تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

الظن

ولتفشّي الغدرِ والمكر في هذا الناس مَدحوا الاحْتراسَ والحذرَ وسوءَ الظّنِّ بالناس. قيل لبعضهم: ما الحزْمُ؟ قال: سوءُ الظَّنِّ بالناس. وقال الشاعر الببَّغاء:

وأكثرُ مَنْ تَلْقى يَسُرُّك قَوْلُهولكِنْ قليلٌ مَنْ يَسرُّك فِعْلُهُ
للشاعر الببغاء، من قصيدة «وأكثر من تلقى يسرك قوله»
وقَدْ كانَ حُسْنُ الظَّنِّ بَعْضَ مَذاهِبيفأدَّبَني هذا الزَّمانُ وأهْلُهُ
للشاعر الببغاء، من قصيدة «وأكثر من تلقى يسرك قوله»

وقالوا عليك بسوء الظنِّ، فإنْ أصابَ فالحَزْمُ، وإن أخطأ فالسَّلامة. وقال بعضهم: إن قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾: دلالةٌ على أنَّ جُلَّه صَوابٌ. وقال عبد الملك بن مروان: فرقُ ما بين عُمَرَ وعثمانَ أنَّ عُمَرَ أساءَ ظَنَّه فأحْكَمَ أمْرَه، وأنَّ عثمانَ أحْسنَ ظنَّه فأهْملَ أمْرَه. وقيل

لبعضهم: أسأتَ الظَّنَّ! فقال: إنَّ الدُّنيا لمّا امْتلأتْ مَكارِهَ وجبَ على العاقلِ أن يملأَها حَذَراً....

ولمَّا رأوا أنّ الظنَّ هو الغالبُ على الناس وأنّه لذلك يكادُ يكون غريزةً من الغرائزِ الإنسانية، وأن تحقيقَه ولا سيَّما بين الأصدقاء يعدُّ من الإفراط المَمْقوت، وأنّه لا يليق بمكارِمِ الأخلاق، ذمُّوه ونَعَوْه على أهله، قال تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. وقال سيدنا رسول الله: (ثلاثةٌ لا يسلم منهنَّ أحدٌ: الطِّيرةُ، والظّنُّ، والحَسدُ، قيل: فما المَخْرَجُ منهنّ يا رسول الله؟ قال: إذا تطيَّرْتَ فلا ترجع، وإذا ظنَنْتَ فلا تُحقّق، وإذا حسدت فلا تَبْغِ).... وقال صلوات الله عليه: (إيّاكم والظّنَّ فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث) وقال ابن الأثير في النهاية: أراد: إيّاكُمْ وسوءَ الظنِّ وتحقيقَه، دون مبادئ الظنون التي لا تُملَك وخواطر القلوب التي لا تُدفع، وقيل: أراد: الشكَّ يعرض لكَ في الشيْء

فتحقّقَهُ وتحكمَ به.

وأكذب الحديث: أي حديث النفس؛ لأنه يكون بإلقاء الشيطان في نفس الإنسان وقال المتنبي:

إذا ساَء فِعْلُ المَرْءِ ساَءتْ ظُنونُهوصدَّقَ ما يعْتادُه مِنْ تَوَهُّمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
وعادى مُحبّيه بقولِ عِداتهفأصْبَحَ في داجٍ من الشَّكِّ مُظْلمِ

وقال شاعر:

مَنْ ساَء ظنّاً بما يَهْواه فارقَهوحَرَّضَتْه على إبْعادِه التُّهَمُ

ومن هنا مدحوا التثبُّتَ والتغافل. وترى سائر عبقرياتهم في الظن في باب الطبائع وباب الإخوانيات.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الخامس في الحلم وكظم الغيظ والعفو والغضب والانتقام وما إلى هذه المعاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.