من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
الباب السادس عشر في قافية الطاء وفيها فصل في المديح
قلت في مدحه:
ليس إلاّ إليك للعيس ينشطكلُّ رحل إلى حماك يحط
يا أخا المكرمات حسبك فخراًأنّها حين تعتزي لك رهط
لك خلق به الرضا لمحبّولذي البغض والقلى فيه سخط
بشّروا يا بني الرجاء الأمانيبابن علياء كفّه الجعد سبط
وأنزلوا حيث لا تمدُّ الليالييد خطبوحيث لا الدهر يسطو
في حمىً ليس يرفع الطرف فيهرهبةً أشوسٌ ولا الليث يخطو
حرم آمن مهابته سترعلى من به استجار يلطّ
رجع الدهر لاقتبال صباهبعد ما قد علاه للشيب وخط
بفتى أصبحت مناقبه الغرّعلى جبهة الزمان تخط
يقبض المال لا لغير العطايافالندى في يديه قبض وبسط
لو رأينا الجوزاء تحكي مزاياهلقلنا لدرّها أنت سمط
والثريّا قد داسها فلهذالم نقل أنّها لعلياه قرط
أقول: قولي: ليس إلاّ إليك للعيس نشط، الأُنشوطة عقدة واهية يسهل انحلالها كالتكّة، فيقال في المثل: ما عقالك بأُنشوطة، معناه: ما مودّتك بواهية. ويقال في المثل أيضاً: كأنّما أنشط من عقال، أي حلّ من عقال، فالأوّل من نشطت الحبل أنشطه نشطاً عقدته أُنشوطة، والثاني من أنشطته أي حللته. والإنتشاط مدّ الحبل حتّى ينحلّ، ومنه قول مهيار:
قم فانتشطها حسبها أن تعقلاودع لها أيديها والأرجلا
ويقال في المثل: لا حتّى يرجع نشيط من مرو، نشيط إسم رجل بنى داراً لزياد بالبصرة وهرب إلى مرو قبل أن يتمّها، وكلّما قيل لزياد: تمّم دارك، يقول: لا حتّى يرجع نشيط من مرو، فلم يرجع وصار مثلاً.
والناشط: الثور الوحشي يخرج من أرض إلى أرض، ومنه قوله تعالى: (وَالنَّاشِطاتِ نَشْطَاً) أي النجوم تنشط من برج إلى برج، والهموم تنشط بصاحبها، قال هميان بن قحافة السعدي:
أمست همومي تنشط المناشطاالشام بي طوراً وطوراً واسطا
فالنشط في بيتنا إمّا مأخوذ من هذا أو من المعنى المتقدّم في أنشطته نشطاً.
وقولي: لك رهط، رهط الرجل قومه وقبيلته، وجعل المكارم رهطاً له لزيادة الإختصاص، قال البحتري:
حتّى لو أنّ المجد خيّر في الورىنسباً لأصبح ينتمي في يعرب
أراد باختصاصه بهم إنتماء المجد إليهم. وقال أبو تمام:
إذا ألجمت يوماً لجيم وحولهابنوا الحصن نجل المحصنات النجائب
فإنّ المنايا والصوارم والقناأقاربهم في الروع دون الأقارب
وقولي: يلطّ، هو من لطّ الستر أرخاه، قال السيّد المرتضى في رثاء أُمّه:
أم من يلطّ لي ستر دعائهحرماً من البأساء والضرّاء
والوخط: أوّل الشيب، من وخطه الشيب إذا خالطه.
والسمط هو الخيط مادام فيه الخرز وإلاّ فهو سلك، والمسمّط من الشعر ما قفي أرباع بيوته وسمّط في قافية مخالفة، يقال: قصيدة سمطيّه ومسمّطة، قال بعضهم:
ومستلئم كشفت بالرمح ذيلهأقمت بعضب ذي سفاسق ميله
فجعت به في ملتقى الحيّ خيلهتركت عتاق الطير تحجل حوله
كأنّ على سرباله نضح جريالالسفاسق: طرايق السيف، ويقال إنّها فرنده. ولا يذهب عليك أنّ التخميس والموشّح كلّه من هذا، لا أنّ المتأخّرين اخترعوا طريقتهما، وإنّما غيّروا فيهما التسمية لمناسبة لحظوها فسمّوهما بذلك.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع