من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الكلب (٤)
فعوت جراؤها في بطنها فقيل: ما هذا؟ فأوحى الله إلى رجل منهم: هذا مثل أمة تكون من بعد يقهر سفاؤها حلماءها». والمجح بالجيم المكسورة قبل الحاء المهملة. قيل: هي الحامل التي قرب ولادتها.
وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ أتي بامرأة مجح على باب فسطاط، فقال النبي ﷺ: «لعله يريد أن يلم بها». فقالوا: نعم. فقال رسول الله ﷺ: «لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له».
الأمثال : قال الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما رضي الله تعالى عنهم أجمعين: هو رجل من الكنعانيين الجبارين اسمه بلعم بن باعوراء، وقيل بلعام بن باعر، وقال عطية عن ابن عباس: أصله من بني إسرائيل ولكنه كان مع الجبارين.
وقال مقاتل: هو من مدينة بلقاء، وكانت قصته على ما ذكره ابن عباس والسدي وغيرهما أن موسى ﷺ لما قصد حرب الجبارين، ونزل أرض كنعان من أرض الشأم، أتي قوم بلعم وكانوا كفارا، وكان بلعم عنده اسم الله الأعظم، وكان مجاب الدعوة، فقالوا له: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة، وإنه قد جاء ليخرجنا من بلادنا، ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج وادع الله أن يردهم عنا.
فقال: ويلكم نبي الله ومعه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم، وأنا أعلم من الله ما أعلم؟ وإني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي!؟ فراجعوه وألحوا عليه، فقال: حتى أؤامر ربي
وكان لا يدعو بشيء، حتى ينظر ما يؤمر به في المنام، فوامر بالدعاء عليهم، فقيل له في المنام: لا تدع عليهم. فقال لهم: إني قد آمرت ربي وإني نهيت. فأهدوا له هدية فقبلها، ثم راجعوه فقال:
حتى أؤامر ربي فآمره، فلم يجز إليه بشيء. فقال: قد وامرت فلم يجز إلي بشيء. فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم، لنهاك كما نهاك المرة الأولى، فلم يزالوا يتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن، وركب أتانا له متوجها إلى جبل يطلع منه على عسكر بني إسرائيل، يقال له حسان، فما سار عليها غير كثير حتى ربضت به فنزل عنها، وضربها حتى إذا أذلقها الضرب، قامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت، ففعل بها مثل ذلك، فقامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت، فضربها حتى أذلقها، فأذن الله تعالى لها بالكلام، فكلمته حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب ألا ترى الملائكة أمامي يردوني عن وجهي هذا أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين، تدعو عليهم؟ فلم ينزع فخلى الله سبيلها فانطلقت حتى إذا أشرفت على جبل حسان، جعل يدعو عليهم بالاسم الأعظم الذي كان عنده، فاستجيب له ووقع موسى ﵇ وبنو إسرائيل في التيه.
فقال موسى: يا رب بأي ذنب أوقعتنا في التيه؟ قال تعالى: بدعاء بلعام. قال موسى ﵇: يا رب فكما سمعت دعاءه علينا فاسمع دعائي عليه. فدعا موسى عليه أن ينزع الله تعالى منه الاسم الأعظم. فنزع الله منه المعرفة وسلخه منها، فخرجت من صدره كحمامة بيضاء. قاله مقاتل.
وقال ابن عباس والسدي: لما دعا بلعام على موسى وقومه، قلب الله لسانه، فجعل لا يدعو عليهم بشيء من الشر إلا صرف الله به لسانه إلى قومه، ولا يدعو بشيء من الخير، إلا صرف الله به لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: يا بلعم أتدري ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وعلينا! فقال:
هذا ما أملك، هذا شيء قد غلب الله عليه، فنسي الاسم الأعظم واندلع لسانه على صدره. فقال لهم: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال عليهم، جملوا النساء وزينوهن وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبتعنها فيه، ومروهن أن لا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنى واحد منهم كفيتموهم. ففعلوا.
فلما أتى النساء العسكر، مرت امرأة من الكنعانيين اسمها كستى بنت صور برجل من عظماء بني إسرائيل، يقال له زمري بن شلوم، رأس سبط شمعون بن يعقوب، فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها، ثم أقبل بها حتى وقف على موسى ﵇، فقال: إني أظنك ستقول هذا حرام علي! فقال موسى: أجل هي حرام عليك لا تقربنها. قال: فو الله لا أطيعك في هذا، ثم دخل بها قبة، فوقع عليها، فأرسل الله الطاعون على بني إسرائيل في الوقت.
وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى ﵇، وكان رجلا قد أعطي بسطة في الخلق، وقوة في البطش وكان غائبا، حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء الطاعون يجوس بني إسرائيل، فأخبر الخبر فأخذ حربته، وكانت من حديد كلها، ثم دخل عليهما القبة، وهما متضاجعان، فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى الحيية وكان بكر العيزار، فجعل يقول:
اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك، فرفع الطاعون، فحسب من هلك من بني إسرائيل بالطاعون فيما
بين أصاب زمري المرأة إلى أن قتلهما فنحاص، فوجد قد هلك منهم سبعون ألفا في ساعة من النهار. فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها: القبة والذراع واللحى لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه وإسناده إياها إلى الحيية، والبكر من كل أموالهم وأنفسهم، لأنه كان بكر العيزار. ويقال: إنه لما انتظمهما بالحربة وخرج بهما كانا في الحربة كحالهما في حالة الزنا. فكان ذلك آية.
وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم، أن هذه الآية نزلت في أمية بن أبي الصلت، وكان قد قرأ التوراة والإنجيل، وكان يعلم أن الله تعالى يرسل رسولا من العرب، فرجا أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل الله تعالى محمدا ﷺ حسده وكفر به، وكان صاحب حكمة وموعظة حسنة، وكان قصد بعض الملوك، فلما رجع مر على قتلى بدر، فسأل عنهم من قتلهم؟ فقيل قتلهم محمد ﷺ. فقال: لو كان نبيا ما قتل أقرباءه. وسيأتي إن شاء الله تعالى له ذكر في الوعل أيضا.
وقالت فرقة: إنها نزلت في رجل من بني إسرائيل، كان قد أعطي ثلاث دعوات مستجابات، وكانت له امرأة له منها ولد، فقالت: اجعل لي منها دعوة، فقال: لك منها واحدة فما تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها. فكانت كذلك. فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه، فغضب الزوج، ودعا عليها فصارت كلبة نباحة فذهبت فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا: ليس لنا على هذا قرار، وقد صارت أمنا كلبة نباحة، والناس يعيروننا بها، ادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليه، فدعا الله لها فعادت كما كانت، فذهبت فيها الدعوات كلها. والقولان الأولان أظهر.
وقال الحسن وابن كيسان: نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي ﷺ، كما يعرفون أبناءهم. وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله تعالى لكل من عرض عليه الهدى، فأبى أن يقبله. قال الله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها
أي وفقناه للعمل بها، فكنا نرفع بذلك منزلته في الدنيا والآخرة. ولكنه أخلد إلى الأرض، أي ركن إلى الدنيا وشهواتها ولذاتها.
قال الزجاج: خلد وأخلد واحد، وأصله من الخلود وهو الدوام والمقام. يقال: أخلد فلان بالمكان، إذا أقام به. والأرض هنا عبارة عن الدنيا لأن ما فيها من العقار والرباع كلها أرض وسائر متاعها مستخرج من الأرض. واتبع هواه انقاد إلى ما دعاه إليه الهوى، فعوقب في الدنيا بأنه كان يلهث كما يلهث الكلب، فشبه به صورة وهيئة. قال القتبي: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب فإنه يلهث في حال التعب وحال الراحة، وفي حال الري وحال العطش، فضربه الله مثلا لمن كذّب بآيات الله. فقال: إن وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال كالكلب، إن طردته لهث وإن تركته على حاله لهث انتهى.
واللهث تنفس بسرعة، وتحرك أعضاء الفم معه، وامتداد اللسان وخلقة الكلب أنه يلهث على كل حال. قال الواحدي وغيره: وهذه الآية من أشد الآي على ذوي العلم، وذلك أن الله
تعالى أخبر أنه آتاه آياته من اسمه الأعظم، والدعوات المستجابة والعلم والحكمة، فاستوجب بالسكون إلى الدنيا واتباع الهوى تغيير النعمة عليه، والانسلاخ عنها. ومن الذي يسلم من هاتين الحالتين إلا من عصمه الله تعالى! نسأل الله التوفيق والهداية بمنه وكرمه. وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: إن النبي ﷺ قال: «الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه». وفي رواية: «كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه فيأكله».
قال عمر رضي الله تعالى عنه: حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه وظننت أن يبيعه برخص فسألت النبي ﷺ، فقال: «لا تشتره ولو باعكه بدرهم، ولا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته، كالعائد في قيئه». وقال الجاحظ: لكل جيفة كلب، ولكل قدر طالب، ولكل نحو راغب، ولكل وسخ حامل، ولكل صم جارع، ولكل طعام آكل، ولكل ساقط لاقط، ولكل ثوب لابس، ولكل فرج ناكح انتهى.
وقالت العرب: «آلف من كلب» و «أبصر وأبخل وأطوع وأفحش وألأم وأبول » فيجوز أن يراد به البول نفسه ويجوز أن يراد به كثرة الجراء، فإن البول في كلام العرب يكنى به عن الولد. وبذلك عبر ابن سيرين رحمه الله تعالى عليه، رؤيا عبد الملك بن مروان لما رأى أنه بال في محراب مسجد رسول الله ﷺ أربع مرات، فكتب إليه: إن صدقت رؤياك، فسيقوم من أولادك أربعة في المحراب، ويتقلدون الخلافة بعدك فوليها أربعة خلفاء من صلبه: الوليد وسليمان وهشام ويزيد.
وقالوا: «سمن كلبك يأكلك»، وهو قريب من قولهم: «اتق إساءة من أحسنت إليه»، وقالوا: «جوع كلبك يتبعك»، يضرب في معاشرة اللئام، وقالوا: «الكلاب على البقر»، برفعها ونصبها، فالنصب على إضمار فعل تقديره خل كلاب الصيد، أودع الكلاب على بقر الوحش لتصطادها، والرفع على الابتداء، وما بعده خبره. ومعنى المثل: «إذا أمكنتك الفرصة فاغتنمها». ويقال: معناه خل بين الناس خيرهم وشريرهم، واغتنم أنت طريق السلامة. وقد سئلت عن قول الأخطل:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهمقالوا لأمّهم بولي على النار
فتمسك البول بخلا أو تجود بهوما تبول لهم إلا بمقدار
والخبز كالعنبر الوردي عندهموالقمح سبعون أردبا بدينار
فقلت: هذا عكس قول شاعر الأنصار حيث يقول:
لله درّ عصابة نادمتهميوما بجلّق في الزمان الأول
أولاد جفنة حول قبر أبيهمقبر ابن مارية الكريم المفضّل
يغشون حتى ما تهرّ كلابهملا يسألون عن السواد المقبل
بيض الوجوه كريمة أحسابهمشمّ الأنوف من الطّراز الأول
ومن شعر العتابي رحمه الله تعالى:
طاف الخيال بنا ليلا فحيّاناأهلا به من ملمّ زار عجلانا
ما ضرّ زائرنا المهدى تحيتهفي النوم إذ زارنا لو زار يقظانا
إني أهتدي وسواد الليل معتكرعلى تباعد مسراه ومسرانا
إن الأماني قد خيلن لي سكناردت تحيته قلبي كما كانا
حتى إذا هو ولى وانتبهت لههاجت زيارته شوقا وأحزانا
وقال علي بن محمد بن نصير في المعنى بيتا مفردا:
وكان خيالها يشفي سقامافضنّت بالخيال على الخيال
وقالوا: «أشكر من كلب».
حكى محمد بن حرب، قال: دخلت على العتابي فوجدته جالسا على حصير، وبين يديه شراب في إناء، وكلب رابض بالفناء بحياله، يشرب كأسا ويولغه أخرى، فقلت له: ما الذي أردت بما اخترت؟ فقال: أسمع أنه يكف عني أذاه، ويكفيني أذى من سواه، ويشكر قليلي ويحفظ مبيتي ومقيلي، وهو من بين الحيوان خليلي. قال ابن حرب: فتمنيت والله أن أكون كلبا له لأحوز هذا النعت منه.
الخواص : لحمه يعلو شحمه، بخلاف لحم الشاة، فإن شحمها يعلو لحمها، فإذا ارتضعت الشاة من كلبة كان لحمها على صفة لحم الكلاب، وفي ذلك قصة شهيرة لربيعة ومضر وأنمار وإياد، تقدمت في باب الهمزة في الأفعى.
قال السهيلي: وفي الحديث «لا تسبوا ربيعة ومضر، فإنهما كانا مؤمنين». قال: وإنما سمي ربيعة الفرس لأنه أعطي من ميراث أبيه الخيل، وأعطي أخوه الذهب، فسمي مضر الحمراء. ولا تقول العرب إلا ربيعة ومضر ولا يقولون مضر وربيعة أصلا.
ومن خواص الكلب العجيبة، أنه لا يلغ في دم مسلم. قال القاضي عياض، في الشفاء:
أفتى فقهاء القيروان وأصحاب سحنون بقتل ابراهيم الفزاري، وكان شاعرا ماهرا متفننا في كثير من العلوم، وكان يحضر مجلس القاضي أبي العباس بن أبي طالب، طلبا للمناظرة فضبطت عليه أمور منكرة من الاستهزاء بالله تعالى والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقتل ثم صلب منكسا، وأنزل وأحرق بالنار، ولما رفعت خشبته وزالت عنها الأيدي، استدارت وتحولت عن القبلة، وجاء كلب فولغ في دمه. فقال يحيى بن عمر: صدق رسول الله ﷺ فإنه قال: «لا يلغ الكلب في دم مسلم».
وإذا قطع لسان كلب أسود، وأخذه إنسان في يده، لم تنبح عليه الكلاب، وإن أخذت قرادة من أذن كلب، وأمسكها إنسان في يده خضعت له الكلاب كلها حتى ذلك الكلب المأخوذة منه. وإن علقت أسنانه على صبي، خرجت أسنانه من غير تعب، وأنيابه إذا علقت على من به عضة الكلب الكلب سكن عنه وجعها، وإذا علقت على من به اليرقان الظاهر نفعه، وإن حمل إنسان معه ناب الكلب لم تنبحه الكلاب. وذكره إذا جفف وعلق على الفخد هيج الباه. ومن كان يلقى من القولنج شدة، فليقم كلبا نائما وليبل في مكانه، فإنه يزول عنه من وقته ويموت الكلب.
ونابه إذا علق على من يتكلم في نومه سكن، ولبن الكلبة إذا طلي به الشعر حلقه، وإن شرب بالماء سكن من وقته السعالي. وبوله إذا طلي به على الثآليل قلعها، وقراده إذا نقع في نبيذ وشربه شارب سكر من وقته. وشعر الكلب الأسود البهيم، إذا علق على المصروع نفعه، ومن كان عنده عبد أبق وأحب أن لا يأبق، فليأخذ جرو كلب صغيرا فيحرقه ثم يسحقه بزيت، ويطلي به رأسه فإنه لا يأبق، مجرب، قاله القزويني وغيره. ولبن الكلبة إذا شرب نفع من السموم القاتلة، ويخرج الأجنة والمشيمة، ومن اكتحل بلبن كلبة سهر ليله كله. وزبله إذا سحق وعجن بماء الكزبرة، وطلي به الأورام الحادة نفعها بإذن الله تعالى.
التعبير : الكلاب في الرؤيا عند المسلمين عبيد، وفي الحديث «أن الكلب من الممسوخ»، وأوله المعبرون برجل سفيه مجترىء على العاصي، وإذا نبح فهو سفيه مشنع طمع، فمن رأى كلبا عضه أو خدشه، ناله من عدوه هم بقدر الألم، وربما مرض، وربما دلت رؤية الكلب على الانكلاب على الدنيا، مع عدم الادخار ورؤية كلب أهل الكهف في المنام، تدل على الخوف أو السجن أو الهرب أو الاختفاء، ورؤيته في البلد دليل على تجديد ولاية، وربما دل الكلب على الكفر والإياس من رحمة الله تعالى، لقوله
تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
الآية.
وكلب الصيد عز ورفعة ورزق، وكلب الماشية رجل صاحل غيور على الأهل والجار، قاله ابن المقري. ومن رأى كلبا مزق ثيابه، فإن سفيها يغتابه، وإن لم يسمع نباحه فهو عدو، وتزول عداوته بشيء يسير.
والكلب يعبر برجل من الأهل، فمن نازعه كلب نازعه رجل من أهله، وربما عبر بالمشنع إذا نبح، أو بسماع نواح، أو بفتح بيت الخلاء. والكلبة امرأة دنيئة من قوم معاندين، والجرو ولد
محبوب، فإن كان أبيض فهو مؤمن، وإن كان أسود فهو يسود قومه، وقيل: جرو الكلب لقيط سفيه، والكلب الكلب سفيه أيضا. ورؤية كلب الراعي تدل على فائدة من ملك أو وال، والكلب الذي يصاد به ملك وولاية، لمن رآه إذا كان أهلا لذلك، أو يصير إليه شيء يستغني به لقوله تعالى: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ
والكلب الصيني يدل على مخالطة قوم من الأعجام غير مسلمين.
ومن رأى أنه يصيد بالكلاب، فإنه يعطى بغيته وينال مناه، وقال ارسطاميدورس: من رأى كلاب الصيد خارجة فهي دليل خير لطالب الرزق والخدمة، وإذا رآها داخلة من الصيد، فإنها تدل على البطالة. والكلب الحارس في المنام يدل على صيانة الزوجة والمال. وقيل: الكلاب في المنام تدل على قوم أذلة. ومن رأى أنه صار كلبا، فإن الله تعالى قد آتاه علما فنسيه، لقوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها
إلى قوله تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
الآية.
وقيل: الكلاب تعبر بغلمان الشرطة، والكلب عدو ضعيف لتحوله عن جوهر السباع، ثم يصير صديقا بعد العداوة، لقصة آدم ﵇، لما أهبط إلى الأرض وقد تقدم طرف منها، فجعل في التأويل عدوا ثم يرجع صديقا.
ومن الرؤيا المعبرة أن سيدنا أبابكر الصديق رضي الله تعالى عنه، رأى كأن كلبة من مكة تهر على الناس، فلما دنوا منها، استلقت على ظهرها ودرت ثدياها لبنا، فأخبر بذلك النبي ﷺ فقال:
«ذهب كلبهم، وأقبل درهم، وستلقونهم بعد ويسألونكم أرحامهم فإذا لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه». فلما قدم المسلمون لفتح مكة، قاتل بعضهم وكان ما أخبر النبي ﷺ. ومن الرؤيا المعبرة أيضا أن رجلا أتى ابن سيرين، فقال: رأيت كلبين يقتتلان على فرج زوجتي، فقال: إنها أخذت المقراض، وجزت شعر فرجها والله تعالى أعلم.
خاتمة : ومن الفوائد المجربة أن يكتب في إناء حديد، ويمسح بزيت، ويسقى للمكلوب، فإنه يشفى بإذن الله تعالى وهي هذه الأحرف: (اب ج م اع هـ د باب اللد)، ويكتب أيضا للحامل في إناء جديد، ويغسل بماء ويسقى فإنه نافع إن شاء الله تعالى والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع