من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
الباب السابع عشر في قافية الظاء وفيها فصل في المديح
قلت في مدحه هذه المدحة:
رأت المشيب بعارضيك فغاضهاوثنت بذات البان عنك لحاظها
هيفاء لو برزت لنسّاك الورىيوماً لأصبى دلّها وعاضها
ريم لئالي نحرها تحكي لئالىء ثغرها اللائي حكت ألفاظها
قد كان شملك بالكواعب جامعاًأيّام سوق صباك كان عكاظها
فتنبّهت عين الزمان ففرّقتبالشيب شملك لا رأت إيقاظها
رقّت إليك قلوبهنّ مع الصباوأعادهنَّ لك المشيب غلاظها
فدع الغواني القاتلات بصدّهاكم فتنة غنح الحسان أفاظها
واهتف هديت ولو من النبل العداكسرت عليك لغيظها أرعاضها
بمدائح الحسن الذي آباؤهكانوا لأسرار الندى حفّاظها
حمّال ثقل المكرمات بهمّةلم تشك مذ نهضت بها أبهاظها
يا من أعار النيّرات ضيائهافزهت وأعطى المخدرات حفاظها
أوقدت نار قرى لضيفك ضوئهاوبقلب كاشحك اقتدحت شواظها
فأمّا قولي: رأيت المشيب بعارضيك الخ فمثل قول مهيار الديلمي من قصيدة:
ولم أنس إذ راحوا مطيعين للنوىوقد وقفت ذات الوشاحين والوقف
ثنت طرفها دون المشيب ومن يشبفكلّ الغواني عنه مثنيّة الطرف
وقد ولع الشعراء في وصف المشيب فأتوا فيه بكلّ معنى دقيق، في نظم أنيق، ويعجبني قول بعضهم في جارية سوداء:
وجارية من بنات الحبوشذات لحاظ صحاح مراض
تعشّقتها للنصابي فشبتغراماً ولم أك بالشبيب راضي
وكنت أعيّرها بالسوادفصارت تعيّرني بالبياض
وظريف قول بعضهم وهو من الهزل المراد به الجدّ:
تبسّم الشيب بذقن الفتىيوجب سفح الدمع من جفنه
حسب الفتى بعد الصبا ذلّةأن يضحك الشيب على ذقنه
وذمّ الشباب بعضهم بقوله:
لم أقل للشباب في دعة اللهولا حفظه غداة استقلاّ
زائراٌ زارنا أقام قليلاًسوّد الصحف بالذنوب وولّى
وما أحسن قول أبي العلا المعرّي في مدح الشيب:
خبّريني ماذا كرهت من الشيبفلا علم لي بذنب المشيب
أضياء النهار أم وضح اللؤلؤ أم كونه كثغر الحبيب
وفي هذا المعنى قول بعضهم في ذمّ الشباب:
أخبرني فضل الشباب وماذافيه من منظر يروق وطيب
غدره بالخليل أم حبّة للغيأم كونه كعيش الأديب
وبديع قول حسن بن النقيب في التأسّف على فقدان المشيب لا على أخلاق رداء الشباب القشيب:
لا تأسفنّ على الشباب وفقدهفعلى المشيب وفقده يتأسّف
هذاك يخلفه سواه إذ انقضىومضى وهذا إن مضى لا يخلف
وأمّا قولي في هذه المقطوعة:
هيفاء لو برزت لنسّاك الورىيوماً لأصبى دلّها وعاضها
فنظير قول ابن دريد في مقصورته حيث يقول:
ولاعبتني غادة وهنانةتضني وفي ترشافها برؤ الضنا
لو ناجت الأعصم لانحطَّ لهاطوع القياد من شماريخ الذرى
أو صابت القانت في مخلولقمستصعب المسلك وعر المرتقى
ألهاه عن تسبيحه ودينهتأنيسها حتّى تراه قد صبا
كأنّما الصهباء مقطوب بهاماء جنى ورد إذا الليل غشا
يمتاحه راشف برد ريقهابين بياض الثغر منها واللما
ومنها:
يا هؤلاء هل نشدتنّ لناثاقبة البرقع عن عيني طلا
ما أنصفت أُمّ الصبيين التيأصبت أخا الحلم ولمّا يصطبى
وأمّا قولي فيها:
ريم لئالي نحرها تحكي لئالىء ثغرها اللائي حكت ألفاظها
فالمقصود منه أنّ عقدها وأسنانها وألفاظها كلّها لئالىء يظهر ذلك من تشبيه بعضها ببعض. وللشعراء في هذا النحو والتشبيه معان غريبة، فمن ذلك قول البحتري:
ولمّا التقينا والنقا موعدٌ لناتعجّب رائي الدرّ منّا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامهاومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
وقال المتنبّي في ذلك:
ديار اللواتي دارهنّ عزيزةبسمر القنا يحفظن لا بالتمائم
حسان التثنّي ينقش الوشي مثلهإذا مسن في أجسامهنّ النواعم
ويبسمن عن درٍّ تقلّدن مثلهكأنّ التراقي وشحت بالمباسم
وشبّه الأرجاني الدمع في خدّ معشوقه باللؤلؤ في حال الفراق فقال:
نأى النوم عنّي لمّا نأواوأقسم لا عاد حتّى يعودوا
فبلّغ سلامي بدر الخياميكسفه نأيه والصدود
بآية ما قال يوم الرحيلمرعيّة للخليل العهود
ولمّا وقفنا غداة الوداعوقيّدت لتظعن بالحيّ قود
بكى وتنفّس خوف الفراقفأسلم عقديه جفن وجيد
كان الذي خلعته النحورمن لؤلؤ لبسته الخدود
وقال أيضاً:
وكأنّ كلّ مليحة يوم النوىقد علّقت في الخدّ عقد الجيد
وأمّا قولي فيها:
واهتف هديت ولو من النبل العداكسرت عليك لغيظها أرعاضها
فالرعظ بالضم مدخل سنخ النصل وفوقه لفائف العقب وتُسمّى الرصاف، والجمع أرعاظ، ويقال: إنّ فلاناً ليكسر عليك أرعاظ النبل، مثلٌ لمن يشتدّ غضبه، كأنّه يقول: إذا أخذ السهم نكت به الأرض نكتاً شديداً حتّى تنكسر رعظه، أو معناه: يحرق عليك الأسنان، شبّه مداخل الأسنان ومنابتها بمداخل النصال من النصال، ومثلٌ آخر: ما قدرت على كذا حتّى تعطّفت عَلَيّ أرعاظ النّبل.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع