من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)
الحمى
قال المتنبي:
وزائِرَتي كأنَّ بِها حَياءًفلَيْسَ تَزورُ إلا في الظَّلامِ
بَذَلْتُ لَها المَطارِفَ والحَشايافَعافَتْها وباتَتْ في عِظامي
يَضيقُ الجِلْدُ عِنْ نَفْسي وعَنْهافَتُوسِعُه بأنْواعِ السَّقامِ
إذا ما فارَقَتْني غَسَّلَتْنيكأنَّا عاكِفانِ على حَرامِ
كأنَّ الصُّبحُ يَطْرُدها فَتَجْريمَدامِعُها بأرْبعةٍ سِجامِ
أراقِبُ وَقْتَها مِنْ غَيْرِ شَوْقٍمُراقَبَةَ المَشوقِ المُسْتَهامِِ
ويَصْدُقُ وَعْدُها والصِّدقُ شَرٌّإذا ألْقاكَ في الكُرَبِ العِظامِ
وقوله: وزائرتي... البيت يقول: إنّ الحمُّى التي كانت تأتيه ليلاً، كأنّها حَيِيَّةٌ فليست تزورُ إلا في الليل... والمطارِف في البيت الثاني: جمع مُِطْرَف وهي: أرْديةٌ مُربَّعةٌ من خَزٍّ في جنبها علمانِ، والحشايا جمع حَشيّة: ما حُشِي من الفرش مما يُجْلَس عليه، يقول: إنّ هذه الزائرة - الحُمّى - لا تُبيت في الفِراش وإنما تَبيتُ في عظامي. وقوله: يضيق الجلد. البيت يقول: يضيق جِلْدُه فلا يَسعها ولا يَسَعُ أنفاسي التي أتنفّسها، وهي مع ذلك تذهب بِلَحْمي فتوسِعُ جلدي بما تُورد عليه من ضُروبِ السقم، وقوله: إذا ما فارقتني غسّلتني... يقول: إنه يَعْرَق عِنْدَ فراقها، فكأنّها
تغسله لِعُكوفِهما على ما يُوجب الغُسْل، وإنّما خَصَّ الحَرام لأنّه جعلها زائرة غريبة ولم يَجْعلْها زوجةً ولا مملوكةً... وقوله: كأنّ الصبحَ... البيت يقول: إنّها تفارقه عند الصبح فكأنَّ الصُّبحَ يطردها، وأنّها إذا فارقته تجري مدامعُها من أربعةٍ سِجامٍ، يريد كثرةَ العرق - عرق الحمُّى - فكأنّها تبكي عند فراقِه لِحُبِّها إياه، وأراد بالأربعة: اللَّحاظين والمُوقَين للعينَين. وقوله: أراقبُ وقتها إلخ يقول: أنتظر وقتَ مجيئِها كما ينتظرُ المَشوقُ مجيءَ حبيبه، وذلك أنّ المريض يجزعُ لوُرودِ الحُمّى، فهو يُراقب وقتها خوفاً لا شوقاً. ثم قال: ويَصدق وعدُها، يقول: إنّها صادقةُ الوعد في الورود وذلك الصدق شَرٌّ من الكذب، لأنه صدقٌ يضر ولا ينفع كمن أوْعدَ ثم صَدقَ في وعيدِه... وقال المتنبي أيضاً:
ومَنازلُ الحُمَّى الجسومُ فقلْ لَناما عُذْرُها في تَرْكِها خَيْراتِها
أعْجَبْتها شَرفاً فطالَ وُقوفُهالِتأمُّلِ الأعْضاءِ لا لأذاتِها
يقول المتنبي لهذا الممدوح - وكان مُصاباً بالحمُّى - إنَّ جِسمكَ خيرُ الأجْسامِ فلا عُذْرَ للحمُّى في تركه، لأنّ محلَّها الأجْسام! ثمّ قال: إنّ الحمُّى لمَّا رأتْكَ في المَحَلِّ الأرْفعِ من الشرفِ والكرمِ والنُّبْل أعْجَبْتها فأقامَتْ في بدنِكَ لتأمُّلِ أعْضائِكَ التي اشْتَملتْ على تلك المحامِدِ، لا لأنّها تريد أن تؤذيَك... وقال الشاعر أبو الفتح كُشاجم في عليّ بن سليمان الأخفش:
ولقَدْ أخْطأ قَوْمٌ زَعَمواأنّها مِنْ فَضْلِ بَرْدٍ في العصَبْ
هوَ ذاكَ الذِّهْنُ أذكى نارَهُوالمِزاجُ المُفْرطُ الحَرِّ الْتَهَبْ
ودَخَلَ بَخْتَيْشوعُ على يحيى بنِ خالدِ بنِ برمك بِعَقِبِ حُمّى فقال له: توقَّ فإنَّ حمّى ليلةٍ يبقى في البَدنِ تأثيرها سنة! - وعنده وكيع فقال: صدق، فقال يحيى: ما أقربَ تصْديقَكَ إيَّاه! قال: لأن النبيَّ ﷺ قال: (حُمّى ليلةٍ كفَّارة سنة)، فعَلِمْتُ أنَّ هذا مِنْ ذاك...
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع