من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)
الأنذال واللئام
اللُّؤم: ضدُّ العتق والكرم، واللئيم: الدَّنيء الأصل الشَّحيح النّفس. والنَّذالة: الخِسَّة والسَّفالة
وركاكة العقل والتأخر عن المكارم، والنذل: الخسيس الحقير الفَسْلُ الذي لا مُروءة له. ومن عبقرياتهم في هذا الصنف من الناس قولُ أبي الأسد نباتة بن عبد الله التميمي - شاعر كان معاصراً لأبي تمام: -
إنْ يَبْخلوا أو يَجْبُنواأو يَغْدِروا لا يَحْفِلوا
يَغْدوا عليكَ مُرجِّلينَ كأنَّهم لم يَفْعَلوا
كأبي بَراقِشَ كلَّ لَوْنٍ لَوْنُهُ يَتَخيّلُ
وصف قوماً مشهورين بالمقابح لا يستحون ولا يحتفلون بمن رآهم على ذلك. وقوله: يغدوا هو بدلٌ من قوله: لا يحفلوا، لأن غدوَّهم مرجِّلين دليلٌ على أنهم لم يحفِلوا. والتّرجيل: مشط الشَّعر وإرساله. وأبو براقش طائر صغير أعلى ريشه أغبرُ وأوسطه أحمرُ وأسفله أسودُ فإذا انتفش تغيّر لونُه ألواناً شتَّى. وهذا أبو بَراقِشَ غير براقش التي وردت في قولهم: على أهلها دلت بَراقِشُ، فهذه اسم كلبة لقومٍ من العرب أُغيرَ عليهم في بعضِ الأيّام، فهَربوا وتبعتهم بَراقشُ فرجع الذين أغاروا خائبين؛ فسمعت براقش وقع حوافر الخيل، فنبحت فاستدلّوا على موضع نِباحها، فعَطفوا عليهم واستباحوهم، فذهبت مثلاً وقالوا: على أهلها تجني بَراقش، قال حمزة بن بيض:
لمْ تكُنْ عن جنايةٍ لحِقَتْنيلا يَساري ولا يَميني جَنتْني
بلْ جَناها أخٌ عليَّ كريمٌوعلى أهلها بَراقِشُ تَجْني
وقال آخر - وهي من أبيات الحماسة - حماسة أبي تمام: -
أناخَ اللُّؤمُ وسْطَ بَني رباحٍمطيَّتَه فأقْسمَ لا يَريمُ
كذلكَ كلُّ ذي سَفَرٍ إذا ماتَناهى عند غايتِه يُقيمُ
يقال: أنَخْتُ البعيرَ فبرَكَ، ولا يقال فَناخَ، وهذا من باب ما استُغني عنه بغيره، ولا يَريم: لا يبرح، وقوله: كذلك في موضع الحال لأنّ كل ذي سفر مبتدأ ومقيم خبره، كأنه قال: وكلُّ مسافر إذا ما انتهى إلى غايته يلقى عصاه كذلك، أي مثل إقامة اللُّؤم فيهم، وقد نقل البحتريُّ هذا المغنى إلى المدح فقال:
إذا ما رأيْتَ المَجْدَ ألقى رحلَهفي آل طَلْحةَ ثمّ لَمْ يَتَحوَّلِ
وقال جرير:
وكنتَ إذا نَزَلْتَ بدارِ قومٍرَحَلْتَ بِخِزْيةٍ وتَركْتَ عارا
وقال:
تَميمٌ بِطُرْقِ اللُّؤمِ أهدى من القَطاولو سَلَكَتْ سُبُلَ المَكارِمِ ضلَّتِ
وقالوا فيمن لا يصلح لخيرٍ ولا شرًّ: فلان أمْلَسُ ليس فيه مستقرٌ لخيرٍ ولا شرّ. وقالوا: فلان ما هو برطب فيُعْصر ولا بيابسٍ فيُكسر. وقالوا: شرُّ الناس الذي لا يتوقَّى أن يراه الناس مسيئاً، وقد تقدّم. وقال الشاعر:
قومٌ إذا خَرجوا مِن سَوْءةٍ وَلَجوافي سَوَْءة لم يَخْبَؤوها بأسْتارِ
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع