من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الظليم
ذكر النعام، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب النون وكنيته أبو البيض وأبو ثلاثين وأبو الصحاري وجمعه ظلمان كوليد وولدان قال زهير:
من الظلمان جؤجؤه هواء
وقال تعالى: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ
ونظيرهما قضيب وقضبان وعريض وعرضان وفصيل وفصلان. ذكر سيبويه هذه الألفاظ سوى الولدان. وقال: إنه قليل. وحكى غيره القري وهو مجرى الماء والجمع قريان وسرى وسريان وصبي وصبيان وخصي وخصيان.
خاتمة : يقال: عار الظليم يعار عرارا، بكسر العين المهملة، وهو صوته قال ابن خلكان، وغيره: ومنه أخذ اسم عرار وهو عرار بن عمرو بن شاس الأسدي الذي قال فيه أبوه:
أرادت عرارا بالهوان ومن يردعرارا لعمري بالهوان فقد ظلم
فإن عرارا إن يكن غير واضحفإني أحبّ الجون ذا المنكب العمم
وكان والده له امرأة من قومه، وابنه عرار هذا كان من أمة، وكان قد وقع بين عرار وبين امرأة أبيه عداوة، فاجتهد أبوه عمرو على أن يصلح بينه وبين امرأته، فلم يمكنه فطلقها، ثم ندم وكان عرار فصيحا عاقلا، توجه عن المهلّب بن أبي صفرة إلى الحجاج بن يوسف الثقفي رسولا في بعض المهمات، فلما مثل بين يديه لم يعرفه وازدراه، فلما استنطقه أبان عن فضل وأعرب إلى أن
بلغ الغاية فأنشد الحجاج متمثلا:
أرادت عرارا بالهوان ومن يردعرارا لعمري بالهوان فقد ظلم
فقال عرار: أيدك الله أنا عرار، فأعجب به.
وبذلك الاتفاق قلت: وهذه الحكاية نظير ما رواه الدينوري في المجالسة، وقال الحريري في الدرة: إن عبيد بن شرية الجرهمي، عاش ثلاثمائة سنة وأدرك الإسلام فأسلم، ودخل على معاوية بن أبي سفيان بالشأم، وهو خليفة، فقال له: حدثني بأعجب ما رأيت، قال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتا لهم، فلما انتبهت إليهم، اغرورقت عيناي بالدموع فتمثلت بقول الشاعر:
يا قلب إنك من أسماء مغرورفاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير
قد بحت بالحب ما تخفيه من أحدحتى جرت لك إطلاقا محاضير
فلست تدري وما تدري أعاجلهاأدنى لرشدك أم ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيرا وارضين بهفبينما العسر إذا دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطإذ هو الرمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفهوذو قرابته في الحي مسرور
قال: فقال لي رجل: أتعرف من يقول هذه الأبيات؟ قلت: لا والله إلا أني أرويها منذ زمان.
فقال: والذي تحلف به، إن قائلها صاحبنا الذي دفناه آنفا الساعة، وأنت الغريب الذي تبكي عليه ولست تعرفه، وهذا الذي خرج من قبره أمس الناس به رحما، وهو أسرهم بموته كما وصف.
فعجبت لما ذكره من شعره، والذي صار إليه من قوله، كأنه ينظر من مكانه إلى جنازته. فقلت:
«إن البلاء موكل بالمنطق»، فذهبت مثلا. فقال له معاوية: لقد رأيت عجبا! فمن الميت؟ قال:
هو عثير بن لبيد العذري.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع