تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

عذر من يلبس الدروع ونحوها في الحرب والمُستغني بشجاعته ويقينِه عنها

قال أبو تمام في المُستغني بجلادته عن الدروع:

إذا رأوْا لِلْمَنايا عارِضاً لَبِسوامِنَ اليَقينِ دُروعاً ما لها زَرَدُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا»

وسُئلَ بعضُ الأبطال: في أيِّ الجُنَنِ تُحبُّ أن تلقى عدوَّك؟ قال: في أجلٍ مُسْتأخرٍ.... وقيل لآخرَ: لَوِ احْترسْتَ! فقال: كفى بالأجلِ حارِساً...

ومِمّا يُؤثر في كثرةِ لِبْسِ الدُّروعِ والاستعدادِ للحرب أبداً قولُ مسلم بن الوليد من قصيدته التي يمدح بها يَزيدَ بن مزيد الشيبانيّ وهو ابْن أخي معن بن زائدة:

تَراه في الأمْنِ في دِرْعٍ مُضاعَفَةٍلا يأمَنُ الدَّهْرَ أنْ يُدْعى على عَجَلِ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»

وبعده:

لا يَعْبَقُ الطِّيبُ خدِّيْهِ ومَفْرِقَهُولا يُمَسِّحُ عَيْنَيْه مِنَ الكَحَلِ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»

يُروى أنَّ عمَّه مَعْنَ بنَ زائدة كان يقدِّمه على أولاده فعاتَبَتْه إمرأتُه في ذلك، فقال لها: فأريكِ ما تَبْسطينَ به عُذْري، يا غلامُ، اذهبْ فادْعُ حسّاساً وزائدة وعبد الله وفلاناً وفلاناً حتّى أتى على جميع أولاده فلم يَلْبثوا

أن جاؤوا في الغلائِلِ المُطَيَّبة والنِّعالِ السِّنديَّة، وذلك بعد هُدْأةٍ من الليل، فسلَّموا وجلسوا، ثم قال مَعْن، يا غُلام، ادْعُ يَزيدَ، فلم يلبث أنْ دخَلَ عَجِلاً وعليه سلاحُه، فوضع رُمْحَه بباب المجلس، ثم دخل، فقال معنٌ له: ما هذه الهيئة يا أبا الزُّبير، فقال: جاءني رسول الأمير فَسَبقَ وَهْمي إليَّ أنه يريدني لمُهِمٍّ فلبستُ سلاحي وقلت: إنْ كان الأمر كذلك مضيت ولم أعَرِّجْ وإنْ كان غيرَ ذلك فنزعُ هذه الآلةِ عنّي من أيسرِ الأشياء، فقال معن: انصرفوا في حفظ الله، فلمّا خرجوا قالت زوجتُه قد تبيَّنَ لي عذرُك، فأنشد متمثِّلاً:

نَفْسُ عِصامٍ سَوَّدَتْ عِصاماًوعَلَّمَتْه الكَرَّ والإقْداما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «نفس عصام سودت عصاما»

وصَيَّرَتْهُ مَلِكاً هُماماً

وإلى ذلك أشار مُسلم بالبيتين المَذْكورين. ويُروى: أنَّ مُسلماً لمّا انْتَهى في إنشادِ هذه القصيدة إلى البيت الأول قال له يزيدُ الممدوح: هلا قُلْتَ كما قال أعشى بكرِ بنِ وائل في مدحه قيسَ بنَ معد يكرب:

وإذا تُجيءُ كَتيبةٌ مَلْمومةٌشَهْباءُ تَجْتَنِبُ الكُماةُ نِزالَها
كَنْتَ المُقدَّمَ غَيْرَ لابِسِ جُنَّةٍبالسَّيْفِ تَضْرِبُ مُعْلَماً أبطالَها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»

فقال مسلم: قولي أحسنُ من قوله لأنّه وصفه بالخُرْق وأنا وصفتُه بالحَزْم. ويُروى مثلُ هذا لعبد الملك بن مروان مع كُثيِّر عزّة...

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب السابع في الشجاعة وعبقرياتهم فيها وفي الصبر في القتال وسائر ما يتصل بالحرب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.