تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

قلة الوفاء في الناس وشيوع الغدر والمكر في عامتهم

وقالوا في قلّة الوفاء في الناس ووصف عامّتهم بالغَدْر، والمكر السّيّئ، ومن أروع ما قيل في ذلك قوله ُعزّ وجلّ: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾.. وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.... وقال: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ وقال: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ

إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾... وقال: ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. وقال: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾.... وقال المتنبي:

غَيْري بأكْثرِ هذا النّاسِ يَنْخَدِعُإن قاتلوا جَبُنوا أو حَدَّثوا شَجُعوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»
أهْلُ الحفيظةِ إلاَّ أنْ تُجرِّبَهموفي التجارِبِ بَعْد الغَيِّ ما يَزَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

وقال أبو فراس الحمداني:

بِمَنْ يَثقُ الإنسانُ فيما ينوبُهومِنْ أين للحُرِّ الكريمِ صحابُ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أما لجميل عندكن ثواب»
وقد صارَ هذا الناسُ إلا أقلَّهُمْذئاباً على أجْسادِهِنَّ ثِيابُ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أما لجميل عندكن ثواب»

وقال أبو تمام:

إنْ شئتَ أن يَسْوَدَّ ظنُّكَ كلُّهفأجِلْهُ في هذا السَّوادِ الأعْظمِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نثرت فريد مدامع لم ينظم»
ليسَ الصديقُ بمن يُعيرُك ظاهراًمتبسِّماً عن باطنٍ مُتَجَهِّمِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نثرت فريد مدامع لم ينظم»

يقول: إن شئت أن لا تظن بأحد خيراً فاختبر من شئت من هذا الناس، وكان يحيى بن خالد البرمكي إذا اجتهد في يمينه يقول: لا والذي جعل الوفاء أعزَّ ما يرى. وكان يقول: هو أعزُّ من الوفاء. وقالوا: من عامل الناس بالمكر كافؤوه بالغدر. وكانت العرب إذا غدر مِنْهم غادرٌ، يُوقدون له بالموسم ناراً وينادون عليه يقولون: ألا إن فلاناً غدر.... وقالوا: ربَّ حيلة أهلكت المحتال، وقال امرؤ القيس:

أحارِ بْنَ عَمْرٍو كأنّي خَمِرْويَعْدو على المَرْءِ ما يَأْتَمِرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

رجل خَمِر: خالطه الداء، وقوله ويعدو الخ: أراد أن المرء يأتمر لغيره بسوء فيرجع وَبالُ ذلك عليه وقال شاعر لا أذكره:

وكمْ مِنْ حافرٍ لأخيه ليلاًتَردّى في حَفيرَتِه نَهارا

ومن قولهم في وصف الغادر: فلانٌ يَحْسو الأماناتِ حَسْواً، وفلانٌ

أغْدَرُ مِنَ الذِّئْبِ، قال:

هو الذِّئْبُ ولَلذِّئبُ أوْفى أمانة

وقال:

والذِّئْبُ يأدو لِلْغَزالِ يَأْكُلُهْ

يأدو للغزال: يَخْتِله ليأكله، قال الشاعر:

حَنَتْني حانياتُ الدَّهْرِ حتَّىكأنّي خاتِلٌ يَأدو لِصَيْدِ
للشاعر أبو الطَمحان القَيني، اقرأ القصيدة

ويقال: ركب فلان السَّخْبرَ: إذا غدر، قال حسان بن ثابت:

يا حارِ مَنْ يَغْدِرْ بذمّة جارِهمِنكم فإنَّ مُحمداً لم يَغْدِرِ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «يا حار من يغدر بذمة جاره»
إنْ تَغْدِروا فالغَدْرُ منكم شيمةٌوالغَدْرُ ينبتُ في أصولِ السَّخْبَرِ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «يا حار من يغدر بذمة جاره»

قال ابن برّي: إنّما شُبّه الغادرُ بالسخبر، لأن السخبر شجرٌ إذا انتهى استرخى رأسُه ولم يبقَ على انتصابه، يقول حسان: أنتم لا تثبتون على وفاء كهذا السخبر الذي لا يثبت على حالٍ، بينا يُرى معتدلاً منتصباً، عاد مُسْترخياً غير منتصب

وبعد فإنّهم على هذا نَصحوا بمُداراةِ الناسِ ما دام الاستغناء عنهم غيرَ مستطاع. قال رجل لابن عباس: ادعُ اللهَ لي أن يغنيني عن الناس فقال: إنّ حوائج الناس تتصل بعضُها ببعض كاتصال الأعضاء، فمتى يستغني المرْءُ عن بعض جوارحه؟ ولكن قل: أغْنِني عن شرار الناس. ورُوي: أن بعضهم كان يطوف ويقول: من يشتري مني بضائعَ بعشرة آلاف درهم؟ فدعاه بعضُ الملوك وبذل له المال فقال له: اعلم أن اللهَ لم يخلق خلقاً شراً من الناس، وإن لم يكن بدٌّ من الناس فانظر كيف تحتاج أن تعامل ما لابدّ منه ولا غِنى بك عنه... ثم قال: هل يساوي هذا الكلام عشرة آلاف درهم؟ قال: دونَك المال، ولم يأخذه... وقالوا: ثلثا التعايش، مداراةُ الناس. وقال النظَّام - إبراهيم بن سيّار أحد شيوخ المعتزلة -: ما يسرُّني تركُ المداراة ولي حُمْرُ النَّعَم،

قيل له: لم؟ قال: لأن الأمر إذا غشيك فشخَصْتَ له أرداك، وإذا طأطأت له تَخطَّاك... وقال معاوية: لو كان بيني وبين الناس شَعْرةٌ ما انقطعت، لأنّهم إذا جذبوها أرسلتها، وإذا أرسلوها جذبْتُها... وقال أكثم بن صيفي: الانقباض من الناس مكسبةٌ للعداوة، وإفراط الأنس مكسَبةٌ لقُرناء السّوء، ومن أمثال العرب: لا تكن حُلواً فتُسْترط ولا مُراً فتُلفَظ استرطه ابتلعه وجاء في كتاب للهند: بعض المقاربة حَزْمٌ، وكلُّ المقاربة عجز، كالخشبة المنصوبة في الشمس، تُمال فيزيد ظلُّها، ويُفرَطُ في الإمالة فينقص الظِّلُّ..

وقال الطّغرائي في لاميّته المشهورة المعروفة بلامية العجم:

وحُسْنُ ظنِّك بالأيامِ مَعْجَزةٌفظُنَّ شَرّاً وكُنْ منها على وَجلِ
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أصالة الرأي صانتني ( لامية العجم )»
غاضَ الوفاءُ وفاض الغَدْرُ وانْفرجَتْمسافةُ الخُلْفِ بين القولِ والعملِ
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أصالة الرأي صانتني ( لامية العجم )»
وإنّما رَجُلُ الدنيا وواحدُهامن لا يعوِّلُ في الدنيا على رَجُلِ
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أصالة الرأي صانتني ( لامية العجم )»

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الخامس في الحلم وكظم الغيظ والعفو والغضب والانتقام وما إلى هذه المعاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.