من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
حسن البيان
حسن البيان أرانا منك معجزةأضحت تقر لديها الفصح بالبكم
حسن البيان هو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير، وإنما سمي هذا النوع بحسن البيان لأنه عبارة عن الإفصاح عما في النفس بألفاظ سهلة بليغة، بعيدة عن البس من غير حشو مستغنى عنه، يكاد يستر وجه حسن البيان، ويغطي واضح التبيان، حتى لا يكون.
كقول امرئ القيس:
كأني غداة البين يوم تحملوالدى سمرات الحي ناقف حنظل
فأن أصل معناه إلا بأنه عن أن عينيه تدمعان، وذلك حاصل بقوله: كأني ناقف حنظل، لأن الحنظل مما تدمع العين بنقفه، وباقي الألفاظ مستدعاة زائدة. إذا عرفت ذلك فهذا النوع ليس له مثال يختص به، بل كل كلام دل على ما في النفس، وأعرب عما في الضمير بعبارة بليغة دخل في حد هذا النوع، والعلم في ذلك بيان كلام الله العظيم الذي هو النور المبين، كقوله تعالى في الاحتجاج القاطع للخصم (وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال مت يحي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم)، وقوله تعالى في الإنكار والتعجب والتوبيخ (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم)، وقوله تعالى في الترغيب في طاعته وخشيته (ومن يطيع الله ورسوله ويخشن الله ويتقه فأولئك هم الفائزين)، أيْ أي مكلف أطاع الله في فرائضه، ورسوله في سنته، وخشي الله على ما مضى من ذنوبه، واتقى فيما يستقبل فقد حاز الفوز بحذافيره.
ومما يدخل هذا النوع من الشعر قول أبي الطمحان:
وأني من القوم الذين هم همإذا مات منهم سيد قام صاحبه
نجوم سماء كلما انقض كوكببدا كوكب تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوهمدجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
وما زال منهم حيث كانوا مسودتسير المنايا حيث سارت ركائبه
فأنه أبان عن وصف قومه بعموم الرياسة فيهم، وتوارثها صاغراً عن كابر أحسن ابانة، ومدحهم بما قيل: أنه أمدح بيت قيل في الجاهلية وهو البيت الثالث من الأبيات وقال معاوية لعرابة بن أوس: أنت الذي يقول فيك الشماخ:
رأيت عرابة الأوسي يسموإلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجدتلقاها عرابة باليمين
فبم سدت قومك؟ قال: والله ما أنا بأكرمهم حسبا، ولا بأفضلهم نسبا ولكني أعرض عن جاهلهم، وأسمح لسائلهم، فمن عمل مثل عملي فهو مثلي ومن زاد فهو أفضل مني، ومن فأنا أفضل منه، فقال معاوية: هذا والله الكرم والسؤود. والشاهد في هذه القطعة في النظم والنثر كما لا يخفى.
ومنه قول أبي عبادة البحتري في الرضا بعد الغضب وأجاد:
ما كان إلا مكافأة وتكرمةهذا الرضا وامتحاناً ذلك الغضب
وربما كان مكروه الأمور إلىمحبوبها سببا ما مثله سبب
هذي مخايل برق خلفها مطروذاك وري زناد خلفه لهب
وأبيض الفجر يبدو بعد أزرقهأول الغيث رش ثم ينسكب
وقول (شمس) المعالي قابوس في حلول الأخطار بذوي الأخطار:
قل للذي بصروف الدهر عيرناهل حارب الدهر إلا من له خطر
أما ترى البحر تعلو فوقه جيفوتستقر بأقصى قعره الدرر
فأن تكن عبثت أيدي الزمان بناونالنا من تمادي بؤسه ضرر
ففي السماء نجوم ما لها عددوليس يكسف إلا الشمس والقمر
وكم على الأرض من خضراء مونقةوليس يرجم إلا ما له ثمر
وقول اسماعيل بن أحمد الشامي في ذم أخوان الزمان:
أخلاي أمثال الكواكب كثرةوما كل ما يرمى به الأفق ثاقب
بلى كلهم مثل الزمان تلوناًإذا سر منهم جانب ساء جانب
مضى الود والانصاف والعهد بينهموما بقيت إلا الظنون الكواذب
وكنت أرى أن التجارب عدةفخانت ثقاب الناس حتى التجارب
تدرع لإخوان الزمان مفاضةولا تلقهم إلا وأنت محارب
وقول أبي بكر ابن بقي الأندلسي في شكوى الحال:
إلى الله أشكوها نوى أجنبيةلها من أبيها الدهر شيمة ظالم
إذا جاش صدر الأرض بي كنت منجداًوإن لم يجش بي كنت بين التهائم
أكل مني الآداب مثلي ضائعفأجعل ظلمي أسوة في المظالم
ستبكي قوافي الشعر ملء جفونهاعلى عربي ضاع بين الأعاجم
وقول القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني في عزة النفس:
وقالوا توصل بالخضوع إلى الغنىوما علموا أن الخضوع هو الفقر
وبيني وبين المال بابان حرماعلي الغنى نفسي الأبية والدهر
إذا قيل هذا اليسر أبصرت دونهمواقف خير من وقوفي بها العسر
وبين بديعية الصفي الحلي قوله:
وعدتني في منامي ما وثقت بهمن التقاضي بمدح فيك منتظم
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
حسن البيان بحمد الله بين ليهدى النبي الرضي الواضح اللقم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
حتى بيت بديعي في محاسنهحسن البيان وأشدو في حجازهم
وبيت بديعية المقري قوله:
فجازه عن مديحي فهو باعثهوجازني في انتقاء الدر والحكم
وبيت بديعية العلوي قوله:
فكلما رام قلبي حصره التطمتأمواج فكري في بحر من الهمم
وبيت بديعيتي قولي:
حسن البيان أرانا منك معجزةأضحت تقر لديها الفصح بالبكم
ولم أقف على بيت السيوطي في هذا النوع، وأما الطبري فلم ينظمه والله أعلم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع