تجاوز إلى المحتوى

من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)

نبذة من نوادر الحمقاء

منها ما أورده أبو العبّاس السنجري في كتابه قال: قال واحد من أهل حمص لآخر: عليك بالسنّة تدخل الجنّة، فقال: وما السنّة؟ فقال: حبّ أبي بكر بن عثمان، وعمر بن الصدّيق وعثمان بن الفاروق وعلي بن أبي سفان ومعاوية بن أبي طالب. فقال صاحبه: وما معاوية بن أبي طالب؟ قال: كان ﷺ رجلاً عابداً من أهل حملة العرش، وكاتب المؤمنين، وخال الوحي، وختن النبي على ابنته عائشة جدّة فاطمة.

وجاء بعضهم إلى القضاة آخذاً بتلبيت رجل، فقال: أعزّ الله القاضي، اصلى الله عليه وآله وسلم نّ هذا رافضي ناصبي مجبري مشبهي جهمي مبتدعي حروري يشتم عليّ بن أبي طالب ويحبّ عمر بن أبي قحافة وأبابكر بن عفّان. فقال القاضي: لا أعرف أيّ شيء أحسد منك: علمك بالمذاهب أم معرفتك بأنساب العرب؟ ومات ابن قاض وكان القاضي يتفلسف، فلمّا أرادوا دفن الميّت قال للحفّار: أضجعه على شقّة الأيسر فإنّه أهضم للطعام.

وجاء حمصي إلى الطبيب فقال: إنّ امرأتي تشكت جوفها أو وسط بطنها أو فوق بطنها. فقال الطبيب: إحمل مائها إليّ لأنظر فيه. قال: لعلّك تعني بولها؟ قال: نعم، فذهب وجاء بطست، فقال الطبيب: ألا جئت به في قارورة؟ فقال: جعلت فداك إنّ إحليلها أوسع من ذلك.

ولنكتف من ذكر نوادرهم بهذا المقدار، ثمّ نعود إلى الكلام على ما في بعض أبيات المقطوعة. أقول: فأمّا قولي:

تدبُّ على الورد النديّ بخدّهاعقارب من أصداغهنّ لواذع
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
لوادغ أحشاء يبيت سليمهاودرياقه عذب من الريق سائغ
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

ففيه تشابه الأطراف وهو أن يجع الشاعر أو الناثر قافية بيته الأوّل أوّل بيته الثاني ليبقى الطرفان متشابهين، والنّاثر كذلك يفعل في السجعات، وهذا النوع كان يسمّى التسبيغ بسين مهملة وغين معجمة. وإنّما ابن أبي الأصبع قال: هذه التسمية غير لائقة بهذا المسمى فسمّاه: تشابه الأطراف، ومن أبرع ما جاء نظماً في ذلك قول ليلى الأخيليّة في الحجّاج وذلك ما روى في الفتح القريب أنّ مولىً لعنبسة بن سعيد ابن العاص قال: كنت أدخل مع عنبسة إذا دخل على الحجاج، فدخل يوماً ودخلت عليهما وليس عند الحجاج غير عنبسة، فأقعدني فجيء الحجاج بطبق فيه رطب، فأخذ الخادم منه شيئاً وجائني به، ثمّ جاء الحاجب فقال: امرأة بالباب، فقال له الحجاج: أدخلها، فدخلت، فلمّا رآها الحجاج طأطأ رأسه حتّى ظننت أنّ ذقنه أصاب الأرض، فجائت حتّى قعدت بين يديه، فنظرت فإذا امرأة قد أسنّت وهي حسنة الخلق، ومعها جاريتان لها، وإذا هي ليلى الأخيلية، فسألها الحجاج عن نفسها، فانتسبت له، فقال لها: يا ليلى ما أتانا بك؟ فقالت: أخلاف النجوم، وقلّة الغيوم، وكلب البرد، وشدّة الجهد، وكنت لها بعد الله الرفد. فقال لها: صفي لنا الفجاج، فقالت: الفجاج مغبره، والأرض مقشعرة، والمبرك معتل، وذوالبال مختل، والهالك للقل، والناس مسنتون، رحمة الله يرجون، وأصابتنا سنون محجفة مبلطة، لم تدع لنا هيعاً ولا ريعاً، ولا عافطة ولا نافطة، أذهب الأموال، ومزقت الرجال، وأهلكت العيال، ثمّ قالت: قلت في الالمير قولاً، فأنشأت تقول:

أحجّاج لا يفلل سلاحك إنّماالمنايا بكفّ الله حيث تراها
للشاعر ليلى الأخيلية، من قصيدة «أحجاج إن الله أعطاك غاية»
أحجّاج لا يعطي العصاة مناهمولا الله يعطي للعصاة مناها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
إذا هبط الحجّاج أرضاً مريضةتتبّع أقصى دائها وشفاها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
شفاها من الداء العضال الذي بهاغلامٌ إذا هزَّ القناة سقاها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
سقاها فرواها بشرب سجالهدماء رجال حيث حال حشاها
إذا سمع الحجّجاج ردّ كتيبةأعدّ لها قبل النزول قراها
أعدَّ لها مسمومةً فارسيّةبأيدي رجال يحلبون صراها
فما ولد الأبكار والعون مثلهببحر ولا أرض يجفّ ثراها

قال: فلمّا قالت هذا البيت قال الحجّاج: قاتلها الله ما أصاب صفتي شاعر منذ دخلت العراق غيرها، ثمّ التفت إلى عنبسة بن سعيد فقال: والله إنّي لأعد للأمر عسى أن لا يكون أبداً، ثمّ التفت إليها فقال: حسبك، فقالت: إنّي قلت أكثر من هذا، فقال لها: ويحك حسبك، ثمّ قال: يا غلام إذهب إلى فلان فقل له: إقطع لسانها، فذهب بها، فقال له: يقول الأمير: إقطع لسانها، فأمر بإحضار الحجّاج فالتفتت إليه وقالت: ثكلتك أُمّك أما سمعت ما قال؟ إنّما أمر أن تقطع لساني بالصلة، فبعث إليه يستثبته، فاستشاط الحجاج غضباً وهمّ بقطع لسانه، فقال: أُرددها، فلمّا دخلت عليه قالت: كاد وأمانة الله يقطع مقولي، ثمّ أنشأت تقول:

حجاج أنت الذي ما فوقه أحدإلاّ الخليفة والمستغفر الصمد
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
حجاج أنت شهاب الحرب إن لقحتوأنت للناس نور في الدجى يقد

ثمّ أقبل الحجاج على جلسائه فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله أيّها الأمير إلاّ أنّا لم نر أحداً قط أفصح لساناً ولا أحسن محاورة ولا أملح وجهاً ولا أرصن شعراً منها، فقال: هذه ليلى الأخيلية التي مات توبة من حبّها.

وعلى اختصار هذه الرواية أنّ الحجّاج قال لها في أثناء محادثتها له: أنشدينا في رثاء توبة، فأنشدت قصيدة منها قولها:

كأنّ فتى الفتيان توبة لم ينخقلائص يفحصن الحصا بالكراكر
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

فلمّا فغت من القصيدة قال محصن الفقعسي وكان من جلساء الحجاج: ومن هذا الذي تقول هذيه فيه وإنّي لأظنّها كاذبة، فنظرت إليه ثمّ قالت: أيّها الأمير! إنّ هذا القائل لو رأى توبة لسرّه أن لا تكون في داره عذراء إلاّ وهي حامل منه. قال الحجاج: هذا وأبيك الجواب، وقد كنت غنيّاً عنه، ثمّ أجزل لها صلتها.

أقول: فأمّا قولها: لو رأى توبة لسرّه أن لا تكون في داره عذراء إلاّ وهي حامل منه، فيناسبه ذكر هذه القضيّة وإن كانت تلك من الجدّ في الجواب وهذه من الحماقات المضحكة وذلك أنّ لقمان بن عاد وكان منجباً وله أخت محمقة فقالت لإحدى نساء أخيها: هذه الليلة الطهر وهي ليلتك فدعيني أنام في مضجعك فإنّ لقمان رجل منجب فعسى أن يقع عَلَيّ فأنجب، فوقع عليها فحملت منه بلقيم، فلذلك قال النمر بن تولب:

لقيم ابن لقمان من أختهفكان ابن أخت له وابنما
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
ليالي حمقاوها استحصنتإليه فغرَّ بها مظلما
فأحبلها رجل محلمفجائت به رجلا محلما

فأمّا قولي في المقطوعة:

يقصر كعب عن نداه وحاتمويقصر حتّى جرول والنوابغ
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

كعب بن مامة الأيادي هو الذي كان يضرب به المثل في الجود، فيقال: أجود من كعب، وهو الذي أراده أبو سعيد الرستمي في قوله من قصيدة يمدح بها الصاحب بن عباد، ولقد أحسن ما شاء وأجاد:

إذا عدّ كعب في السماح أبت لهيمين لها في كلّ أنملة كعب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة

ويقال: إنّ صاحبه النمري صحبه في سفر له فقلَّ ماؤهم فجعلوا يتقاسمونه بالمقلّة وهي حصاة كانوا يضعونها في قعب ثمّ يغمرونها بالماء ويشربونها على السويّة، فلمّا تصافو الماء أي تقاسموه حصصاً كان النمري كلّما وصل الماء إلى كعب قال له: أذكر أخاك النمري، فيؤثره على نفسه بنصيبه من الماء حتّى هلك عطشاً.

وقيل: إنّه كان قد أشرف على الماء فقيل له: رد يا كعب فلم يقدر على الورود لضعفه فظلّلوا عليه خوفاً من السباع، فلمّا رجعوا إليه بالماء وجدوه ميتاً، فقال له أبوه مامه:

ما كان من سوقة أسقى على ظماءخمراً بماء إذا ناجودها بردا
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
من ابن مامة كعب ثمّ عيّ بهردّ المنيّة إلاّ حرّة وقدا
أوفى على الماء كعب ثمّ قيل لهرد كعب إنّك ورّادٌ فما وردا
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

فأمّا حاتم فقد تقدّم ذكره، وأمّا النوابغ فمعروفون، وأمّا جرول فهو الحطيئة، وقد تقدّم طرف من أخباره. ويعجبني له هذه الأبيات وهي قوله:

وطاوي ثلاث عاصب البطن مرملببيداء لم تعرف لساكنها رسما
أخا جفوة فيه من الإنس وحشةيرى البؤس فيها من شراسته نعما
تفرّد في شعث عجز إزائهاثلاثة أشياخ تخالهم بهما
حفاة عراة ما اغتذوا خبز ملةولا عرفوا للبرّ مذ خلقوا طعما
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «وَطاوي ثَلاثٍ عاصِبِ البَطنِ مُرمِلٍ»
رأى شبحاً عند العشاء فراعهفلمّا رأى ضيفاً تسوّر واهتما
وقال هيا ربّاه ضيفاً ولا قرىًبحقّك لا تحرمه تاالليلة اللحما
فقال ابنه لمّا رآه بحيرةأيا أبتى اذبحني ويسّر له طعما
ولا تعتذر بالعدم علّ الذي طرىيظنّ لنا مالا فيوسعنا ذمّا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل»
فروى قليلاً ثمّ أحجم برهةًوإن هو لم يذبح فتاه لقد هما
فبيناهم عنت على البعد عانةقد انتظمت من خلف مسحلها نظما
ظماء تريد الماء فانساب نحوهاعلى أنّه منها إلى دمها أظمى
فأمهلها حتّى تروّت عطاشهاوأرسل فيها من كنانته سهما
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل»
فخرّت بجوض ذات جحش فتيةقد اكتنزت لحماً وقد طبّقت شحما
فيابشره إذ جرَّها نحو قومهويا بشرهم لمّا رأوا كلمها يدمى
وباتوا كراماً قد قضوا حقّ ضيفهموما غرموا غرماً وقد غنموا غنما
وبات أبوهم من بشاشته أباًلضيفهم والأُمّ من بشرهم أُمّا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العقد المفصل»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.