من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
الفصل الأوّل في المديح (٧)
قلت في مدحه هذه الأبيات:
دعوا كبدي ودونكموا دموعيفداعي البين يهتف بالجميع
وما أبقي على كبدي ولكنلتأنس في محلّكم ضلوعي
كتمت بها الهوى زمناً إلى أندعاها يومُ بينكم أُذيعي
فصاعدت الدموع لكم نجيعاًويوشك أن تسيل مع الدموع
وبالعلمين واضحة المحيّارشوف الثغر طيّبة الفروع
تمنّي المستهام بغير نيلفتطمعه بخالبة لموع
منعت وصالها فسلوت عنهاوقلت لها ورائك من منوع
فأنت وما صنعت فعنك حسبيبمدح محمّد الحسن الصنيع
ربيع زماننا وأرقُّ طبعاًإلى الندماء من زمن الربيع
ربيب مكارم وفتى معالترعرع في ذرعى الشرف الرفيع
درور أنامل الكفّين جوداًغداة السحب جامدة الضروع
كسا أعطافه نفحات فخروقال لها على الثقلين ضوعي
الرشوف هي المرأة الطيّبة الفم، والرشف المصُّ، وقد رشفه يرشفه، ويرشفه وارتشفه أي امتصّه. وفي المثل: الرشف أنقع إذا ترشّف الماء قليلاً قليلاً كان أسكن للعطش. وعلى قولي: تمنّى المستهام الخ قول بعضهم:
لقد كنت جلداً قبل أن توقد النوىعلى كبدي ناراً بطيئاً خمودها
ولو تركت نار الهوى لتضرّمتولكنَّ شوقاً كلّ يوم يزيدها
وقد كنت أرجو أن تذوب صبابتيإذا قدمت أيّامها وعهودها
فقد جعلت في حبّة القلب والحشاعهاد الهوى تولي بشوق يعيدها
بمرتجه الأرداف هيفٌ خصورهاعذابٌ ثناياها عجافٌ قيودها
مخصرّة الأوساط زانت عقودهابأحسن ممّا زيّنتها عقودها
وصفرٌ تراقيها وحمرٌ أكفّهاوسودٌ نواصيها وبيضٌ خدودها
يمنيننا حتّى ترفُّ قلوبنارفيف الخزامى بات طلٌّ يجودها
ويروى أنّ منها:
ولي نظرة بعد الصدود من الجوىكنظرة ثكلى قد أُصيب وليدها
هل الله عاف عن ذنوب تسلّفتأم الله إن لم يعف عنها معيدها
فمعنى قولي: تمنّي المستهام أنّها تريه من الإمارات في أحوالها وأقوالها ما يقرب إلى ظنّه الظفر بحصول ما تشتهيه نفسه من وصالها بحيث يبقى متشوّفة نفسه إلى أن يحظى بتلك الإرادة متوقّعاً حصولها، وهذا الطمع ممّا جرت به العادة. وما أحسن قول البحتري في صفة الأحوال المطمعة:
إنّ في السّرب لو يساعفنا السربشموساً يمشين مشياً وئيدا
يتدافعن بالأكفّ ويعرضنعلينا علوارضاً وخدودا
وما أحلى قول أبي حيّة النميري:
ألمّا بسلمى قبل أن ترمي النوىبنافذة نبض الفؤاد المتيّم
يقف عاشق لم يبق من روح نفسهولا عقله المسلوب غير التوهّم
فقلنا لها سرّاً فدنياك لا يرحصحيحاً وإن لم تقتليه فالممي
فألقت قناعاً دونه الشمس واتّقتبأحسن موصولين كفٍّ ومعصم
ومن المطمعات الرقّة واللين في الكلام كما وصفه الله عزّوجلّ فقال: (لا تَخْضَعْنَ بالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الّذي في قَلْبِهِ مَرَض) وقال بعض الشعراء، وأحسن في ذلك ما شاء:
ومستخفيات ليس يخفين زرننايسحبن أذيال الصبانة والشكل
جمعن الهوى حتّى إذا ما ملكنهنزعن وقد أكثرن فينا من القتل
موارق من ختل المحبّ عوارفبختل أولى الألباب بالجدّ والهزل
مريضات رجع القول خرس عن الخناتألّفن أهواء القلوب بلا بذل
ولآخر:
بيض حرائر ما هممن بريبةكظباء مكّة صيدهنّ حرام
يحسبن من لين الكلام زوانياًويصدّهنّ عن الخنا الإسلام
وللمتنبّي:
أفدي ظباء فلاة ما عرفن بهامضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا برزن من الحمام مائلةًأوراكهنّ صقيلات العراقيب
ولآخر:
وإذ دعونك عمّهنّ فإنّهنسب يزيدك عندهنّ خبالا
ولآخر:
وكانت تسمّيني أخاها تعلّلاًفقلت لها أفسدت عقل أخيك
وإنّي لأستحسن لبعض شعراء عصرنا المسمّى بملاّ محمّد التبريزي قوله وفيه التورية:
وقائلة عمّي وما أنا عمّهاولكنّني أفدي بعمّي خالها
وعلى ذكر التمنّي فما أحسن قول مهيار الديلمي:
أتمنّى والمنى جهد المقلّواقضي الدهر في ليت وهل
وأسوّي كلف العيش إذاأظلمت لي بطلاوات الأمل
سلوة وهي الغرام المشتكىوتعاليل أسىً هنَّ العلل
قيل: إنّ بعضهم تمنّى في منزله فقال: ليت لنا لحماً نطبخ منه سكباجاً، فما لبث أن جاء ابن جاره بصفحة وقال: أغرفوا لنا قليلاً من المرق، فقال: إنّ جيراننا يشمّون رائحة الأماني.
ولذا قيل: الأماني بضائع النوكى.
وقيل: التمنّي رأس مال المفلس.
وعلى ذكر الطمع ما روي أنّه تخاصم رجلان عند دير، فقال أحدهما: أير هذا الرّاهب في حر أُمّ الكاذب، فما لبث أن نزل الراهب منعضّاً وهو يقول: أيّكما الكاذب.
ويقال: إنّ بعضهم اجتاز بدارا فسمع صاحبها يقول لزوجته: إن لم أحمل عليك ألف رجل فما أنا برجل، فجلس على الباب إلى أن أعيى ثمّ قام وضرب الباب وقال: تحمل على هذه القحبة أو نمضي.
وقيل لأشعب الطمّاع: هل رأيت أطمع منك؟ قال: نعم كلبة أُم حؤمل تبعتني فرسخين وأنا أمضغ كندراً.
وقيل له يوماً: ما بلغ من طمعك؟ قال: ما رأيت عروساً في المدينة تزفّ إلاّ كنست بيتي ورششته طمعاً في أنّها تزفّ لي.
ووقف على رجل خيزراني يعمل طبقاً فقال: وسعه قليلاً، فقال الخيزراني: وما تريد بذلك؟ لعلّك تريد أن تشتريه؟ قال: لا، ولكن يشتريه بعض الأشراف فيهدي إليّ فيه شيئاً. ونوادره كثيرة.
واتّفق أنّا سافرنا إلى بغداد أوّل الشتاء، فهبت علينا في بعض الطريق ريح نكباء وأرخت السماء عزالاها وذلك وقت الطفل، فملنا إلى حصن بناه على الطريق أبوالممدوح محمّد الصالح، فلمّا نزلنا فيه أنشأ عمّنها المهدي فيه وله الأصل النفيس، ولي هذا التخميس:
أجل لم يكن في ساحة الكون فاعلمنلسار حمىً إلاّ ببيتين في الزمن
ببيت بناه الله أمناً من المحنوبيت على ظهر الفلاة بناه من
له همّة من ساحة الكون أوسع
ألا ربَّ قفر قد قطعنا فضائهبيوم وصلنا بالصباح مسائه
ولمّا علينا الليل مدّ ردائهنزلنا به والغيث يكسب مائه
كأنّ قطره من سيب كفّيه يهمع
كأنّ النعامى حين وافت بقطرهلنا حملت من خلقه طيب نشره
فما قطرة إلاّ تتابع وفرهوما برقه إلاّ تبسّم ثغره
لوفّاده من جانب الكرخ يلمع
فبورك بيتاً كان فيه احتجابناعن السوء مذ أمسى إليه انقلابنا
به أمنت حصب الرياح ركابناومنه وقفتنا أن تبلَّ ثيابنا
مقاصر من شأو الكواكب أرفع
مقاصرُ بتنا من حماها بجنّةوقينا الأذى من حفظها بمجنّة
غدت مجمع السارين أنس وجِنّةولم ير في الدّنيا مقاصر جنّة
لشمل بني الدنيا سواهنّ تجمع
فوحشتنا زالت بإنس رحابهاعشيّه بتنا في نعيم جنابها
إلى أن نسينا السير تحت قبابهاكأنّا حلولٌ في منازلنا بها
ولم تتضمّنا مهامة بلقع
بنا أدلجت تطوي المهامة عيسناإلى أن بأيدي السير دارت كئوسنا
فمالت نشاوى نحوهنَّ رؤسناوبتنا بها حتّى تمنّت نفوسنا
نقيم بها ما دامت الشمس تطلع
ومذ كان فيها بالسرور مبيتنامحيث ثمار الإنس والبشر قوتنا
رأينا الهنا في ظلّها لا يفوتناوعنها وإن عزمت علينا بيوتنا
وددنا إلى أكنافها ليس نرجع
فلا عجب أن تغد صبحاً وعتمةًبها الوفد من كلّ الجهات ملمّةً
وتمسي لهم بالخوف أمناً وعصمةًففيها أبوالمهدي أسبغ نعمةً
على النّاس فيها طوق النّاس أجمع
بها عمَّ أهل الأرض دان وشاسعاوفيها لكلّ الخير أصبح جامعا
وليس لهذي وحدها كان صانعاًله الله كم أسدى سواها صنائعا
بأمثالها سمع الورى ليس يقرع
لقد غمر الدّنيا معاً بسخائهفكانت لساناً ناطقاً بثنائه
وأدّب صرف الدهر بعد اعتدائهفلا برحت في الكون شمس علائه
بأُفق سماء المجد بالفخر تطلع
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع