تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الفصل الرابع في أخبار التّابعين وسائر طبقات الصالحين ﵃ وكلامهم ومواعظهم

- قال الحسن البصري: لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث: أنه لم يتمتع بما جمع، ولم يدرك ما أمّل، ولم يحسن الزاد لما قدم عليه.

- كتب سفيان الثوري إلى أخ له: واحذر حبّ المنزلة فإن الزهادة فيها أشدّ من الزهادة في الدنيا.

- وقيل لسفيان: أيكون الرجل زاهدا ويكون له المال؟ قال:

نعم إن كان إذا ابتلي صبر وإذا أعطي شكر.

- أتى رجل بعض الزهاد، فقال له الزاهد: ما جاء بك؟

قال: بلغني زهدك، قال: أفلا أدلك على من هو أزهد مني؟ قال: من هو؟ قال: أنت، قال: وكيف ذاك، قال: لأنك زهدت في الجنة وما أعدّ الله فيها، وزهدت أنا في الدنيا على فنائها وذمّ الله إياها، فأنت أزهد مني.

- لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة بدأ بلحمته وأهل بيته وأخذ ما كان في أيديهم فسمّى أعمالهم المظالم، ففزعت بنو أمية إلى عمّته فاطمة بنت مروان، فأرسلت إليه: إنه قد عناني أمر لا بدّ من لقائك فيه، فأتته ليلا فأنزلها عن دابتها، فلما أخذت مجلسها قالت: تكلّم يا أمير المؤمنين، فقال:

إنّ الله ﵎ بعث محمدا ﷺ رحمة، ولم يبعثه عذابا إلى الناس كافّة، ثم اختار له ما عنده فقبضه اليه، وترك لهم نهرا شربهم فيه شربا، ثم قام أبو بكر رضوان الله عليه فترك النهر على حاله، ثم قام عمر فعمل على أمر صاحبه، فلما ولي عثمان اشتقّ من ذلك النهر نهرا، ثم ولي معاوية فاشتقّ الأنهار، ثم لم يزل ذلك النهر يشتقّ منه يزيد ومروان وعبد الملك والوليد وسليمان، حتى أفضى الأمر إليّ، وقد يبس النهر الأعظم، ولن تري أصحاب النهر حتى يعود النهر الأعظم إلى ما كان عليه. فقالت له: قد أردت كلامك ومذاكرتك، فأما إذا كانت هذه مقالتك فلست بذاكرة لك شيئا، ورجعت إلى بني أمية فقالت:

ذوقوا مغبة أمركم في تزويجكم إلى عمر بن الخطاب. وأمّ عمر بن عبد العزيز أمّ عاصم بنت [عاصم بن] عمر بن الخطاب.

- ولما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة جمع ولده حوله، فلما رآهم استعبر ثم قال: بأبي وأمي من خلّفتهم بعدي فقراء، فقال له مسلمة بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين فتعقّب فعلك وأغنهم فما يمنعك أحد في حياتك ولا

يرتجعه الوالي بعدك، فنظر إليه نظر مغضب متعجّب ثم قال: يا مسلمة منعتهم إياه في حياتي وأشقى به بعد وفاتي؟! إن ولدي بين رجلين: إما مطيع لله فالله تعالى مصلح شأنه ورازقه ما يكفيه، أو عاص له فما كنت لأعينه على معصية؛ يا مسلمة إني حضرت أباك حين دفن فحملتني عيني عند قبره فرأيته قد أفضى إلى أمر من الله ﷿ هالني وراعني، فعاهدت الله أني لا أعمل مثل عمله إن وليت، وقد اجتهدت في ذلك طول حياتي، وأرجو أن أفضي إلى [عفو من] الله وغفران. قال مسلمة: فلما دفن حضرت دفنه، فلما فرغ من شأنه حملتني عيني فرأيته فيما يرى النائم وهو في روضة خضراء فيحاء وأنهار مطّردة، وعليه ثياب بيض، فأقبل عليّ وقال: يا مسلمة، لمثل هذا فليعمل العاملون، هذا أو نحوه.

- وكتب إليه الحسن البصري لما استخلف: من الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز- فقيل له: إن الرجل قد ولي وتغيّر فقال: لو أعلم أن غير ذلك أحبّ إليه لاتبعت محبّته- أما بعد فكأنك بالدنيا لم تكن، وكأنك بالآخرة لم تزل. قال: فمضى الرسول بالكتاب إليه، فإنه لعنده يتوقّع الجواب إذ خرج يوما غير جمعة حتى صعد المنبر واجتمع الناس، فلما كثروا قام فحمد الله وأثني عليه ثم قال: أيها الناس، إنكم في أسلاب الماضين، وسيرثكم الباقون، حتى نصير إلى خير الوارثين، كلّ يوم تجهّزون غاديا إلى الله ورائحا، وقد حضر أجله وطوي عمله، وعاين الحساب، وخلع الأسلاب، وسكن التراب، ثم يدعونه غير موسّد ولا ممهّد، ثم وضع يديه على وجهه فبكى مليا، ثم رفعهما فقال: أيها الناس من وصل إلينا بحاجة لم نأله خيرا، ومن عجز فو الله لوددت أنه وآل عمر في العجز سواء؛ قال: ثم نزل فكتب إلى الحسن: أما بعد فكأنك بآخر من كتب عليه الموت قد مات، والسلام.

- قال المعروف بجسر القصاب: كنت أجلب الغنم في خلافة عمر بن عبد العزيز فمررت براع وفي غنمه نحو من ثلاثين ذئبا، فحسبتها كلابا، ولم أكن رأيت الذئاب قبل ذلك، فقلت: يا راعي، ما ترجو بهذه الكلاب كلّها؟ فقال: يا بنيّ، إنها ليست كلابا إنما هي ذئاب، فقلت:

سبحان الله ذئب في غنم لا يضرها؟ فقال: يا بنيّ إذا صلح الرأس، فليس على الجسد بأس.

- وخطب عمر بن عبد العزيز بالشام على منبر من طين، فحمد الله وأثنى عليه ثم تكلم بثلاث كلمات فقال: أيها الناس أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تكفوا أمر دنياكم، واعلموا أن رجلا ليس بينه وبين آدم أب حيّ لمعرق في الموت، والسلام عليكم.

- ولما مات عبد الملك ابنه جعل عمر يثني عليه فقال له مسلمة: يا أمير المؤمنين، لو بقي كنت تعهد إليه؟ قال: لا، قال: ولم أنت تثني عليه؟ قال: أخاف أن يكون زيّن في عيني [منه] ما زيّن في عين الوالد من ولده.

- وروي أنّ مولى لعمر قال له، وقد رجع من جنازة سليمان:

مالي أراك مغتما؟ قال: مثل ما أنا فيه يغتمّ له، ليس أحد من أمة محمد ﷺ في شرق الأرض وغربها إلا وأنا أريد أن أؤدي إليه حقّه غير كاتب إليّ فيه

ولا طالبه مني.

- وقال عمر لرجل من جلسائه: لقد أرقت الليلة تفكرا، قال:

فيم يا أمير المؤمنين؟ قال: في القبر وساكنه، إنك لو رأيت الميت بعد ثالثة في قبره لا ستوحشت من قربه بعد طول الأنس منك بناحيته، ولرأيت بيتا تجول فيه الهوامّ ويجري فيه الصديد وتخترقه الديدان، مع تغيّر الريح وبلى الأكفان، بعد حسن الهيئة وطيب الريح ونقاء الثوب، ثم شهق شهقة وخرّ مغشيا عليه، فقالت فاطمة: يا مزاحم، ويحك أخرج هذا الرجل عنّا فلقد نغّص على أمير المؤمنين الحياة منذ ولي، فليته لم يكن، فخرج الرجل، فجاءت فاطمة تصبّ على وجهه الماء وتبكي حتى أفاق من غشيته، فرآها تبكي فقال: ما يبكيك يا فاطمة؟ قالت: يا أمير المؤمنين، رأيت مصرعك بين أيدينا فذكرت به مصرعك بين يدي الله ﷿ للموت وتخلّيك من الدنيا وفراقك لنا، فذاك الذي أبكاني. قال: حسبك يا فاطمة فلقد أبلغت، ثم مال ليسقط فضمّته إليها وقالت: بأبي أنت يا أمير المؤمنين ما نستطيع أن نكلمك بكلّ ما نجد لك في قلوبنا، فلم يزل على حاله تلك حتى حضرته الصلاة فصبّت على وجهه ماء ثم نادته: الصلاة يا أمير المؤمنين، فأفاق فزعا.

- وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الموسم: أما بعد فإني أشهد الله وأبرأ إليه في الشهر الحرام والبلد الحرام ويوم الحجّ الأكبر أني بريء من ظلم من ظلمكم، وعدوان من اعتدى عليكم، أن أكون أمرت بذلك أو رضيته أو

تعمدته، إلا أن يكون وهما مني، أو أمرا خفي عليّ لم أتعمده، وأرجو أن يكون ذلك موضوعا عنّي مغفورا لي إذا علم مني الحرص والاجتهاد. ألا وإنه لا إذن على مظلوم دوني، وأنا معوّل كلّ مظلوم، ألا وأيّ عامل من عمالي رغب عن الحقّ ولم يعمل بالكتاب والسنة فلا طاعة له عليكم، وقد صيّرت أمره إليكم حتى يراجع الحقّ وهو ذميم. ألا وإنه لا دولة بين أغنيائكم ولا أثرة على فقرائكم في شيء من فيئكم، ألا وأيّما وارد ورد في أمر يصلح الله به خاصّا أو عاما من هذا الدين فله بين مائة دينار إلى ثلاثمائة دينار على قدر ما نوى من الحسنة وتجشّم من المشقة. رحم الله امرءا لم يتعاظمه سفر يحيي الله به حقا لمن وراءه. لولا أن أشغلكم عن مناسككم لرسمت لكم أمورا من الحقّ أحياها الله، وأمورا من الباطل أماتها الله عنكم، وكان الله هو المتوحد بذلك فلا تحمدوا غيره، فإنه لو وكلني إلى نفسي كنت كغيري، والسلام.

- وقال عمر: ما أحبّ أن يخفّف عني الموت لأنه آخر ما يؤجر المسلم عليه.

- وقال رجاء بن حيوة: قوّمت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو خليفة اثنا عشر درهما، فذكر قميصه ورداءه وقباءه وسراويله وعمامته وقلنسوته وخفّيه.

- وقيل إنه كان في إمارته على المدينة إذا غسل ثيابه أعطي غاسلها دراهم ممن يغسل ثيابه بعدها من كثرة الطّيب، وكان يلبس الرقيق من الثياب

ويبالغ في أثمانها.

- وقال عمر لجلسائه: أخبروني بأحمق الناس؟ قالوا: رجل باع آخرته بدنياه، فقال: ألا أنبئكم بأحمق منه؟ قالوا: بلى، قال: رجل باع آخرته بدنيا غيره.

- وروي أنه أتي بعنبرة من اليمن، فوضع يده على أنفه بثوبه.

فقال له مزاحم: إنما هو ريحها يا أمير المؤمنين، قال: ويحك يا مزاحم، وهل ينتفع من الطّيب إلا بريحه، (وإنما اقتدى في ذلك بعمر بن الخطاب ﵁ لما حمل إليه الكافور من فتح العراق، فإنه فعل مثل هذا الفعل فيه، وقال مثل هذه المقالة).

- ولما كانت الصرعة التي هلك فيها عمر بن عبد العزيز دخل عليه مسلمة بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أقفرت أفواه ولدك من هذا المال، فتركتهم عيلى لا شيء لهم. فلو أوصيت بهم إليّ أو إلى نظرائي من أهل بيتك، فقال: أسندوني، ثم قال: أما قولك إنّي أقفرت أفواه ولدي من هذا المال، فإني والله ما منعتهم حقا هو لهم، ولم أعطهم ما ليس لهم، وأما قولك لو أوصيت بهم إليّ أو إلى نظرائي من أهل بيتي، فإن وصيي وولييّ فيهم

اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ

(الأعراف:).

بنيّ أحد رجلين إما رجل يتقي الله فسيجعل الله له مخرجا، وإما رجل مكبّ على المعاصي فإني لم أكن لأقوّيه على معصية الله. ثم بعث إليهم وهم بضعة عشر ذكرا، قال: فنظر إليهم فذرفت عيناه فبكى ثم قال: بنفسي الفتية الذين تركتهم عيلى لا شيء لهم، بل بحمد الله قد تركتهم بخير، أي بنيّ إنكم لن تلقوا أحدا من العرب ولا من المعاهدين إلا أنّ لكم عليه حقا، أي بنيّ إن أباكم ميّل بين أمرين: بين أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار، أو تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة، فكان أن تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة أحبّ إليه من أن تستغنوا ويدخل النار؛ قوموا عصمكم الله.

- لما حضرت عبد الله بن شداد الوفاة دعا ابنه محمدا فأوصاه وقال: يا بني إني أرى داعي الموت لا يقلع، وبحقّ إنّ من مضى لا يرجع، ومن بقي فإليه ينزع، يا بنيّ: ليكن أولى الأمور بك تقوى الله في السرّ والعلانية والشكر لله وصدق الحديث والنيّة، فإن الشكر مزيد والتقوى خير زاد، كما قال الحطيئة:.

ولست أرى السعادة جمع مالولكنّ التقيّ هو السعيد
للشاعر النابغة الشيباني، من قصيدة «أتصرم أم تواصلك النجود»
وتقوى الله خير الزاد ذخراوعند الله للأتقى مزيد
للشاعر النابغة الشيباني، من قصيدة «أتصرم أم تواصلك النجود»
وما لا بدّ أن يأتي قريبولكن الذي يمضي بعيد
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ولست أرى السعادة جمع مال»

- وقال بعضهم: الايام ثلاثة فأمس حكيم مؤدّب أبقى فيك موعظة وترك فيك عبرة، واليوم ضيف كان عنك طويل الغيبة وهو عنك سريع الظعن، وغدا لا تدري من صاحبه.

- وأنشد الرياشي:.

حتّى متى نحن في الأيام نحسبهاوإنما نحن فيها بين يومين
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يا للمنايا ويا للبين والحين»
يوم تولّى ويوم نحن نأملهلعله أجلب الأيام للحين
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يا للمنايا ويا للبين والحين»

- وقال الأقرع بن معاذ:.

وقد هوّن الدنيا عليّ وأهلهامنازل قد بادت وبادت قرونها
وأني أراني للمنايا رهينةوأنّ المنايا لا يفكّ رهينها

- وقال أيضا:.

بكت أمّ بكر أن تشتّت شملهاوأن أصبحوا منهم شعوب وهالك
فقالت كذاك الناس ماض ولابثوباك قليلا شجوه ثم ضاحك
فإمّا تريني اليوم حيّا فإننيعلى قتب من غارب الموت وارك

- قال خالد بن صفوان بن الأهتم: أوفدني يوسف بن عمر إلى

هشام بن عبد الملك في وفد أهل العراق، قال: فقدمت عليه، وقد خرج بقرابته وحشمه وحاشيته وجلسائه فنزل في أرض قاع صحصح، في عام قد بكّر وسميّه وتتابع وليّه، وأخذت الأرض زينتها، فهي في أحسن منظر، قال:

وقد ضرب له سرادق من حبر كان يوسف بن عمر صنعه له باليمن، فيه فسطاط فيه أربعة أفرشة من خزّ أحمر، مثلها مرافقها، وعليه درّاعة من خزّ أحمر مثلها عمامتها، وقد أخذ الناس مجالسهم، قال فأخرجت رأسي من ناحية السمّاط، فنظر إليّ شبه المستنطق لي، فقلت: أتمّ الله نعمه عليك يا أمير المؤمنين، وجعل ما قلّدك من هذا الأمر رشدا، وعاقبة ما يؤول إليه حمدا، أخلصه الله لك بالتقى وكثّره لك بالنماء، ولا كدّر عليك ما صفا، ولا خالط سرورك الأذى، فلقد أصبحت للمؤمنين ثقة [ومستراحا]- إليك يقصدون في مظالمهم ويفزعون في أمورهم، وما أجد شيئا هو يا أمير المؤمنين أبلغ من حديث من سلف قبلك من الملوك، فإن أذن أمير المؤمنين أخبرته به، قال: فاستوى جالسا وكان متكئا ثم قال: هات يا ابن الأهتم، قلت: يا أمير المؤمنين، إنّ ملكا من الملوك قبلك خرج في عام مثل عامك هذا إلى الخورنق والسّدير، وكان قد أعطي فتاء السنّ مع الكثرة والغلبة والقهر، فنظر فأبعد النظر، ثم قال لجلسائه: هل رأيتم مثل ما أنا فيه وهل أعطي مثل ما أعطيت؟ قال: وعنده رجل من بقايا حملة الحجّة والمضيّ على أدب الحقّ ومنهاجه، قال: ولم تخل الأرض من قائم لله ﷿ بحجّة في عباده، فقال: أيها الملك إنك قد سألت عن أمر، أفتأذن في الجواب عنه؟ قال: نعم، قال: أرأيت الذي أنت فيه أشيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك؟ قال: كذلك هو، قال: فلا أراك إلا أعجبت بشيء يسير تكون فيه قليلا وتغيب عنه طويلا، وتكون غدا بحسابه

مرتهنا، قال: ويلك فأين المهرب وأين المطلب؟ قال: إما أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة الله، على ما ساءك وسرّك وأمضّك وأرمضك، وإما أن تضع تاجك وتلبس أطمارك وتعبد ربّك حتى يأتيك أجلك، قال: فإذا كان السحر فاقرع عليّ بابي، فإني مختار أحد الرأيين فإن اخترت ما أنا فيه كنت وزيرا لا يعصى، وإن اخترت فلوات الأرض وقفر البلاد كنت رفيقا لا يخالف، فقرع عليه الباب عند السّحر، فإذا هو قد وضع تاجه ولبس أمساحه وتهيّأ للسياحة، فلزما والله الجبل حتى أتاهما أجلهما، وهو حيث يقول عدي بن زيد العباديّ:.

أيها الشامت المعيّر بالدهر أأنت المبرّأ الموفور
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»
أم لديك العهد الوثيق من الأيام بل أنت جاهل مغرور
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
من رأيت المنون خلّدن أم منذا عليه من أن يضام خفير
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»
أين كسرى، كسرى الملوك أنوشروان، أم أين قبله سابور
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة تجبى إليه والخابور
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
شاده مرمرا وشيّده كلسا فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد الملك منه فبابه مهجور
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
وتذكّر ربّ الخورنق اذ أشرف يوما وللهدى تفكير
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»
سرّه ماله وكثرة ما يملك والبحر معرضا والسدير
فارعوى قلبه وقال وما غبطة حيّ إلى الممات يصير
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
ثم بعد الفلاح والملك والإمّة وارتهم هنالك القبور
ثم أضحوا كأنّهم ورق جفّ فألوت به الصّبا والدّبور
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

قال: فبكى والله هشام حتى اخضلّت لحيته وبلّ عمامته، وأمر بنزع أبنيته ولزم قصره، فأقبلت الموالي والحشم على خالد بن صفوان وقالوا: ما أردت إلى أمير المؤمنين؟ أفسدت عليه لذته ونغّصت عليه باديته، فقال: إليكم عنّي فإنّي عاهدت الله عهدا ألا أخلو بملك إلا ذكّرته الله ﷿.

قال الحسن بن أبي الحسن البصري: المؤمن يصبح حزينا ويمسي حزينا، ولا يسعه إلا ذلك لأنه بين مخافتين: بين ذنب قد مضى لا يدري ما الله يصنع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما يصيبه فيه من المهالك.

- وقال الحسن: يحقّ لمن يعلم أن الموت مورده، وأن القيامة موعده، وأن القيام بين يدي الله مشهده، أن يطول حزنه.

- ومن كلام الحسن ﵀: وقد يدلّك على شرّ هذه الدار، أن الله زواها عن أنبيائه وأحبّائه اختبارا، وبسطها لغيرهم اعتبارا واغترارا، فيظنّ المغرور فيها والمفتون عليها أنه إنما أكرمه بها، ونسي ما صنع بمحمد ﷺ نبيه ورسوله، وبموسى المصطفى بالكرم وبمناجاة المختار له، فأمّا محمد فشدّ الحجر على بطنه من الجوع، وأما موسى الكليم فرئي خضرة البقل من صفاق بطنه من هزاله، وما سأل الله يوم أوى إلى الظلّ طعاما من جوعه، ولقد جاءت الروايات عنه أن الله أوحى إليه: أن يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى قد أقبل فقل ذنب عجّلت عقوبته.

وإن شئت ثلثت بصاحب الروح والكلمة ففي أمره عجيبة، كان يقول أدمي الجوع، وشعاري الخوف، ولباسي الصوف، ودابتي رجلي، وسراجي بالليل القمر، وصلائي في الشتاء مشارق الشمس، وفاكهتي وريحاني ما أنبتت الأرض للسباع والأنعام، أبيت وليس لي شيء وليس أحد أغنى مني. ولو

شئت ربّعت بسليمان بن داود فليس دونهم في العجب، كان يأكل خبز الشعير في خاصّته ويطعم أهله الخشكار ويطعم النّاس الدرمك، فإذا جنّه الليل لبس المسوح وغلّ اليد إلى العنق وبات باكيا حتى يصبح، كلّ هذا منهم: يبغضون ما أبغض الله، ويصغّرون ما صغّر الله، ويزهدون فيما فيه زهّد. ثم اقتصّ الصالحون بعد منهاجهم، وأخذوا بآثارهم، وألزموا أنفسهم الذكر والعبر، وألطفوا الفكر، وصبروا في مدة الأجل القصير عن متاع الغرور، والذي إلى الفناء يصير، [ونظروا] إلى آخر الدنيا ولم ينظروا إلى أولها، ونظروا إلى باطن الدنيا ولم ينظروا إلى ظاهرها، ونظروا إلى عاقبة مرارتها ولم ينظروا إلى عاجلة حلاوتها، وأنزلوها من أنفسهم بمنزلة الميتة التي لا يحلّ الشبع منها في حال الضرورة إليها، فأكلوا منها قدر ما ردّ النفس وبقّى الروح ومكّن من النوم.

- ومن كلام الحسن: لا تغتّر يا ابن آدم بقول من يقول أنت مع من أحببت، فإنه من أحبّ قوما تبع آثارهم، واعلم أنك لم تلحق بالأخيار حتى تتبع آثارهم وحتى تهتدي بهداهم وتقتدي بسنتهم، فتسلك مسلكهم، وتأخذ طريقتهم، وإنما ملاك الأمر أن تكون على استقامة. والله إنما هلك من هلك حين تشعبت بهم السبل وحادوا عن الطريق، فتركوا الآثار وقالوا في الدين برأيهم، فضلوا وأضلوا. يا ابن آدم ما رأيت اليهود والنصارى وأهل الأهواء المردية يحبّون أنبياءهم وليسوا معهم لأنهم خالفوهم في العمل والقول وسلكوا غير طريقتهم فصار موردهم إلى النار، فتعوّذ بالله من ذلك. قال الله ﷿: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا

التذكرة

الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ

(الاعراف:). وقال:

لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً

(النساء:). وقال: وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ

(الحديد:). وقال: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى، ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى

(النجم:).

- ولما ولي عمر بن هبيرة العراق أرسل إلى الحسن البصريّ وإلى الشعبيّ فأمر لهما ببيت فكانا فيه شهرا أو نحوه، ثم إن الخصيّ غدا عليهما ذات يوم فقال: إن الأمير داخل عليكما، فجاء عمر يتوكأ على عصا له، فسلّم ثم جلس معظّما لهما فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك يكتب إليّ كتبا أعلم أن في إنفاذها الهلكة، فإن أطعته عصيت الله، وإن عصيته أطعت الله، فهل ترون لي في متابعتي إياه فرجا؟ فقال الحسن: يا أبا عمرو أجب الأمير، فتكلم الشعبيّ فانحطّ في حبل ابن هبيرة، فقال: ما تقول أنت يا أبا سعيد؟

فقال: أيها الأمير قد قال الشعبي ما قد سمعت، قال: ما تقول أنت؟

قال: أقول يا عمر بن هبيرة يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله فظّ غليظ لا يعصي الله ما أمره فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، يا عمر ابن هبيرة إن تتّق الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك، ولن يعصمك يزيد بن عبد الملك من الله. يا عمر بن هبيرة لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما

تعمل في طاعة يزيد بن عبد الملك نظرة مقت فيغلق بها باب المغفرة دونك؛ يا عمر بن هبيرة لقد أدركت ناسا من صدر هذه الأمة كانوا والله على الدنيا، وهي مقبلة، أشدّ إدبارا من إقبالهم عليها وهي مدبرة؛ يا عمر بن هبيرة إني أخوّفك مقاما خوّفكه الله تعالى فقال: ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ

(ابراهيم:) يا عمر ابن هبيرة إن تك مع الله في طاعته يكفك بائقة يزيد بن عبد الملك، وإن تك مع يزيد بن عبد الملك على معاصي الله يكلك الله إليه. قال: فبكى عمر وقام بعبرته. فلما كان الغد أرسل إليهما بإذنهما وجوائزهما فأكثر منه ما للحسن، وكان في جائزة الشعبي بعض الإقتار، فخرج الشعبي إلى المسجد فقال: أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله على خلقه فليفعل، فوالذي نفسي بيده ما علم الحسن شيئا جهلته ولكن أردت وجه ابن هبيرة فأقصاني الله منه.

- قال هشيم بن بشير قلت لعمرو بن عبيد: صف لي الحسن؟

فقال: كان إذا أقبل فكأنه قد جاء من دفن أمه، وكأنّ زفير جهنّم في آذانه، وكأنه قد قعد قعود الأسير يضرب عنقه.

- وقال همّام بن مطر: كان رجل أهل البصرة جابر بن زيد، فلمّا ظهر الحسن جاء رجل كأنما كان في الآخرة فهو يخبر عما رأى وعاين.

- وقال عون بن ذكوان: صلّى بنا زرارة بن أوفى صلاة الصبح

فقرأ: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ

حتى بلغ منها إلى قوله تعالى: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ

(المدّثّر:) خرّ ميتا.

- روي أن محمد بن سيرين ركبه دين فقال: إني لأعرف الذنب الذي حمل به عليّ الدين ما هو، قلت لرجل منذ أربعين سنة يا مفلس.

فحدّث بهذا الحديث أبو سليمان الداراني فقال: قلّت ذنوبهم فعرفوا من أين يؤتون، وكثرت ذنوبي وذنوبك فليس ندري من أين نؤتى.

- وروي أن ثابتا البناني بكى حتى كادت عينه تذهب، فجاء برجل يعالجها فقال: أعالجها على أن تطيعني. قال: على أيّ شيء؟ قال:

على أن لا تبكي. قال: فما خيرهما إن لم يبكيا؟ وأبى أن يعالج.

- اجتمع مالك بن دينار ومحمد بن واسع، فقال مالك: إني لأغبط رجلا معه دينه [له قوام من عيش راض عن ربه ﷿؛ فقال محمد ابن واسع: إني لأغبط رجلا معه دينه] ليس معه شيء من الدنيا راضيا عن ربه. فانصرف القوم عنهما وهم يرون أن محمدا أقوى الرجلين.

- وقال رجل لمحمد بن واسع: أوصني، قال: أوصيك أن تكون ملكا في الدنيا والآخرة، فقال: كيف لي بذلك؟ قال: ازهد في الدنيا.

- وكان أيوب السختياني يقول: ليتّق الله رجل، وإن زهد فلا يجعلنّ زهده عذابا على الناس، فلأن يخفي الرجل زهده خير من أن يعلنه.

وكان أيوب ممن يخفي زهده؛ قال حماد بن زيد: فدخلنا عليه مرة فإذا على فراشه مجلس أحمر فرفعته- أو رفعه بعض أصحابه- فإذا خصفة محشوّة بليف.

- وكان يقول: والله ما صدق عبد إلّا سرّه ألا يشعر بمكانه.

- وقال له إنسان يوما: أوصني يا أيّوب، فقال: أقلّ الكلام.

- قال عون بن عبد الله: كان أخوان في بني إسرائيل، فقال أحدهما لصاحبه ما أخوف عمل عملته عندك؟ قال ما عملت عملا أخوف عندي من أني مررت بين قراحي سنبل فأخذت من أحدهما سنبلة، ثم ندمت فأردت أن ألقيها في القراح الذي أخذتها منه فلم أدر أيّ القراحين هو، فطرحتها في أحدهما، فأخاف أن أكون طرحتها في القراح الذي لم آخذها منه. فما أخوف عمل عملته أنت عندك؟ قال الآخر: إذا قمت إلى الصلاة أخاف أن أكون أحمل على إحدى رجليّ فوق ما أحمل على الأخرى. قال: وأبوهما يسمع كلامهما، فقال: اللهم إن كانا صادقين فاقبضهما إليك قبل أن يفتتنا فماتا. قال يزيد بن هارون: أي هؤلاء أفضل؟ الأب ارى أفضل.

كان زبيد الأيامي إذا كانت ليلة مطيرة أخذ بشعلة من نار فطاف على عجائز الحيّ فقال: أوكف عليكنّ البيت؟ أتردن نارا؟ فإذا أصبح طاف على عجائز الحيّ فيقول: ألكنّ في السوق حاجة؟ أتردن شيئا؟

- وروي أن منصور بن المعتمر صام ستين سنة، قام ليلها وصام نهارها، وكان يبكي فتقول له أمه: يا بنيّ قتلت قتيلا؟ فيقول: أنا أعلم بما صنعت بنفسي، فإذا كان الصبح كحل عينيه ودهن رأسه وبرّق شفتيه وخرج إلى الناس.

- قال عبد الله بن محيريز: إني صبحت فضالة بن عبيد صاحب رسول الله ﷺ، فقلت: أوصني رحمك الله؛ قال: احفظ عني ثلاث خصال ينفعك الله بها، إن استطعت أن تعرف ولا تعرف فافعل، وإن استطعت أن تسمع ولا تتكلّم فافعل، وإن استطعت أن تجلس ولا يقام إليك فافعل.

- قال الأعشى وهو ميمون بن قيس:.

إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقىولاقيت بعد الموت من قد تزودا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا»
ندمت على ألا تكون كمثلهوأنك لم ترصد كما كان أرصدا
للشاعر المدائح النبوية، من قصيدة «ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا»

- وقال عمران بن حطان:.

أرى أشقياء الناس لا يسأمونهاعلى أنّهم فيها عراة وجوّع
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة
أراها وإن كانت تحبّ فإنّهاسحابة صيف عن قليل تقشّع
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة

- أهدى رجل نصرانيّ إلى الأوزاعيّ جرة عسل وقال له: يا أبا عمرو، تكتب لي إلى والي بعلبك فقال: إن شئت رددت الجرة وكتبت لك، وإلّا قبلت الجرة ولم أكتب لك. قال: ردّ الجرة، [فردّها] وكتب له فوضع عنه ثلاثين دينارا.

- قال صالح المري وقفت في دار المورياني حين خربت، فعرض لي فيها بضع عشرة آية:

فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا

(القصص:) وكَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ

(الدخان:

) وما أشبه ذلك، قال: فإني أقرأ إذ خرج عليّ أسود من ناحيتها، فقال يا أبا عبد الله، هذه سخطة مخلوق على مخلوق فكيف بسخطة الخالق؟ قال: ثم ذهب فاتبعته فلم أر أحدا.

- وقال صالح قال لي عطاء: يا أبا بشر أشتهي الموت ولا أرى لي فيه راحة، غير أني قد علمت أن الميت قد حيل بينه وبين الأعمال، فاستراح من أن يعمل معصية فيحطب على نفسه، والحيّ في كل يوم هو من نفسه على وجل، وآخر ذلك كلّه الموت.

- وكان عطاء السلميّ إذا فرغ من وضوئه انتفض وارتعد وبكى بكاء شديدا، فقيل له في ذلك، فيقول: إني أريد أن أقدم على أمر عظيم، أريد أن أقوم بين يدي الله ﷿. وكذلك كان يصيب عليّ بن الحسين زين العابدين، فيقال له في ذلك، فيقول: أتدرون إلى من أقوم ومن أريد أن أناجي؟.

- روي أنّ عبد الواحد بن زيد لقي عتبة بن أبان الغلام برحبة القصّابين في يوم شات شديد البرد، فإذا هو يرفضّ عرقا، فقال له عبد الواحد: عتبة قال: نعم، قال: فما شأنك؟ مالك تعرق في مثل هذا

اليوم؟ قال: خير، قال: لتخبرنّي، قال: خير، قال فقال: بالأنس الذي بيني وبينك والإخاء إلا ما أخبرتني، قال: إني والله ذكرت ذنبا أصبته في هذا المكان فهذا الذي رأيته من أجل ذلك.

- وكان رأس مال عتبة فلسا، فيشتري بالفلس الخوص، فإذا عمله باعه بثلاثة فلوس، فلس يتصدّق به، وفلس يتّخذه رأس مال، وفلس يشتري به شيئا يفطر عليه.

- ونازعت عتبة نفسه لحما، فقال لها: اندفعي عنّي إلى قابل، فما زال يدافعها سبع سنين، حتى إذا كان في السابعة أخذ دانقا ونصفا أفلاسا فأتى بها صديقا له من أصحاب عبد الواحد بن زيد خبازا، فقال: يا أخي إن نفسي تنازعني لحما منذ سبع سنين، وقد استحييت منها، كم أعدها وأخلفها، فخذ لي رغيفين وقطعة من لحم بهذا الدانق والنصف، فلما أتى به إذا هو بصبي، قال: يا صبي ألست أنت ابن فلان وقد مات أبوك؟ قال:

بلى، فجعل يبكي ويمسح رأسه، وقال: قرة عيني من الدنيا أن تصير شهوتي في بطن هذا اليتيم، فناوله ما كان معه ثم قرأ وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً

(الانسان:).

- كان يجالس سفيان الثوريّ رجل ضرير، فإذا كان شهر رمضان يخرج إلى السواد فيصلّي بالناس، فيكسى ويعطى، فقال سفيان: إذا كان يوم القيامة أثيب أهل القرآن من قراءتهم، ويقال لمثل هذا: قد تعجّلت ثوابك في الدنيا فقال: يا أبا عبد الله تقول لي هذا وأنا جليس لك؟ قال: إني

أخاف أن يقال لي يوم القيامة: هذا كان جليسك، أفلا نصحته؟.

- وقال سفيان: لو أنّ اليقين استقرّ في القلب كما ينبغي لطار فرحا وحزنا، شوقا إلى الجنة وخوفا من النار.

- وكان سفيان بمكة فمرض ومعه الأوزاعيّ، فدخل عليه عبد الصمد بن علي فحوّل وجهه إلى الحائط، فقال الأوزاعيّ لعبد الصمد: إن أبا عبد الله سهر البارحة فلعلّه أن يكون نائما، فقال سفيان: لست بنائم، لست بنائم؛ فقام عبد الصمد، فقال الأوزاعيّ لسفيان: أنت مستقتل لا يحلّ لأحد أن يصحبك.

- وعنه أنه قال: النظر إلى وجه الظالم خطيئة، ولا تنظروا إلى الأئمة المضلّين إلّا بإنكار من قلوبكم لئلا تحبط أعمالكم.

- وقال، وقد ذكروا أمر السلطان وطلبهم إياه: أترون أني أخاف هوانهم ؟ إنما أخاف كرامتهم.

- قال عبد الرحمن بن مهديّ: ما عاشرت في الناس رجلا هو

أرقّ من سفيان الثوري، قال ابن مهدي: وكنت أرمقه الليلة بعد الليلة، فما كان ينام إلا في أول الليل ثم ينتفض فزعا مرعوبا ينادي: النار النار، شغلني ذكر النار عن النوم واللذات، كأنه يخاطب رجلا في البيت، ثم يدعو بماء إلى جانبه فيتوضأ ثم يقول على أثر وضوئه: اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلّم بما أطلب، وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار، إلهي إن الجزع قد أرّقني والخوف فلم يؤمنّي، وكلّ هذا من نعمك السابغة عليّ، وكذلك فعلت بأوليائك وأهل طاعتك، إلهي قد علمت أن لو كان لي عذر في التخلّي ما أقمت مع الناس طرفة عين، ثم يقبل على صلاته. وكان البكاء يمنعه من القراءة حتى إني كنت لا أستطيع سماع قراءته من كثرة بكائه، وما كنت أقدر أن أنظر إليه استحياء وهيبة منه.

- ورؤي سفيان يأكل الطباهج، وقال: إني لم أنهكم عن الأكل، ولكن انظر من أين تأكل، وادخل وانظر على من تدخل، وتكلّم وانظر كيف تكلم، كيف أنهاكم عن الأكل، والله ﷿ يقول خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا

(الأعراف:).

- وعن سفيان أنه رأى رجلا قريبا من المنبر فقال له: شغلتني يا فلان بقربك من المنبر، أما خفت أن يقولوا قولا فيجب عليك رده؟ فقال له

الرجل: أليس يقال ادن واستمع؟ قال: ذاك لأبي بكر وعمر والخلفاء، فأمّا هؤلاء فتباعد منهم حتى لا تسمع كلامهم ولا ترى وجوههم.

- روي أنّ عليا والحسن ابني صالح بن حي وأمهما كانوا قد جزّءوا الليل كله ثلاثة أجزاء، فكان علي يقوم الثلث ثم ينام، ويقوم الحسن الثلث ثم ينام، وتقوم أمهما الثلث، فماتت أمهما، فجزءا الليل بينهما فكانا يقومان به حتى الصباح، ثم مات عليّ فقام به الحسن كله.

- وكان الحسن بن صالح لا يقبل من أحد شيئا، فيجيء إليه صبيه وهو في المسجد، فيقول: أنا جائع، فيعلله بشيء حتى تذهب الخادم إلى السوق، فتبيع ما غزلت هي ومولاتها من الليل، ثم تشتري قطنا وتشتري شيئا من الشعير، فتجيء به فتطحنه ثم تعجنه فتخبز ما يأكل الصبيان والخادم، ويرفع له ولأهله لافطارهما، فلم يزل على ذلك حتى مات ﵀.

- وقال الحسن بن صالح: لما احتضر أخي علي بن صالح رفع بصره ثم قال: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً

(النساء:) ثم خرجت نفسه، قال:

فنظرنا إلى جنبه فإذا ثقب في جنبه وقد وصل إلى جوفه وما علم به أحد من أهله.

- وروي أن داود بن نصير الطائيّ ﵀ لقيه رجل فسأله عن حديث، فقال: دعني فإني أبادر خروج نفسي، فكان سفيان إذا ذكر داود قال: أبصر الطائي أمره.

- وقال له رجل: يا أبا سليمان ما ترى في الرّمي فإني أحبّ أن أتعلّمه؟ قال: إنّ الرمي لحسن، ولكن هي أيامك فانظر بم تقطعها.

- قال عبد الله بن إدريس: قلت لداود الطائي: أوصني؟

قال: أقلل من معرفة الناس، قلت: زدني، قال: ارض باليسير من الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بالدنيا مع فساد الدين، قلت:

زدني، قال: اجعل الدنيا كيوم صمته ثم أفطر على الموت.

- وقال أحمد بن ضرار العجلي: أتيت داود الطائيّ وهو في دار واسعة خربة ليس فيها إلا بيت، وليس على البيت باب، فقال له بعض

القوم: يا أبا سليمان أنت في دار وحشة فلو اتخذت لبيتك هذا بابا، أما تستوحش؟ فقال: حالت وحشة القبر بيني وبين وحشة الدنيا.

- وقال عطاء بن مسلم الحلبي: عاش داود عشرين سنة بثلاثمائة درهم ينفقها على نفسه، فأتاه ابن أخيه فقال: يا عمّ تكره التجارة؟ قال:

لا، قال: فأعطني شيئا أتّجر به، قال: فأعطاه ستين درهما، قال: فمكث شهرا ثم جاءه بعشرين ومائة درهم فقال: هذه ربحها، فقال: أنت كلّ شهر تربح للدرهم درهما؟ ينبغي أن يكون عندك بيت مال، أردت أن تخدعني؟ قال: فرمى بها عليه وقال: ردّ عليّ رأس مالي.

- وقالت مولاة لداود الطائيّ: لو طبخت لك دسما قال:

فافعلي، فطبخت له شحما ثم جاءته به، فقال لها: ما فعل أيتام بني فلان؟

قالت: على حالهم، قال: اذهبي به إليهم، قالت له: فديتك انما تأكل هذا الخبز بالماء من المطهرة، قال: إني إذا أكلته كان في الحشّ، وإذا أكله هؤلاء الأيتام كان عند الله مذخورا.

- ودخل رجل على داود الطائي فقال: يا أبا سليمان بعت كلّ شيء حتى التراب، وبقيت تحت نصف سقف، فلو سوّيت هذا السقف فكان يكنّك من الحرّ والبرد والمطر، فقال داود: اللهم غفرا، كانوا يكرهون

فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام، يا عبد الله، اخرج عنّي، فقد شغلت قلبي، إني أبادر جفوف القلم وطيّ الصحيفة. قال: يا أبا سليمان، أنا عطشان، قال: اخرج واشرب، فجعل يدور في الدار لا يجد ماء، فرجع إليه فقال: يا أبا سليمان ليس في الدار حبّ ولا جرّة، فقال: اللهم غفرا، بل هناك ماء، فخرج يلتمس فإذا دنّ من هذه الأصص الذي ينقل فيه الطين وخزفة أسفل كوز، فأخذ تلك الخزفة فغرف بها فإذا ماء حارّ كأنه قد علي لم يقدر أن يسيغه، فرجع إليه وقال: يا أبا سليمان: مثل هذا الحر؟! الناس يكادون ينسلخون من شدّة الحرّ، ودنّ مدفون في الأرض وكوز مكسور فلو كانت جريرة وقلّة؟ فقال داود: حبّ حيريّ وجرة مذاريّة وقلال منقّشة، وجارية حسناء وأثاث وناضّ- يعني بالناض الدنانير والدراهم- وفضول، لو أردت هذا الذي يشغل القلب لم أسجن نفسي ها هنا، إنما طلّقت نفسي من هذه الشهوات، وسجنت نفسي حتى يخرجني مولاي من سجن الدنيا إلى روح الآخرة. فقال: يا أبا سليمان ففي هذا الحرّ أين تنام وليس لك سطح؟ قال إني أستحي من مولاي أن يراني أخطو خطوة ألتمس راحة نفسي في الدنيا حتى يكون مولاي هو الذي يخرجني من الدنيا.

- وقال داود: اليأس سبيل أعمالنا هذه، ولكنّ القلوب تحنّ إلى الرجاء.

- وقال إبراهيم بن بشار الصوفي الخراساني خادم إبراهيم بن

أدهم: قلت لابن أدهم: يا أبا إسحاق، كيف كان أوائل أمرك حتى صرت إلى ما صرت إليه؟ فقال: غير ذا أولى بك؛ فقلت له: هو كما تقول رحمك الله، ولكن أخبرني لعلّ الله ينفعنا به يوما، فقال: اشتغل بالله، فسألته الثالثة فقلت: يا أبا إسحاق، إن رأيت، فقال: كان أبي من أهل بلخ، وكان من ملوك خراسان والمياسير، وحبّب إليّ الصيد، فخرجت راكبا فرسي وكلبي معي، فبينما أنا كذلك ثار أرنب أو ثعلب، فحركت فرسي فسمعت نداء من ورائي: ليس لذا خلقت ولا بذا أمرت؟ فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أر أحدا، فقلت: لعن الله إبليس، ثم حركت نفسي فسمعت نداء أجهر من ذلك، يا إبراهيم ليس لهذا خلقت ولا بذا أمرت، فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أر أحدا، فقلت: لعن الله إبليس، ثم حركت فرسي فأسمع نداء من قربوس سرجي: يا إبراهيم ما لذا خلقت ولا بذا أمرت، فوقفت انظر يمنة ويسرة فقلت: أنبهت أنبهت، جاءني نذير من ربي، والله لا عصيت الله بعد يومي هذا أبدا ما عصمني ربّي، فرجعت إلى أهلي، فخلّيت عن فرسي ثم جئت إلى راع لأبي فأخذت جبة منه وكساء وألقيت ثيابي إليه، ثم أقبلت إلى العراق، أرض تضعني وأرض ترفعني، حتى وصلت إلى العراق، فعملت بها أياما، فلم يصف لي منها شيء من الحلال، فسألت بعض المشايخ عن الحلال فقالوا لي: عليك ببلاد الشام، فصرت إلى مدينة يقال لها المنصورة، وهي

المصّيصة، فعملت بها أياما فلم يصف لي شيء من الحلال، فسألت بعض المشايخ فقال لي: إن أردت الحلال الصافي فعليك بطرسوس فإن فيها المباحات والعمل الكثير، فتوجهت إلى طرسوس فعملت بها، أنظر البساتين وأحصد الحصاد، فبينما أنا قاعد على باب البحر جاءني رجل فاكتراني أنطر له بستانا، فكنت في البستان أياما كثيرة، فإذا أنا بخادم قد أقبل ومعه أصحابه فقعد في مجلسه ثم صاح: يا ناطور، فقلت: هو ذا أنا، قال: فاذهب فأتنا بأكبر رمّان تقدر عليه وأطيبه، فذهبت فأتيته بأكبر رمان فأخذ الخادم رمانة فكسرها فوجدها حامضة، فقال لي: يا ناطور أنت في بستاننا منذ كذا وكذا تأكل فاكهتنا وتأكل رمّاننا ولا تعرف الحلو من الحامض؟ قال إبراهيم فقلت: والله ما أكلت من فاكهتك شيئا، وما أعرف الحلو من الحامض، فأشار الخادم إلى أصحابه وقال: أما تسمعون كلام هذا؟ ثم قال: أتراك لو أنك إبراهيم بن أدهم ما زاد على هذا، وانصرف فلما كان من الغد ذكر صفتي في المسجد فعرفني بعض الناس، فجاء الخادم ومعه خلق فلما رأيته قد أقبل مع أصحابه اختفيت خلف الشجر، والناس داخلون، فاختلطت معهم وهم داخلون وأنا هارب. كان هذا أوائل أمري وخروجي من طرسوس إلي بلاد الرمال.

- وكان إبراهيم يعمل بفلسطين بكراء إذ مرّ به الجيش إلى مصر وهو يستقي الماء قطع الدلو وألقاه في البئر لئلا يسقيهم، فكانوا يضربون رأسه يسألونه عن الطريق وهو يتخارس عليهم لئلا يدلّهم.

قال علي بن بكار: كنا جلوسا عند الجامع بالمصيصة وفينا إبراهيم ابن أدهم، فقدم رجل من خراسان وقال: أيكم إبراهيم بن أدهم؟

قال القوم: هذا، أو قال: أنا هو، قال: إنّ إخوتك بعثوني إليك، فلما سمع ذكر إخوته قام فأخذ بيده فنحّاه وقال: ما جاء بك؟ قال: أنا مملوكك، معي فرس وبغلة وعشرة آلاف درهم بعث بها إليك إخوتك، قال:

إن كنت صادقا فأنت حرّ وما معك فلك، اذهب فلا تخبر أحدا.

- وقال إبراهيم: المسألة مسألتان: مسألة على أبواب الناس ومسألة يقول الرجل ألزم المسجد وأصلّي وأصوم وأعبد الله، فمن جاء بشيء قبلته، فهذه شرّ المسألتين وهذا قد ألحف في المسألة.

- قال شقيق بن إبراهيم: مرّ إبراهيم بن أدهم في أسواق البصرة فاجتمع الناس إليه فقالوا: يا أبا إسحاق إن الله يقول في كتابه: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ

(غافر:) ونحن ندعوه منذ دهر فلا يستجيب لنا، فقال إبراهيم: يا أهل البصرة، ماتت قلوبكم في عشرة أشياء، أولها: عرفتم الله ولم تؤدّوا حقه: والثاني: قرأتم كتاب الله ولم تعملوا به، والثالث: ادعيتم حب رسول الله ﵇ وتركتم سنته، والرابع ادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه، والخامس: قلتم نحبّ الجنة ولم تعملوا لها، والسادس: قلتم نخاف النار ورهنتم أنفسكم بها، والسابع: قلتم إن الموت حقّ ولم تستعدّوا له، والثامن: اشتغلتم بعيوب إخوانكم ونبذتم عيوبكم، والتاسع: أكلتم نعمة

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.