تجاوز إلى المحتوى

من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)

الفصل الأوّل في المديح (٥)

قلت فيه هذه القطعة:

ولربّ ريم طرفهابالهدب سهم اللحظ راشا
ورمى به صبّاً لفرطضناه يرتعش ارتعاشا
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
قالت جنحت لسلوةفانظر لسهمكَ كيف طاشا
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
فأجبتها لا والذيجعل النهار لنا معاشا
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
أنا في سبيل هوى الكواعب أربط العشّاق جاشا
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
هيهات أسلو أو يقال سلا الندى حسنٌ وحاشا
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
ذاك الذي لحوائمالآمال لم يترك عطاشا
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
مذ قام للعليا مؤمّلها وبحر نداه جاشا
ماتت نفوس الحاسدينبغيضها والفضل عاشا
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
من لو تساجله الغيوث أراك وابلها رشاشا
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
تستشعر الأسد الغضاب لعظم هيبته اندهاشا
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وعلى سراج جبينهالآمال تحسبها فراشا
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

وقد اشتمل قولي فيها:

هيهات أسلو أو يقال سلا الندى حسنٌ وحاشا
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

على الإيغال وهو ختم البيت بما يفيد نكتة يتمّ المعنى بدونها، فإنّ بيتنا هذا تمّ معناه قبل القافية إذ المراد منه تعليق حصول السلو عن عشقها على سلو الحسن عن الندى بناء على أنّه تعليق على محال وهو كما تراه حصل بتمامه قبل القافية، فلمّا أتينا بها أفدنا زيادة التنزيه مع المبالغة في ذلك، ومن النظائر قول الخنساء في أخيها صخر ترثيه:

وإنّ صخراً لتأتمّ الهداة بهكأنّه علم في رأسه نار
للشاعر الخنساء، من قصيدة «قذى بعينك أم بالعين عوار»

فقولها: علم كاف في المقصود وهو تشبيهه بما هو معروف في الهداية، لكنّها أتت بقولها: في رأسه نار إيغالاً وزيادة للمبالغة.

وفسّره قدامة فقال: هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته بتمامه قبل أن يأتي بقافية، فإذا أراد الإتيان بها ليكون الكلام شعراً أفاد معنىً زائداً على معنى البيت كقول ذي الرمّة:

قف العيس في أطلال ميّة فاسألرسوماً كأخلاق الرسوم المسلسل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «قف العيس في أطلال مية فاسأل»
أظنّ الذي يجدي عليك سؤالهادموعاً كتبديد الجمان المفصّل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «قف العيس في أطلال مية فاسأل»

فالبيت الأوّل تمّ كلامه قبل القافية بقوله: رسوماً كأخلاق الرداء، ولمّا احتاج إليها وأتى بها بقوله: المسلسل أفاد معنىً زائداً، وكذلك صنع في البيت الثاني فإنّه لمّا تمّ كلامه قبل القافية بقوله: كتبديد الجمان، واحتاج إليها وأتى بها بقوله: المفصل، أفاد معنىً زائداً لو لم يأت بها لم يحصل ذلك المعنى.

وقال بعضهم: الإيغال مأخوذ من إيغال السير وهو الإسراع وقطع منتهى الأرض وذلك أنّ الشاعر إذا استكمل بيته بتمامه أتى بقافية معنىً زائداً على معنى البيت فكأنّه قد أوغل الفكر حتّى استخرجها.

وحكي عن الأصمعي أنّه سُئِل عن أشعر النّاس، قال: الذي يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيراً، أو ينقضي كلامه قبل القافية فإن احتاج إليها أفاد معنىً. فقيل له: نحو من؟ قال: نحو الفاتح لأبواب المعاني امرؤ القيس وذلك حيث قال:

كان عيون الوحش حول خبائناوأرحلنا الجزع الذي لم يشقب
للشاعر امرؤ القيس، اقرأ القصيدة

ونحو قول زهير:

كان فتات العهن في كلّ منزلنزلن به حبّ الفنا لم يحطم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

فكلام امرؤ القيس إنتهى إلى قوله: الجزع، فأفاد معنىً زائداً بقوله: لم يثقب، ومعنى قول زهير إنتهى في الكلام إلى قوله: حبّ الفنا، فأفاد معنىً زائداً بقوله: لم يحطم. وبيان الزيادة فيهما هو أنّ امرؤ القيس شبّه عيون الوحش بالجزع وهو الخرز اليماني الذي فيه سواد وبياض، لكنّه أتى بقوله: لم يثقب، إيغالاً وتحقيقاً للتشبيه، لأنّ الجزع إذا كان غير مثقوب كان أشبه بالعيون.

قال الأصمعي: الظبي والبقرة إذا كانا حيّين فعيونهما كلّها سود فإذا ماتا بدا بياضهما وإنّما شبّهها بالجزع وفيه بياض وسواد بعد ما ماتت، والمراد كثرة الصيد، يعني ممّا أكلنا كثرت العيون عندنا.

وزهير شبّه ما تفتت من العهن بحبّ الفنا - والفنا شجر ثمره أحمر وفيه نقط سود وقال الفرا: هو عنب الثعلب -، فلمّا قال زهير بعد تمام معنى بيته: لم يحطم، أراد أن يكون حبّ الفنا صحيحاً لأنّه إذا كسر ظهر له لون غير الحمرة.

وقيل: كان الرشيد يعجب من قول مسلم بن الوليد:

إذا ما علت منّا ذوابة شاربتمشّت به مشي المقيّد في الوحل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أديرا علي الراح لا تشربا قبلي»

وكان يقول: قاتله الله ما كفاه أن يجعله مقيّداً حتّى جعله مقيّداً في وحل.

وحكي أنّ بعض الشعراء قال لأبي بكر بن مجير: إنّي نظمت قصيدة وأعجزني روي بيت واحد فما أدري كيف أتمّمه؟ قال له أبوبكر: أنشدنيه، فأنشده: "قوله سليل الإمام وصنو الإمام وعمّ الإمام" فقال له من غير تفكّر ولا رويّة: قل: "ولا منتهى" فوضعه في قصيدته على ما تمّمه وكان أمكن قوافيه وأقواها.

ويشبه هذه القضيّة وإن لم يكن ممّا نحن فيه إذ ليس هو من الإيغال بشيء ما حكي أنّ زهير بن أبي سلمى قال بيتاً ونصف البيت الثاني ثمّ أكدى، فمرّ به النابغة الذبياني فقال له: يا أبا أمامة أجز، قال: ماذا؟ قال:

تراك الأرض أمّا متَّ خفاًوتحيى ما حييت بها ثقيلا

نزلت بمستقرّ العزّ منها، ثمّ قال: فماذا؟ قال: فأكدى والله النابغة. وأقبل كعب بن زهير وهو غلام فقال أبوه: أجز يا بني، فقال: ماذا؟ فأنشده البيت الأوّل ومن البيت الثاني قوله: نزلت بمستقرّ العزّ منها، فقال كعب: فتمنع جانبيها أن يزولا، فقال زهير: أنت والله ابني.

ويعجبني قول عمّنا المهدي في الهاشميين، فلقد أوغل أحسن الإيغال وأبدع فيما قال:

وحين قامت على ساق جئت غضباًلها بنوا مضر الحمراء على الرّكب
من تحتهم لو تزول الأرض لانتصبواعلى الهوى هضباً أرسى من الهضب

فقوله: أرسى من الهضب إيغال وأظنّه لم يُسْبَق إلى هذا المعنى وهو من معانيه الفريدة.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العقد المفصل»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.