من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
الفصل الثاني في التهاني
أقول: لمّا قدم الممدوح الفاضل الشيخ محمّد الحسن من حجّ بيت الله الحرام في سنة وكنت عازماً أن أُؤرّخ ذلك العام وأشهد حضرته لتلاوة ما أنشأته من النظام، فمنعني عن ذلك حلول وباء تلك السنة يشبه الطاعون بشدّته وخطبه المتفاقم، وقلت: ما أصدق من قال: عرفت الله بنقض العزائم، فأنشأت هذه الموشّحة اببديعة وأرسلتها إلى حضرته الرفيعة:
عرَّفت ناسكةً ذات اللمافرنت فاتكةً في أضلعي
ولكم بالهدب راشت أسهمافرمت شاكلتي صبري معي
أنشقتني يوم جمع عرفهاوعلى الخيف حمتني رشفها
كحل الغنج بسحر طرفهاما رنت للصبّ إلاّ أقسما
ما كذا ترنوا ظباء الأجرعوالغواني تدّعي السحر وما
هو إلاّ تحت ذاك البرقع
غادة أقتلها لي كلّهامثلما أحيى لقلبي وصلها
ذات غنج قد سباني دلّهاطرقت وهناً فقالت أجرما
أذرأتني بائتاً في الهجعونعم يا ريم طرفي هوّما
طمعاً منك بطيف ممتع
دميةٌ نشر الخزامى نشرهابفتات المسك يزري شعرها
كم ليال هي عندي بدرهاقابلت فيهنّ مرآت السما
بمحيّاها فقيل انطبعيهي والظبية من واد كما
هي والبدر معاً من مطلع
كلّما ورَّد خدّيها الخجلقطفت ذيّالك الورد المقل
لا تسل عنها وعنّي لا تسلوقفت فاستوقفتني مسقما
وأفاضت فأفاضت أدمعيعجباً راقبت فيها الحرما
واستحلّت صيد قلبي الموجع
كم قضت في سعيها من منسكما أضاعت فيه إلاّ نسكي
فلقد عدتُ بقلب مشركفي الهوى يعبد منها صنما
فهو في اللاهين لا في الرّكعضلّةً يقرؤ قلْ من حرَّما
زينة الله ولمّا يقلع
لست أنسى بالمصلّى موقفاًفيه يرجى العفو عمّا سلفا
إذ بدت أحلى الغواني مرشفاتجرح النسك بلحظ إن رمى
سهمه قرطس قلب الورعوانثنت تطعن في الحجّ بما
قد حوى لين الرماح الشرّع
يا سقى الله ضحيّات النقاوسقاها الروض وشياً مونقا
كم أرت عيني وجهاً مشرقاوجلت لي من فتاة مبسما
عن شتيت واضح ملتمعقد دعا دمعي ولكن رخّما
فأجابت بعقيق أدمعي
عجبت حين بدت في تربهاورأتني بين صرعى حبّها
ثمّ قالت للتي في جنبهاهل وصلن الغيد قبلي مغرما
وسوى الشيب له لم يشفعسنّة ما عملت فيها الدمى
وهي في دين الهوى لم تشرع
لا ومن أودع في خصري النحولورمى نرجس جفني بالذبول
لست أحيي أشيباً واسمي قتولللذي ماء الصبا فيه نمى
غصنه من ناشىء أو يفعكلّما استقطرت منه اللمما
قطرت ماءً فبلّت موضعي
قلتُ يا سالبتي طيب الوسنما لمن تصبى المعنى والسنن
فصلي الصبّ الذي فيك افتتنواجعلي وصلك في هذا الحما
بدعةً جائت كبعض البدعوألمّي كخيال سلما
هوّم الركب فحيّى مضجعي
من رأى خدّيك قال العجبكيف في الماء يشعُّ اللهب
والّتي طاب أبوها العنببالذي أودعها منك الفما
فغدت أورى لقلب المولعما الذي من يرتشفه أثما
هي أم فوك فزيدي ولعي
وحديث تتهاداه الربىطاب نشراً بين أنفاس الصبا
عن بشير جاء يطوي السبسباتأرج البشرى عبيراً أينما
حلَّ في الأربع بعد الأربعشعبت شمل العلى فالتأما
ودّعت قلب الحسود انصدع
فادر يا صاحبي كأس الطربواطرح في كأسها بنت العنب
قم فشاركني بما سرَّ الحسببشّر المجد وهنّ الكرما
وعلى هذا الهنا بارك معيقد تجلّى كلّ أفق أظلما
بسنا هذي البدور الطلّع
زُهْرُ مجد زَهَرَ الدهر بهملا خلت أفلاكه من شهبهم
كلّما خفَّ الهوى في صبّهموعلى المسرى إليهم عزما
ثقلت نهضته في المربعمن أمور طاريات كلّما
همَّ ينحو قصدهم قلن ارجع
لك يا عبد الكريم الفرحولأعدائك زال الترح
وصفت لابن أخيك المنحمصطفى المجد بأزكى من نمى
شرفٌ سام لمجد أرفعكبدور التم تنضوا اللثما
عن ثغور كالبروق اللمع
قرَّ طرف الفخر منها بالحسنذاك من قرّت به عين الزمن
شخصة والدهر روحٌ وبدنفحياة الدهر لمّا قدما
رجعت للنّاس أحلى مرجعما براه الله إلاّ عيلما
لبني الآمال عذب المشرع
مذ حوى صدر المعالي قلبهاوسماء المجد أبدت قطبها
سبّحت غرّ القوافي ربّهاوأتت تهدي إليه أنجما
ما حواها فلكٌ في مطلعدرراً وهي تسمّى كلّما
مثلها ما أنشدت في مجمع
شهدت للمجد أبهى محفلفدعت فخراً وقالت هوّلي
أيّها القالة مثلي فصليمن فريد المدح ما قد نظما
ثمّ يا صاغة مثلي رصّعيأو فكفّي وأريحي القلما
وبياض الطرس للطرس دعي
هذه الأفناء أفناء الشرفمنتدى الآداب فيها والظرف
لم يزل للمدح فيها معتكفمن يرد يهدي إلى هذي السما
يلتقط من هذه الزهر معيما وعاها الدهر إلاّ مغرما
قال أحسنت فقرط مسمعي
دار مجد مصطفى الفخر بهاكأبيه حلمه من هضبها
فالورى في شرقها أو غربهاكلّها تلحظ منه علما
شامخاً هضبته لم تطلعخيرها مجداً وأعلى منتمى
في العلى من كلّ ندب أروع
يا عرانين المعالي والشرفلكم أهديتها أسنى التحف
كعروس الغيد تجلى وتزففلها البشر بكم زهواً كما
لكم البشر بها في المجمعوالبسوا الأفراح ثوباً معلما
عنكم طول المدى لم ينزع
ولمّا ختن ولدا أخ الممدوح الماجد المصطفى وهما عبد الغني ومحمّد سليم نظمت هذه الموشّحة لتهنئة أبيها وعمّها:
نصب العشق لعقلي شركامن جعود كم سبت ذا ولع
ومن اللحظ بقلبي فتكابسهام ليتها لم تنزع
يا نديميّ على الورد النديمن خدود الخرّد الغيد الكعاب
غنّياني بلعوب بالعشيليس غير العطر تدري والخضاب
قد حوى مرشفها العذب الشهيشهدة قد لقّبوها برضاب
أطرباني ودعا من نسكاإنّما الجنّة تحت البرقع
في محيّا ذات خدر قد حكىقمر التمّ بأبهى مطلع
علّلاني برشوف ثغرهامرتو خلخالها عطشى الوشاح
غضّة الجيد رهيب خصرهالم تكن تبسم إلاّ عن أقاح
طرّقت زائرة تسترهاطرّة في ليلها يعمى الصباح
بتّ لا أجذبها إلاّ اشتكىخصرها ممّا تلوّى ولعي
لفنا الشوق وقال احتبكابعناق وبضمّ ممتع
غادة قامتها الغصن الوريقفوقه ريحانة الفرع ترف
صدغها والخد آس وشقيقفتروّح وإذا شئت اقتطف
خالها والريق مسكٌ ورحيقفتنشق وكما تهوى ارتهف
نصبت ألحاظها معتركاغير عذريّ الهوى لم يجمع
جفنها في سيفه كم سفكامن دم لولا الهوى لم يضع
معركٌ للشوق كم فيه مقاملأخي قلب من الوجد صديع
وبه كم قلبت أيدي الغرامبين ألحاظ الغواني من صريع
ودعت حوراؤه موتوا هيامفلدينا أجركم ليس يضيع
في سبيل الحب ما قد هلكافمعي يمسي ومن يمسي معي
كان في جنّة حسني مسلكاأينما مدّ يداً لم يمنع
أقبلت سكرى ومن خمر الصباعطفتها نشوة الدلّ عليك
تسرق النظرة من عين الظباوبلحظ فاتر ترنو إليك
تخذت ماشطة كفَّ الصباكلّما رجّلت الجعد لديك
نثرت مسكا بذي البان ذكافسرت نفحته في لعلع
كم تستّرت بها فانهتكاذلك الستر بطيب المضجع
ونديم لفظه العذب الرخيمكنسيم الورد في رقّته
قبله ما خلت ولدان النعيمبعضها يسرق من جنّته
إنّما آنست يا قلبي الكليمشعلةً في الكاس من وجنته
لا تقل كيف من الكاس ذكاجمرُ خدّيه معاً في أضلعي
فذكاً وهي تحلُّ الفلكاإن تقابل بزجاج تلذع
عدّ عن ذكرك ربّات الخدورواعدلي ذكر أرباب الحسب
وادر راح التهاني والحبورللندامى واطرح بنت العنب
فصبا الأفراح عن نور السرورفتحت يا سعد أكمام الطرب
والعلى والمجد بشراً ضحكافي سرور قال للسعد أسطع
إن يكن قطعاً ففيه اشتركابسرور ليس بالمنقطع
طاولوا الشمَّ بني الشم الرعانوالبسوا الفخر على طول السنين
ما أتمّ المجد فيكم فالزمانمنكم العليا به في كلّ حين
لم تلد إلاّ غنيّاً عن ختانوسليماً من زيادات تشين
كلّكم في منبت العزّ زكاوكطيب الأصل طيب المفرع
من نرى منكم نخله ملكاقد ترائى بشراً في المجمع
لكم البشرى ذوي الفخر الأغربسليلي أكرم النّاس قبيل
لست أدري أفهل أنتم أسرّبهما اليوم أم المجد الأثيل
وهل العلياء عيناها أقرّبهما أم عين ذي الرأي الأصيل
مصطفى المعروف من لو ملكاحوزة الأقطار لم تتّسع
لأياد كم بها قد سمكامن سماء لعلاه أرفع
إن أقل يا بدر مجد زهراوبزعمي غاية المدح بلغت
قال لي البدر كفاني مفخراًفبتشبيهك لي هذا مدحت
أو أقل يا بحر حود زخراقال لي البحر لماذا بي سخرت
قست من لو رام فخراً لاتّكىوكفى عنّي بصغرى أصبع
كم بها نجل غثياً فبكىوغدا ينحب بالرعد معى
واحدٌ في كلّ فضل منفردبمزاياً في الورى لم تكن
حلف الدهر به أن لا يلدللعلى مثلاً له في الزمن
لا تخلها حلقةً لم تنعقدفبها استثنى له بالحسن
ذاك من أصعد حتّى أدركامن سنام المجد مالم يفرع
وغدا للفخر يجلو فلكالاح والشمس به في مطلع
ذي كمال سقيت روضتهفارتوت بالعذب من ماء النهى
كم له عند المعالي نهضةلو بها شاء إذاً حطّ السهى
وهو الغيث ولكن ومضهينبت الشكر بمنهلّ اللهى
مثلما ينبت طوراً حسكافي عيون حسداً لم تهجع
أعينٌ ليت الكرى إن سلكابين جفنيها جرى في الأدمع
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع