمور، وبيت الشيخ عز الدين عجزت عن تحقيقه، بل عن تحقيق معناه، وهو مأخوذ من قول أبي نواس في وصف الخمر:
فتمشت في مفاصلهمكتمشي البرء في السقم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
فأن أقف غير مطرود بحجرتهلم أحترس بعدها من كيد مختصم
قال في شرحه: قولي: غير مطرود، هو الاحتراس الذي يليق بمقام المادح بالنسبة إلى مقام النبي صلى الله عليه وإله وسلم.
وأنا أقول: الوقوف لا يشمل الطرد حتى يحترس عنه بقوله: غير مطرود بخلاف قول صفي الدين (فوقني) فأن هذه الصيغة يتبادر منها الأمر، فاحترس عنه بقوله: غير مأمور. فلو قال ابن حجة: فأن أعد، أو فأن أرجع كان له وجه.
وبيت بديعية المقري قوله:
والآل من فضل كل الآل عندهمكالآل لا الصحب ما يروي صدى لظمي
قال في شرحه: معناه وصل على الآل من فضل كل آل من فضلهم كالآل الذي هو السراب، ثم احترس لأجل الصحابة فقال: لا الصحب.
وبيت بديعية العلوي قوله:
فقل له وهو أدرى بالمقال وفيإحسانه الجم جبر الخلق كلهم
وبيت بديعيتي قولي:
وكم مننت بلا من على رجلمن احتراس حلول الخطب لم ينم
فقولي (بلا من) هو الاحتراس لئلا يتوهم أن قوله (وكم مننت) من المن بمعنى تعديد ما فعل من الصنائع، مثل أن يقال: أعطيتك، وفعلت لك وهو تكرير وتعيير تنكسر منه القلوب، فلهذا نهى عنه الشارع بقوله (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) ومن هنا يقال: المن أخو المن، أي الامتنان بتعديد الصنائع أخو القطع والهدم. فأنه يقال مننت الشيء منا: إذا قطعته فهو ممنون، ومنه قوله تعالى (وإن لك لأجرا غير ممنون) والله ﷾ أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع