من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
الباب الثاني عشر في قافية السين وفيها فصل في المديح
قلت في مدحه هذه القطعة الموجزة:
أدر يا نديم علينا الكؤسافقد شاقت الراح منّا النّفوسا
نشطنا عشيّاً لشرب المدامفأرعش بكأسك منّا الرؤسا
وقم هاتها من بنات الكرومعلى ورد خدّيك تجلّى عروسا
كأنّ الندامى على شربهابدور دجىً تعاطى شموسا
تداعوا لنيرانها ساجدينودعواهم لا عدمنا المجوسا
سأحبس ما عشت ركب الرجاءبحيث يفكّ النوال الحبيسا
لدى من تخيّرت المكرماتعلى نحرها منه عقداً نفيسا
له المجلس المحتبي بالنهىيراع به من يروع الخميسا
وقلّ بأن يفرش الفرقدينويتّخذ البدر فيه جليسا
فيابن نجوم جرت في العلاءلقوم سعوداً وقوم نحوسا
غدا بك يوم الندى ضاحكاًويوم العدا عاد جهماً عبوسا
بقيت على عطل الحاسدينتحلي يد المدح فيك الطروسا
فأمّا قولي:
سأحبس ما عشت ركب الرجاءبحيث يفكّ النوال الحبيسا
فقد وقع فيه التصدير ويُسمّى ردّ العجز على الصدر وهو عبارة عن أن يأتي الشاعر بكلمة في صدر البيت متقدّمة أو متأخّرة ثمّ يأتي بلفظها أو معناها أو بما تصرّف من لفظها في عجزه. وأمثلة هذا النوع كثيرة وله عدّة ضروب، وأحسنه ما كانت فيه اللفظة افتتاحاً للبيت والأُخرى ختاماً له كبيتنا المذكور، وكقول الشاعر:
تمنّت سليمي أن أموت صبابةًوأهون شيء عندنا ما تمنّت
وقول البحتري:
ضرائب أبديتها في السماحبها لم نجد لك يوماً ضريبا
وقول الآخر:
كلّ ريم يعطوا فيصطاد ليثاًعند ليث يسطو فيصطاد ريما
وقول أبي تمام:
وجوه لو أنّ الأرض فيها كواكبتوقّد للساري لكانت كواكبا
وقوله أيضاً:
وليل بتّ أكلؤه كأنّيسليم أو سهرت على سليم
أراعي من كواكبه سواماًهجاناً لا تريع إلى المسيم
بل شعر أبي تمام أغلبه مبني على التصدير وبذلك بلغ غاية الإستحكام من إتقان مبانيه وتمكّن قوافيه إذا القافية تكون مرادة من أوّل البيت وعليها يبتني نظمه وحسن الصناعة يقتضي ذلك.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع