من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
الباب التاسع عشر في قافية الغين وفيها فصل في المديح
قلت في مدحه:
ذكرت بذات الأثل حيث مضى لنازمان به ظلّ الشبيبة سابغ
كواعب ترمي عن قسيّ حواجببأسهم لحظ لاتّقيها السوابغ
تدبُّ على الورد النديّ بخدّهاعقارب من أصداغهنّ لواذع
لوادغ أحشاء يبيت سليمهاودرياقه عذب من الريق سائغ
لهوت بها حيناً أطيع بها الهوىغراماً وشيطان الصبابة نازغ
إلى أن رأت عيني يد الشيب ناصلاًبها من كلا فوديّ ما الله صابغ
فأصبحت لا قلبي من الغيد فارغبلى قلبها منّي غدا وهو فارغ
وأمسيت في ليل من الغمّ تحتهفؤادي له ضرس من الهمّ ماضغ
إلى أن جلا عنّي الهموم بأسرهاهلال عُلىً في مطلع السعد بازغ
هلال عُلىً تجلوه طوقاً لنحرهاله ربّه من جوهر المجد صائغ
فتىً لم تكن أهل المساعي جميعهالتبلغ من علياه ما هو بالغ
يقصّر كعب عن نداه وحاتمويقصر حتّى جرول والنوابغ
فأمّا قولي: كواعب ترمي عن قسي حواجب، فنظيره قول أبي الحسن الهمداني من شعراء اليتيمة:
ظلّت تجيل لحاظهاكالسيف لم يخط المضارب
للسحر في أجفانهامهما أدارتها ملاعب
جعلت قسيّ سهامهاإن ناضلته عقد حاجب
لم تخط سهماً أرسلتهإنّ سهم اللحظ صائب
وقول القاضي الأرجاني:
أذمت لنا سلمى عشيّة سلّمتعلينا بتوديع لإيماء حاجب
فما شبهت عيني لها قوس حاجبأشارت به نحوي سوى قوس حاجب
وقول الصفي الحلّي:
لم تترك الأتراك بعد جمالهاحسناً لمخلوق سواها يخلق
إن نوزلوا كانوا أُسود عرينةأو غوزلوا كانوا بدوراً تشرق
جذبوا القسي إلى قسي حواجبمن تحتها نبل اللواحظ ترشق
وتشبيه اللحظ بالسهم، والحاجب بالقوس، كثير جدّاً في الشعر.
وأمّا قولي: تدبّ على الورد النديّ بخدّها، فمثله قول صفي الدين الحلّي:
دبّت عقارب صدغه في خدّهوسعى على الأرداف أرقم جعده
وبدت محاسنه ففوق لحظهسهماً يذود بشوكه عن ورده
وقال ابن بسّام البغدادي: كنت أتعشّق غلاماً لخالي، فنمت ليلة وقمت لأدبّ عليه فلسعتني عقرب، فقلت: آه، فانتبه خالي وقال: ما أتبى بك إلى هنا؟ فقلت: قمت لأبول، قال: صدقت لكن في أُست غلامي فحضرني إذ ذاك هذه الأبيات فقلت:
ولقد سريت مع الظلام بموعدحصلته من غادر كذّاب
فإذا على ظهر الطريق مدبّةسوداء قد علمت أوان ذهابي
لا بارك الرحمن فيها إنّهادبّابة دبّت إلى دبّاب
وقيل: إنّ صاحب الغلام أنشد:
وداري إذا نام سكّانهاتقيم الحدود بها العقرب
إذا غفل النّاس عن دينهمفإنّ عقاربنا تضرب
وقد تركنا ذكر كثير من النظائر في الدبيب لفحشها. وما أحسن ما اعتذر به القائل من ترك الدبيب:
قالوا وقد بصروا بأيري نائماًعند الدبيب إليه رخو المفصل
ماذا عراه فقلت ساري ليلةعرف المحلّ فبات دون المنزل
ومثل قوله: رخو المفصل ما قال أبوالنجم العجلي وذلك أنّه دخل على هشام وقد أتت عليه سبعون سنة، فقال له هشام: ما رأيك في النساء؟ قال: إنّي لأنظر إليهنّ شزراً، وينظرن إليّ خزراً، فوهب له جارية وقال له: أُغد عَلَيّ واعلمني ما يكون منك، فلمّا أصبح غدا عليه فقال له: ما صنعت شيئاً ولا قدرت عليه، وقلت في ذلك أبياتاً هي:
نظرتْ فأعجبها الذي في درعهامن حسنه ونظرتُ في سرباليا
فرأت لها كفلاً ينوء بخصرهاوعثماً روادفه وأجثم ناتيا
ورأيت منتشر العجان مقلّصاًرخواً مفاصله وجلداً باليا
ومنها:
ما بال رأسك من ورائي طالعاًأظننت أنّ حر الفتاة ورائيا
فاذهب فإنّك ميّت لا ترتجىأبد الأبيد ولو عمرت لياليا
وقال الحسين بن الحجّاج:
إذا يئس المرء من أيرهرأت عرسه اليأس من خيره
ومن كان في سنّه طاعناًفقد عدم الطعن في غيره
وقال أيضاً:
نم فما عندك خير يرتجىأيّها الأير القليل المنفعه
كنت بالأمس جموحاً في الصبافاشتهيت الخفض واخترت الدعه
طالما جدّلت فرسان الوغىوافتتحت القلعة الممتنعه
وتقحّمت مطامير الهوىفعرفت الضيق منها والسعه
وقال أيضاً:
قالت وقد قلت اعبثي لي بهيوماً وقد نامت وقد ناما
وقال بعضهم:
تقول لي وهي غضبى من تدلّلهاوقد دعتني إلى أمر فما كانا
إن لم تنكني نيك المرء زوجتهفلا تلمني إذا أصبحت قرنانا
كأنّ أيرك من شمع رخاوتهفكلّما عركته راحتي لانا
وقال بعضهم:
تعقّف فوق الخصيتين كأنّهرشاءٌ على رأس الركيّة ملتفُّ
كفرخ ابن ذي يومين يرفع رأسهإلى أبويه ثمّ يسقطه الضعف
ومن ظريف ما يحكى أنّ بعض البغايا دخلت مع رجل في بيت، فلمّا خلا بها لم ينعض، فلمّا طال عليها أخذت تعنّفه، فلمّا زادت عليه في اللوم قال لها: ويلك! أنت تفتحين بيتاً، وأنا أنشر ميتاً، وإنّ بينهما لفوتاً.
وحكي عن المبرّد أنّه قال: عشقت جارية في قصر المعتزّ بالله، فلحقني بها ما خفت عاقبته على نفسي، وطال شوط مطالها، وأنا بنفس ترجي وصالها، فلمّا رحمت عبدها وأنجزت وعدها وحضرتني زائرة نام أيري لشوم طيري، فاجتهدت أن يقوم فأبى، فتحيّرت خجلاً، وتلدّدت وجلاً خوفاً أن تظنّ تلك السيرة، ولا تعرف السريرة، فأخذت سكّين الدواة، فقالت: ما تصنع؟ قلت: أقطعه، فقالت: دعه تبول منه، فكان ذلك أشدّ عَلَيّ من جدع أنفي، فانصرفت وأنا أقول: الشأن في أير يقوم، فالتفتت إليّ وقالت: وهوىً بلا نيك يدوم، فقلت: أيري على مرّ الزمان، فمن أذمّ ومن ألوم.
وقال الأصمعي: تزوّجت أعرابيّة غلاماً من الحي، فقال لها: يا واسعة، يعيرها بذلك، فقالت بديهة:
إنّي تنقّيت من بعد الخليل فتىًمرزءاً ماله عقل ولا باه
ما غرّني فيه إلاّ حسنُ نقبتهومنطقٌ لنساء الحيّ تيّاه
فقال لمّا خلا بي أنت واسعةوذاك من خجل منّي تغشّاه
فقلت لمّا أعاد القول ثانيةأنت الفداء لمن قد كان يملاه
وتزوّج بعضهم امرأة، فسُئِل عنها بعد أيّام، فقال: فيها خصلتان من خصال البرد والسعة.
وقيل: إنّ رجلاً كان يدلّ بعضم الأير، فقال يوماً لامرأة واقعها وأعجبه ما معها: هل خرج من خلفك؟ فقالت له: وهل دخل الآن.
وحكي ما هذا مضمونه أنّ رجلاً أراد شراء جارية فسألها: كم دفعوا فيك؟ فقالت: وما يعلم ...
ودخلت جارية على راشد في رسالة من مولاتها إليه، فرأت حماراً قد أدلى، فبهتت وقالت: تقول لكم مولاتي كيف أير حماركم؟ فقال راشد: قائم ...
وقيل: تزوّج رجل صغير الأير امرأةً، فلمّا واقعها اعتذر إليها، قال: إن كان أيري صغيراً فهو ذكيّ، فقالت: ليته كان كبيراً أبله.
وقال بعضهم:
وفيشة ليست كهذي الفيشقد ملئت من خرق وطيش
إذا بدت قلت أمير الجيشمن ذاقها يعرف طعم العيش
ويقال: دبّ رجل على امرأة، فانتبهت مذعورة، فقال لها: ما تأمرين، أخرجه؟ قالت: لا دعه يذهب ويجيء حتّى أُفكّر.
أقول: وميل النساء وشغفهنّ بذلك معروف، ولهنّ في الإشتياق إلى الرجال من النثر والنظم ما لا يحصى.
قيل لأعرابيّة: أيّ الأيور أحبّ إليك؟ قالت: الشديد أسره، العظيم نشره، البطي فتره، الكثير غزره، الذي إن أصاب حفر، وإن أخطأ عقر.
ولبعض نساء العرب من رائق النظم قولها:
أيا أخوي اللائمي على الهوىأُعيذكما بالله من مثل مابيا
سألتكما بالله إلاّ جعلتمامكان الأذى واللوم أن تاوياليا
ويا أمتا حبّ الهلالي قاتليسطون النوى لا زال عنّي نائيا
أشم كغصن البان جعد مرجّلشغفت به لو كان شيئاً مدانيا
فإن لم أوسّد ساعدي بعد هجعةغلاماً هلاليّاً فشلت بنانيا
ثكلت أبي إن كنت ذقت كريقهسلافاً ولا ماء الغمامة صافيا
ونظير قولها: أشم كغصن البان الخ ما قالته بعض بنات العرب فيما حكي أنّه كان لذي الإصبع بنات أربع، فعرض عليهنّ أن يزوّجهنّ، فأبين وقلت: خدمتك وقربك أحبّ إلينا، ثمّ تشرّف عليهنّ حيث لا يرينه، فقلن: لتقل كلّ واحدة ما في نفسها، قالت الكبرى:
ألا هل أراها ليلةً وضجيعهاأشمّ كنصل السيف غير مهنّد
عليم بأدواء النساء واصلهإذا ما انتمى من سرّ أهلي ومحتدي
فقلن لها: أنت تريدين ذا قرابة قد عرفته، ثمّ قالت الثانية:
ألا ليت زوجي من أناس ذوي عداًحديث الشباب طيّب الثوب والعطر
لصوق بأكباد النساء كأنّهخليفة جلن لا ينام على وتر
فقلن لها: أنت تريدين فتىً غنيّاً ليس من أهلك، ثمّ قالت الثالثة:
ألا ليته يكسي الجمال نديّهله جفنة تشقى بها المعز والجزر
له حكمات الدهر من غير كبرةتشين فلا فان ولا ضرع غمر
فقلن لها: أنت تريدين سيّداً شريداً، وقلت للرابعة: قولي، فقالت: لست أقول شيئاً، فقلن: يا عدوّة الله علمت ما في أنفسنا ولا تعلمينا ما في نفسك، فقالت: زوجٌ من عود خير من قعود، فمضت مثلاً، فزوّجهنّ أربعهنّ وتركهنّ حولاً، ثمّ أتى الكبرى فقال: ياابنتي كيف ترين زوجك؟ قالت: خير زوج، يكرم الحليلة، ويُعطي الوسيلة، قال: فما مالكم؟ قالت: خير مال الإبل، نشرب ألبانها جزعا، ويروى جرعا، ونأكل لحمها مزعا، وتحملنا وضعيفنا معا. فقال: يا بنتي زوج كريم، ومال عميم. ثمّ أتى الثانية فقال: ياابنتي كيف زوجك؟ قالت: خير زوج، يكرم أهله، وينسى فضله. قال: وما مالكم؟ قالت: البقر تألف الفناء، وتملو الإناء، وتودك السقاء، ونساء مع نساء. قال: حظيت ورضيت. ثمّ أتى إلى الثالثة فقال: ياابنتي كيف زوجك؟ فقالت: لا سمح بذر، ولا بخيل حكر. قال: فما مالكم؟ قالت: المعزى نولدها فطما، ونسلخها أدما، لم نبغ بها نعما. فقال لها: جذوة مغينة. ثمّ أتى الصغرى فقال: ياابنتي كيف زوجك؟ قالت: شرّ زوج، يكرم نفسه، ويهين عرسه. قال: فما مالكم؟ قالت: شرّ مال. قال: وما هو؟ قالت: الضان جوف لا يشبعن، وهيم لا ينقعن، وصمّ لا يسمعن، وأمر مغويتهنّ يتبعن. فقال أبوها: اشبه امرؤ بعض بزّه، فمضت مثلاً.
قولها: وأمر مغويتهنّ يتبعن أي القطيع من الضأن يمرّ على قطنرة فتزلّ واحدة فتقع في الماء فيقعن كلّهنّ اتّباعاً لها، والضأن توصف بالبلاة.
قال الأصمعي: رأيت امرأة من العرب تطوف بالكعبة وتنشد بلسان ذرب:
أستغفر الله لذنبي كلّهقبّلت إنساناً بغير حلّه
لحسن عينيه وحسن دلّهمثل غزال كانس فى ظلّه
وانتصف الليل ولم أصلّهوالخمر مفتاح لهذا كلّه
فقلت لها: لله درّك ما أحدّ جنانك، وأفصح لسانك؟! فقالت: إليك عنّي، ما ترك كتاب الله لأحد فصاحة، ولقد سمعت منه آية جمعت أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين وهي قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أن أرضعِيهِ فإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فألْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَني إنّا رادُّوهُ إليكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِين).
وفي فتح القريب: إنّ عمر بن الخطّاب خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيراً، فمرّ بامرأة مغلق عليها بابها، فاستمع لها عمر وهي تقول:
تطاول هذا الليل تسري كواكبهوأرقني أن لا ضجيع أُلاعبه
فوالله لولا الله لا شيء غيرهلحرّك من هذا السرير جوانبه
وبتُّ أُلاهي غير بدع ملعنلطيف الحشا لا يحتويه مصاحبه
يلاعبني طوراً وطوراً كأنّمابدا قمراً في ظلمة الليل حاجبه
يسرُّ به من كان يلهو بقربهيعاتبني في حبّه وأُعاتبه
ولكنّني أخشى رقيباً موكّلاًبأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه
ثمّ تنفّست الصعداء وقالت: لهان على ابن الخطّاب وحشتي في بيتي، وغيبة زوجي عنّي، وقلّة نفقتي. فقال عمر: يرحمك الله، فلمّا أصبح بعث إليها بنفقة وكسوة وكتب إلى عامله يسرح إليها زوجها.
ويقال أيضاً بطريق آخر: إنّ عمر بن الخطّاب خرج في الليل، فسمع امرأة تقول:
تطاول هذا الليل واسودَّ جانبهوأرقني أن لا خليل أُلاعبه
فوالله لولا الله إنّي أُراقبهلزلزل من هذا السرير جوانبه
فقال عمر بن الخطّاب: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت حفصة: ستّة أشهر أو أربعة، فقال عمر: لا أحبس أحداً من الجيش أكثر من أربعة أشهر.
وحدّث أبوالعينا قال: حجّ الحسين بن الضحّاك فمرّ في منصرفه عل يموضع يعرف بالقريتين وإذا جارية كأنّها القمر في ليلة التم تتطلّع من تحت ثيابها وتنظر إلى حرها ثمّ تضربه بيدها وتقول: ما أضيعني وأضيعك، فأنشا الحسين يقول:
مررت بالقريتين منصرفاًمن حيث يقضي ذووا الهوى النسكا
إذا فتاة كأنّها القمر التمإذا ما توسّط الفلكا
واضعةً كفّها على حرّهاتقول واضيعتي وضيعتكا
فلمّا سمعت قوله ضحكت وغطّت وجهها وقالت: وا فضيحتاه.
ويروى أيضاً ما هذا مضمونه أنّ امرأةً قالت لأُخرى: خرجت اليوم إلى العيد، قالت لها: إي وحياتك، قالت لها: فما رأيت؟ قالت: أحراءً تتثأب وأيوراً تتمطّى.
قال صاحب المعاهد: وقد روي هذه الحكاية عن أبي حيّان التوحيدي.
ومن بديع الإستعارة على سخفه ومجونه قول السعيد ابن سناء الملك وهو:
يا هذه لا تستحيمنّي فقد كشف المغطّى
إن كان فرجك قد تثأبإنّ أيري قد تمطّى
ويقال: كان عبد المطّلب المخزومي قاضياً على المدينة، وكانت عنده امرأة مات عنها خمسة أزواج، فمرض فجلست عند رأسه تتباكى وتقول: إلى من توصي بي؟ قال: إلى السادس الشقي.
ومن جيّد الهزل المناسب لهذا المقام قول بعضهم:
يستغفر النّاس بأيديهموهنّ يستغفرن بالأرجل
فياله من عمل صالحيرفعه النيك إلى أسفل
ومثله أيضاً:
قد هزّني الشوقمن أجل أبي طوق
فلم أشعر تدحرجتمن تحت إلى فوق
ومن ظريف الهزل والمجون ما حكي أنّ الحسين بن الحجاج كان له صديق وكان له ابن يقال له أبا جعفر مستهتراً بالقحاب، فسأله أن يعاتبه ويشير عليه بالتزويج، فكتب إليه ابن الحجاج:
إيّاك والعفّة إيّاكاإيّاك أن تفسد معناكا
أنت بخير يا أبا جعفرما دمت صلب الأير نيّاكا
ومن النوادر الظريفة ما حكي أنّه كان بإصبهان رجل حسن النعمة، واسع النفس، كامل المروّة يقال له سماك ابن النعمان، وكان يهوى مغنية من أهل إصبهان تعرف بأُمّ عمرو، فلإفراط حبّه إيّاها وصبابته بها وهبها عدّة من ضياعه وكتب عليه بذلك كتباً وحمل الكتب إليها على بغل، فشاع الخبر بذلك وتحدّث الناس واستعظموه، وكان بإصبهان رجل متجلّف بين الركاكة، يهوى مغنّية أخرى، فلمّا اتّصل به ذلك ظنّ بجهله وقلّة عقله أنّ سماكاً إنّما أهدى إلى أُمّ عمرو جلوداً لا كتابة عليها وأنّ من الهدايا التي تستحسن عند من تهدى إليه، فابتاع جلوداً كثيرة وحملها على بغلتين لتكون هديّته ضعف هديّة سماك وأنفذها إلى التي يحب، فلمّا وصلت الجلود إليها ووقفت على الخبر فيها فغيّظت عليه وكتبت إليه رقعة تشتمه وتحلف أنّها لا تكلّمه أبداً، وسألت بعض الشعراء أن يعمل أبياتاً في هذا المعنى لتودعها الرقعة، ففعل، وكانت الأبيات:
لا عاد طوعك من عصاكاوحرمت من وصلي مناكا
فلقد فضحت العاشقينبقبح ما فعلت يداكا
أرأيت من يهدي الجلودإلى عشيقته سواكا
وأظنّ أنّك رمت أنتحكي بفعلك ذا سماكا
ذاك الذي أهدى الضياعلأُمّ عمرو والصكاكا
فبعثت منتقنة كأنّكقد مسحت بهن فساكا
من لي بوصلك يا رقيعولست أهوى أن أراكا
لكن لعلّي أن أقطّعما بعثت على قفاكا
ونظير هذه النادرة في اللطافة ما نقل عن الحسين بن الضحّاك أنّه قال: كان رجل من أهل الشام عيجب الخلقة، والشكل غليظ جلف جاف، فكنت أحتمل ذلك منه، وكان حظي التعجّب منه، وكان يأتي بكتب عتيقة له ما رأيت كتباً أحلى منها ولا أظرف ولا أشكل من معانيها، ويسألني أن أجيب عنها، فأجهد نفسي في الجواب عنها وأصرف عنايتي إليها على علمي أنّ الشامي على جهله لا يميّز بين الخطأ والصواب، ولا يفرّق بين الإبتداء والجواب، ولمّا طال ذلك عَلَيّ حسدته وتنبّهت على فساد حاله عند محبوبته، فسألته عن اسمها، فقال: بصبص، فكتبت إليها عنه في جواب كتاب منها كان جائني به:
أرقصني حبّك يا بصبصوالحبّ يا سيّدتي يرقص
أرمصت أجفاني بطول البكافما لأجفانك لا ترمص
وأنبىء وجهك ذاك الذيكأنّه من حسنه سعفص
قال: فجائني بعد ذطلك فقال: يا أبا علي! ما كان ذنبي إليك؟ وما أردت بما صنعت بي؟ فقلت له: وما ذاك عافاك الله؟ فقال: ما هو إلاّ أن وصل إليها ذلك الكتاب حتّى بعثت إليّ: إنّي مشتاقة إليك، والكتاب لا ينوب عن أن أراك، فتعال إلى الروشن الذي بالقرب من بابنا لتقف بحياله حتّى أراك، فتزيّنت بأحسن ما قدرت عليه وصرت إلى الموضع فبينا أنا أنتظر مكلّماً لي أو مشيراً إليّ وإذا شيء قد صبّ عَلَيّ فملأني من فرقي إلى قدمي، وأفسد ثيابي وسرجي، وصيّرني وجميع ما عَلَيّ ودابّتي في نهاية السواد والنتن والقذارة، وإذا هو ماء قد خلط ببول وسواد وسرجين، وانصرفت بخزي وكان ما مرّ بي من الصبيان وسائر من مررت به من الطنز والضحك والصياح أعظم ممّا جرى عَلَيّ، ولحقني من أهلي ما هو شرٌّ من ذلك وأعظم من كلّ ما ذكرته إنمنعت رسلها وانقطعت عنّي. قال: فجعلت أعتذر إليه وأقول: إنّ الآفة أنّها لم تفهم الشعر بجودته، وأنا أحمد الله على ما ناله وأسرّ بالشماتة إليه.
وحيث انجرّ الكلام إلى ذكر هذين الغبيين فلا بأس بتوشيحه بذكر نوادر بعض الحمقاء ونوادرهم كثيرة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع