من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
الباب الرابع عشر في قافية الصاد وفيها فصل في المديح
قلت في مدحه هذه القطعة الفذّة:
أنخ يا سعد ناجية القلاصبحيث الدار طيّبة العراص
وعد فأعد حقائبها بطاناًبنائل موئل النفر الخماص
فثمّة ضاحك العرصات عمّتنوافله الأداني والأقاصي
بها حلّت تميمتها المعاليوأمست وهي مرخية العقاص
أما وندىً كم انتاش ابن دهربه نصب البلا شرك اقتناص
لقد خلص الثناء على مجيدبه وجد السبيل إلى الخلاص
أغرّيري دلاص الحمد أصفىعلى عرض الكريم من الدلاص
ترقّى في العلاء بحيث منهاتبوء في الذائب والنواصي
شرى درر الثنا تغلوا ونادىأوفري أنت عندي في ارتخاصي
ويا عَرضي هدرت دماك جوداًويا عرْضي اقترح شرف القصاص
فقل يا بحر مدّك رهن جزروقل يا بدر تمّك لانتقاص
دعا دعوى الفخار فكلّ فخربه لمحمّد شرف اختصاص
فأمّا قولي:
وعد فأعد حقائبها بطاناًبنائل موئل النفر الخماص
المراد بالخماص الجياع إلاّ أنّه مرّة يلخط به الجياع من الفقر وهم العفاة فهو منجاهم ومقرّهم لأنّهم لا يفدون إلاّ عليه لاستماحة جوده، ومرّة يلخط به الجياع من الإيثار بطعامهم وهم الكرام الذين تطرقهم الأضياف فهو موئلهم الذي تجتمع أُمورهم عليه وتنتهي آراؤهم في المهمّات إليه والملحوظ بذلك رياسته عليهم وزعامته فيهم، وتفسير الخماص بهذاالمعنى من أحسن صفات المدح، قال مهيار الديلمي:
يبيت خميصاً جنبه ووسادهوطارقه خصباً كما شاء بائت
وفي خطبة لفاطمة ﵍: وفهتم بكلمة الإخلاص مع النفر البيض الخماص.
وعلى ذكر الحقائب ما رواه السيّد المرتضى في الدرر قال: أخبرنا أبو عبد الله المرزباني قال: أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا أبو حاتم قال: أخبرنا أبو عبيدة عن يونس قال: دخل الفرزدق على سليمان بن عبد الملك ومعه نصيب الشاعر، فقال له سليمان: أنشدني، فأنشده:
وركب كان الريح تطلب عندهملها ترة من جذبها بالعصائب
سروا يخبطون الليل وهي تلفّهمإلى شعب الأكوار من كلّ جانب
إذا أبصروا ناراً يقولون ليتهاوقد خصرت أيديهم نار غالب
فاسودّ وجه سليمان وغاظه فعله وكان ظنّ أنّه ينشده مدحاً له، فلمّا راى نصيب ذلك قال: ألا أُنشدك؟ فأنشده:
أقول لركب قافلين رأيتهمقفا ذات أوشال ومولاك قارب
قفوا خبّروني عن سليمان أنّنيلمعروفه من أهل ودّان طالب
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهلهولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
فقال له سليمان: أنت أشعر أهل جلدتك.
وفي بعض الأخبار: إنّ الفرزدق قال ذلك في نصيب لمّا سأله عنه سليمان.
وروي أيضاً أنّه لمّا أنشد نصيب أبياته، قال له سليمان: أحسنت ووصله ولم يصل الفرزدق، فخرج الفرزدق وهو يقول:
وخير الشعر أكرمه رجالاًوشرّ الشعر ما قال العبيد
قال السيّد المرتضى: ولا شبهة في أنّ أبيات الفرزدق مقدّمة في الجزالة والرصانة على أبيات نصيب، وإن كان نصيب قد أبدع وأغرب في قوله: ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب، إلاّ أنّ أبيات نصيب وقعت موقعها ووردت في حال تليق بها، وأبيات الفرزدق جائت في غير وقتها وعلى غير وجهها فلهذا قدّمت أبيات نصيب على أبيات الفرزدق مع تقدّمه في الشعر وبلوغه فيه إلى الذروة العليا والغاية القصوى، وكان شريف الآباء، كريم البيت، له ولآبائه مآثر لا تدفع ومفاخر لا تجحد.
وروي أنّه قيل له: هل حسدت أحداً على شيء من الشعر؟ قال: لا لم أحسد أحداً على شيء منه إلاّ ليلى الأخيليّة في قولها:
ومخرق عنه القميص تخالهبين البيوت من الحياء سقيما
حتّى إذا رفع اللواء رأيتهتحت اللواء على الخميس زعيما
لا تقربنّ الدهر آل مطرفلا ظالماً أبداً ولا مظلوما
على أنّي قد قلت: وركب كأنّ الريح تطلب عندهم، وذكر الأبيات المتقدّمة.
قال السيّد المرتضى: وليست أبيات الفرزدق بدون أبيات ليلى بل هي أجزل لفاظاً وأشدّ أسراً إلاّ أنّ أبيات ليلى أطبع وأنصع. وقد كان الفرزدق مشهوراً بالحسد على الشعر والإستكثار لقليله والإفراط في استحسان مستحسنه. وقد روي أنّ الكميت بن زيد الأسدي لمّا عرض على الفرزدق أبياتاً من قصيدته التّي أوّلها:
أتصرّم الحبل حبل البيض أم تصلوكيف والشيب في فوديك مشتعل
والأبيات:
لما عبأت لقوس المجد أسهمهاحيث الجدود على الأحساب تنتضل
أحرزت من عشرها تسعاً وواحدةفلا العمى لك من رام ولا الشلل
الشمس أدّتك إلاّ أنّها امرأةوالبدر أدّاك إلاّ أنّه رجل
حسده الفرزدق وقال له: أنت خطيب، وإنّما سلّم له الخطابة ليخرجه عن أسلوب الشعراء، ولمّا بهره حسن الأبيات وأفرط بها أعابه ولم يتمكّن من دفع فضلها جملة، عدل في وصفها إلى معنى الخطابة. وحسد الفرزدق على الشعر وإعجابه بجيده من أدلّ دليل على حسن نقده له، وقوّة بصيرته فيه، وإنّه كان يطرب للجيّد منه فضل طرب، ويعجب منه فضل عجب. ويدلّ أيضاً على إنصافه فيه وأنّه مستقلّ للكثير الصادر منه فإنّ كثيراً من النّاس قد يبلغ منهم الهوى والإعجاب والإستحسان لما يظهر منهم من شعر أو فضل إلى أن يعموا عن حاسن غيرهم فيستقلّوا منهم الكثير ويستصغروا الكبير، إنتهى.
أقول: وكذا كانت حال أبي عبداة البحتري، فلقد كان معجباً بشعره، تيّاهاً بنظمه، لا يرى فيه فضلاً لغيره عدا أبي تمام، فإنّه كان يقدّمه على نفسه ويسمّيه الشيخ ويقول: ما علمنا أكل الخبز بالشعر سواه. وممّا يدلّ على زهوه بنفسه ما نقل في معاهد التنصيص عن بعضهم قال: كنت عند المتوكّل والبحتري ينشده:
عن أيّ ثغر تبتسموبايّ طرف تحتكم
حتّى بلغ إلى قوله:
قل للخليفة جعفرالمتوكّل ابن المعتصم
والمجتدى ابن المجتدىوالمنعم ابن المنتقم
أسلم لدين محمّدفإذا سلمت فقد سلم
قال: وكان البحتري من أبغض النّاس إنشاداً يتشادق ويتزاور في مشيه مرّة جانباً ومرّة القهقري، ويهزّ رأسه مرّة وينكّسه أخرى، ويشير بكمّه ويقف عند كلّ بيت ويقول: أحسنت والله، ثمّ يقبل على المستمعين فيقول: مالكم لا تقولون لي أحسنت، هذا والله ما لا يحسن أحد أن يقول مثله. فضجر المتوكّل من ذلك. قال ناقل هذه الحكاية: فأقبل عَلَيّ المتوكّل وقال: أما تسمع يا صيمري ما يقول؟ فقلت: بلى يا سيّدي، فمرني فيه بما أحببت، فقال: بحياتي أهجه على هذا الروي الذي أنشدنيه، فقلت: تأمر ابن حمدون أن يكتب ما أقول، فدعا بقرطاس ودواة وحضرني على البديهة، فقلت:
أدخلت رأسك في حرِ أُمّوعلمت أنّك تنهزم
يا بحتريّ حذار ويحكمن قضاقضة ضغم
فلقد أسلت بوالديكمن الهجا سيل العرم
فبأيّ عرض تعتصموبهتكه جفّ القلم
والله حلفة صادقوبقبر أحمد والحرم
وبحقّ جعفر الإمام ابن الإمام المعتصم
لأصيرنّك شهرةًبين المسيل إلى العلم
في أبيات أخرى من هذا النمط. قال: فخرج مغضباً يعدو وجعلت أصيح به:
أدخلت رأسك في حرِ أُمّوعلمت أنّك تنهزم
المتوكّل يضحك ويصفق بيده حتّى غاب عنه، وأمر لي بالصلة التي أُعدّت للبحتري.
ولولا خوف الإطالة لذكرت من إعجاب بعض الشعراء بنظمهم ما يطول ذكره.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع