من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)
مَدْحُ الأناة والروية وذمّ العجلة
وكانوا يمدحون الأناةَ في الرأي وإجالةَ الفكرةِ فيه وعدم التسرع.
كان عبد الله بنُ وَهْبٍ الراسيُّ يقول: إيّايَ والرأيَ الفطير! وكان يستعيذُ باللهِ من الرّأيِ الدَّبَرِيّ. الفطير: كلُّ ما أعْجِلَ عن إدْراكِه، تقول فَطَرْتُ العجينَ، وهو
أن تعجنَه ثُمّ تَخْتَبِزَه من ساعته. والدَّبْريّ: الذي يَسنَحُ بَعْدَ الفوتِ يقال: شرُّ الرأيِ الدَّبَرَيّ، وهو الذي يَسْنَحُ أخيراً عِنْدَ فوتِ الحاجة، أيْ أنَّ شَرَّه إذا أدبرَ الأمرُ وفات، ومن ذا قولُهم: عَرفَ الأمر تَدَبُّراً، أي بأَخَرَةٍ قال جرير:
ولا تَتَّقونَ الشَّرَّ حتّى يُصيبَكمولا تَعْرفونَ الأمْرَ إلا تَدبُّرا
ويقال: إنّ فُلاناً لو اسْتَقبلَ مِن أمرِه ما اسْتَدْبَرَه لَهُدي لِوِجْهةِ أمْرِه، أي لو علمَ في بدء أمره ما علمه في آخره لاسْتَرْشَدَ لأمْرِه وكان عامر بنُ الظّرِبِ حكيمُ العربِ يقول: دَعوا الرأيَ يغِبْ حتّى يختمرَ، وإيّاكم والرأيَ الفطيرَ! يريدُ الأناةَ في الرأيِ والتثبُّتَ فيه. وقال الشّعبيّ - عامر ابْنُ شراحيل -: أصابَ مُتأمِّلٌ أو كاد، وأخْطأ مُسْتَعْجِلٌ أو كاد المتأمّل: المُتثبّت تقول: تأمل فلان: إذاً تثبّت ونَظَرَ في الأمر وقال شاعر:
تأنَّ وشاوِرْ فإنَّ الأمورَ مِنْها مُضيءٌ ومُسْتَغْمِضُ
فَرَأيانِ أفضلُ مِنْ واحدٍورأيُ الثلاثةِ لا يُنْقَضُ
وقال المتنبي:
الرأيُ قبلَ شَجاعةِ الشُّجْعانِهُوَ أوَّلٌ وهْيَ المَحَلُّ الثّاني
فإذا هُما اجْتَمَعا لِنَفْسٍ مُرّةٍبَلَغَتْ مِنَ العلياءِ كُلَّ مَكانِ
ولَرُبَّما طَعنَ الفتى أقْرانَهبالرأيِ قبلَ تَطاعُنِ الأقْرانِ
لولا العقولُ لكانَ أدْنى ضَيْغَمٍأدْنى إلى شَرَفٍ مِنَ الإنْسانِ
ولمّا تَفاضَلَتِ العُقولُ ودَبَّرَتْأيدي الكُماةِ عواليَ المُرَّانِ
وفي الأثرِ: ما دَخَلَ الرِّفْقُ في شيءٍ إلا زانَه، ولا الخُرق إلا شانَه.
وقال القطامي:
قد يُدْرِكُ المتأنِّي بعضَ حاجتِهوقدْ يكونُ معَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وقال:
وخيرُ الأمْر ما اسْتقْبَلْتَ مِنْهوليسَ بأنْ تَتَبَّعَه اتِّباعا
وقبله:
ومعصيةُ الشَّفيقِ عليكَ ممّايَزيدُك مرةً منه اسْتِماعا
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع