من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
الفصل الأوّل في المديح (٦)
قلت في مدحه هذه القطعة المفردة:
وسم الربيع بزعمه ذات الأضاكذب الربيع فذاك دمعي روّضا
وقف السحاب بها معي لكنّمادمعي استهلّ وإنّما هو أومضا
بكر الخليط عن الدّيار فلم أزلأدعوه إذ هو واصطباري قوّضا
يا راحلاً عن ناظريَّ لمهجتيأزمعت من سفح العقيق إلى الغضا
الآن أبناء الرجاء غدا السرىلهم يحبُّ وكان قبل مبغضا
من حيث لم يستقبلوا في مطلبوجه النجاح هناك إلاّ أعرضا
حلف الزمان بأن يديم مطالهحتّى لدى حسن المكارم يقتضي
وصلوا السهول إلى الحزون وإنّماقطعواالفضاء لخير من ضمَّ الفضا
لبسوا له ليل المطامع أسوداًوبه اجتلوا صبح المكارم أبيضا
فرأوا أغرَّ يكاد يقطر بشرهماءً له اهتزَّ الرجاء وروّضا
وفتىً له الشرف الرفيع بأسرهألقى مقاليد السماح وفوّضا
أعباء مجد لو تكلّف ثقلهاحتّى يلمّلم لم يطق أن ينهضا
ذكر السيّد المرتضى في الدرر قال: أخبرنا أبو عبيد الله قال: حدّثني محمّد بن العبّاس قال: قال بعضهم لأبي العبّاس محمّد بن يزيد النحوي ما أعرف ضاديّة أحسن من ضاديّة أبي الشيص، فقال له: كم ضاديّة حسنة ولكن لا تعرفها، ثمّ أنشده لبشار قوله:
غمض الجديد بصاحبيك فغمّضاوبقيت تطلب في الحبالة منهضا
وكأنَّ قلبي عند كلّ مصيبةعظم تكسّر صدعه فتهيّضا
وأخ سلوت له فأذكره أخفمضىوتذكرك الحوادث ما مضى
فاشرب على تلف الأحبّة إنّناجزر المنيّة ظاعنين وخفّضا
ولقد جريت مع الصبا طلق الصباثمّ ارعويت فلم أجد لي مركضا
وعلمت ما علم امرؤ في دهرهفأطعت عذّالي وأعطيت الرضى
وصحوت من سكري وكنت موكّلاًأرعى الحمامة والغراب الأبيضا
الحمامة أراد بها المرآة، والغراب الأبيض الشعر الشائب. فيقول: كنت كثيراً أتعهّد نفسي بالنظر في المرآة وترجيل الشعر. وصف الغراب بالأبيض لأنّ الشعر كان غربيباً أسود من حيث كان شابّاً ثمّ ابيضّ بالشيب. رَجْعٌ إلى ذكر باقي القصيدة، وذلك قوله:
ما كلُّ باقة تجود بمائهاوكذاك لو صدق الربيع لروّضا
هكذا أنشده المبرّد ويحيى بن علي، وأنشده ابن الأعرابي:
ما كلُّ بارقة تجود بمائهاولربّما صدق الربيع فروضا
قد ذقت ألفته وذقت فراقهفوجدت ذاعسلا وذاجمر الغضا
ياليت شعري فيم كان صدودهءأسأت أم رعد السحاب وأومضا
ويلي عليه وويلتي من بينهكان الذي قد كان حلماً وانقضى
سبحان من كتب الشقا لذوي الهوىما كان إلاّ كالخضاب فقد نضى
قال المبرّد: وهي طويلة.
قال السيّد المرتضى: ولأبي تمام والبحتري على هذا الوزن والقافية وحركة القافية قصيدتان ضاديّتان إن لم تزيدا على ضاديّة بشار التي استحسنها المبرّد لم تقصرا عنها. فأوّل قصيدة أبي تمام:
أهلوك أضحوا راحلاً ومقوّضاًومزمّماً يصف النوى ومعرّضا
إن يدج عيشك إنّهم أموا اللوىفبما أضاء وهم على ذات الأضا
بدّلت من برق الثغور وبردهابرقاً إذا ظعن الأحبّة أو مضى
ما أنصف الشرخ الذي بعث الهوىفقضى عليك بلوعة ثمّ انقضى
عندي من الأيّام ما لو أنّهأمسى بشارب مرقد ما غمّضا
لا تطلبنّ الرزق بعد شماسهفترومه سعياً إذا ما غيّضا
ما عوّض الصبر امرؤ إلاّ رأىما فاته دون الذي قد عوّضا
يا أحمد ابن أبي دؤاد دعوةذلّت بذكرك لي وكانت ريّضا
لمّا انتضيتك للخطوب كفيتهاوالسيف لا يرضيك حتّى ينتضى
قد كان صوّح نبت كلّ قرارةحتّى تدوح في نداك وروّضا
أوردتني العدّ الخسيف وقد أرىأتبرّض الثمد البكيّ تبرّضا
وأمّا قصيدة البحتري فهذه:
ترك السواد للابسيه وبيّضاونضى من الستّين عنه ما نضى
وشناه أغيد في تصرّف لحظهمرض أعلَّ به القلوب وأمرضا
إلى أن يقول:
قعقعت للبخلاء أذعر جاشهمونذيرة من فاصل أن ينتقضى
وكفاك من حنش الصريم تهدّداًإن مدَّ فضل لسانه أو نضنضا
لا تنكرن من جار بيتك إن طوىأطناب جانب بيته أو قوّضا
فالأرض واسعة لنقلة راغبعمّن تنقّل ودّه وتنقّضا
لا تهتبل أغضاي أمّا كنت قدأغضيت مشتملاً على جمر الغضا
لست الذي إن عارضته ملمّةأصغى إلى حكم الزمان وفوّضا
لا يستفزّني الطفيف ولا أرىتبعاً لبارق خلّب إن أومضا
أنا من أحبّ تحرّياً وكأنّنيفيما أعاين منك ممّن أبغضا
أغببت صيبك كي يجمّ وإنّماغمد الحسام المشرفي لينتضى
وسكتُّ إلاّ أنّ أعرض قائلاًنزراً وصرّح جهده من عرّضا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع