من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الفصل الرابع الآداب والسياسة التي تصلح للجمهور
- قال رسول الله ﷺ، فنبّه على مواضع آداب النفس وبيّن ما هو جملة للتفصيل الذي أكثر فيه الناس: لا مال أعود من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب، ولا عقل كالتدبير، ولا حزم كالتقوى، ولا قرين كحسن الخلق، ولا ميزان كالأدب، ولا فائدة كالتوفيق، ولا تجارة كالعمل الصالح، ولا ربح كثواب الله، ولا ورع كالوقوف عند الشّبهة، ولا زهد كالتّزهّد في الحرام، ولا علم كالتفكر، ولا عبادة كأداء الفرائض، ولا إيمان كالحياء والصبر، ولا حسب كالتواضع، ولا شرف كالعلم، ولا مظاهرة كالمشاورة، فاحفظ الرأس وما حوى، والبطنّ وما وعى، واذكر الموت وطول البلى.
[ ب]- وقال ﷺ: اغد عالما أو متعلما أو مجيبا أو سائلا، ولا تكن الخامس فتهلك.
- وقال ﵇: من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوّته.
- ومن كلامه ﷺ: العارية مؤدّاة والمنحة مردودة. الدين مقضيّ به. الزعيم غارم.
وهذا الكلام مخرجه مخرج الخبر والمراد به الأمر.
- ومن كلامه ﷺ:
من يزرع الشرّ يحصد ندامة.
من مشى منكم إلى طمع فليمش رويدا.
ثق بالناس رويدا.
دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
إياكم والظنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث.
مداراة الناس صدقة.
الاقتصاد نصف العيش وحسن الخلق نصف الدين.
لا تظهر الشماتة بأخيك فيرحمه الله ويبتليك.
لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا.
عليكم بالرفق فإنه ما خالط شيئا إلا زانه، ولا فارقه إلّا شانه.
ترك الشرّ صدقة.
إياك وما يعتذر منه.
وما أكثر ما تحت هذه الكلمة الوجيزة من المعاني.
- ومن كلامه ﷺ: لو أنّ ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت. إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون صاحبهما فإنّ ذلك يحزنه.
- قال أنس: توفي رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فقيل له: أبشر بالجنّة، فقال النبيّ ﷺ: أفلا تدرون فلعلّه تكلّم بما لا يعنيه أو بخل بما لا ينفعه.
- كشف الخفا ورواه الترمذي والطبراني عن واثلة مرفوعا والشهاب: (اللباب:
) - اللباب: وربيع الابرار - كشف الخفا:
ورواه البخاري في الأدب عن عائشة وكذلك مسلم. كشف الخفا.
كشف الخفا والشهاب: (اللباب:) والايجاز والاعجاز: وورد في بهجة المجالس للأحنف ونسب في نثر الدر (رقم:) لا نوشروان وانظر غرر الخصائص: والفاضل: والعقد ومرّ من قبل في رقم:.
- ومن كلامه ﷺ: من كنوز البرّ كتمان المرض والمصايب والصدقة.
- وقد روي عن سفيان ألفاظ تقارب هذه، قال: ثلاثة من الصبر: لا تحدّث بمصيبتك، ولا يوجعك، ولا تزكّ نفسك.
- وقال عليّ بن أبي طالب ﵇: بكثرة الصمت تكون الهيبة، وبالنّصفة يكثر المواصلون لك، وبالافضال تعظم الأقدار، وبالتواضع تتمّ النعمة، وباحتمال المؤن يكون السؤدد، وبالسيرة العادلة تقهر المساوىء، وبالحلم عن السفيه يكثر الأنصار عليه.
- وقال أيضا: من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن خاف أمن، ومن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن تفهّم علم.
- ومن كلامه ﵇: اتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهنّ على حذر، ولا تطيعوهنّ في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر. من ترك القصد جار.
وله ﵇ أيضا آداب كثيرة مأثورة من هذا الباب سنذكرها متفرقة فيه إن شاء الله تعالى.
- قال محمد بن إدريس الشافعي ﵁: الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط عن اللئيم مجلبة لقرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط.
- قيل: عشر خصال في عشرة أصناف من الناس أقبح منها في غيرهم: الضيق في الملوك، والغدر في الأشراف، والكذب في القضاة، والخديعة في العلماء، والغضب في الأبرار، والحرص في الأغنياء، والسّفه في الشيوخ، والمرض في الأطبّاء، والتهزي في الفقراء، والفخر في القرّاء.
- قال أكثم بن صيفي فيما وصّى به أهله: تناءوا في الديار، وتواصلوا في المزار.
- قال رسول الله ﷺ: ما استودع الله عبدا عقلا إلا استنقذه به يوما ما.
- وقال علي ﵇ لابنه الحسن: يا بنيّ، احفظ عنّي
أربعا، وأربعا لا يضرّك ما عملت معهنّ: إنّ أغنى الغنى العقل، وأفقر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكرم الحسب حسن الخلق.
يا بنيّ إياك ومصاحبة الأحمق فإنّه يريد أن ينفعك فيضرك، ومصادقة البخيل فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه، وإياك ومصادقة الفاجر فإنّه يبيعك بالتافه، وإياك ومصادقة الكذّاب فإنه كالسّراب يقرّب عليك البعيد ويبعد عنك القريب.
- وكان الحسن بن أبي الحسن يقول: لسان العاقل من وراء قلبه فإذا عرض له القول نظر فإن كان صوابا قال، وإلّا أمسك، ولسان الأحمق أمام قلبه فإذا عرض له القول قال له أو عليه.
وقد روي هذا الكلام أو قريب منه عن عليّ بن أبي طالب ﵇.
- وسئل الحسن عن العاقل فقال: العاقل من اتّقى الله تعالى وتمسك بطاعته. قال له رجل: فمعاوية؟ قال: تلك الشيطنة، تلك الفرعنة، ثم قال: ذلك شبيه بالعقل.
- وسمع سفيان الثوري رجلا في مجلسه يقول: كان معاوية عاقلا، فقال: العقل لزوم الحقّ وقول الصدق.
- وقيل لعلي ﵇: صف لنا العاقل؛ فقال: يضع
الشيء مواضعه. فقيل فصف لنا الجاهل، فقال: قد فعلت (يعني أنه لا يضع الشيء مواضعه).
- ومن كلامه: كفاك من عقلك ما أوضح لك سبيل غيك من رشدك.
- وقال عليّ كرم الله وجهه: الحلم غطاء ساتر، والعقل حسام قاطع، فاستر خلل خلقك بحلمك، وقاتل هواك بعقلك.
- وقيل: ظنّ العاقل كهانة.
- وقال جعفر بن محمد: كلّ الأشياء تحتاج إلى العقل إلا شيئا واحدا. قيل: ما هو؟ قال: الدول.
- وأنشد الخليل:.
إذا كمّل الرحمن للمرء عقلهفقد كملت أخلاقه وضرائبه
يزين الفتى في الناس صحة عقلهوإن كان محظورا عليه مكاسبه
ويزري به في الناس قلة عقلهوإن كرمت أعراقه ومناسبه
يعيش الفتى بالعقل في الناس إنهعلى العقل يجري علمه وتجاربه
- من كلام الرسول ﷺ: البلاء موكّل بالمنطق. من خزن
لسانه رفع الله شانه.
- وقال عليّ ﵇: الكلام في وثاقك ما لم تتكلّم به، فإذا تكلمت به صرت في وثاقه، فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك، فربّ كلمة سلبت نعمة [وجلبت نقمة].
- وقد قال أيضا: لا خير في الصمت عن الحكم، كما أنه لا خير في القول بالجهل.
- وقال محمد بن المنكدر: لأن أسمع أحبّ إليّ من أن أتكلم، لأنّ المستمع يتنقّى والمتكلم يتوقّى.
- وقيل لرجل من كلب طويل الصمت: بحقّ ما سميتم خرس العرب؟ فقال: أسكت لأسلم وأستمع فأغنم.
- وقال الحسن بن علي: قد أكثر من الهيبة الصامت.
- وقال أبو بكر بن عياش: اجتمع أربعة ملوك: ملك فارس
وملك الروم وملك الهند وملك الصين، فتكلّموا بأربع كلمات كأنما رمي بها عن قوس واحدة، فقال أحدهم: أنا على قول ما لم أقل أقدر منّي على ردّ ما قلت. وقال آخر: الكلمة إذا قلتها ملكتني وإذا لم أقلها ملكتها. وقال الآخر: لم أندم على ما لم أقل وقد أندم على ما قلت. وقال الآخر: عجبت لمن يتكلم بالكلمة إن رفعت عليه ضرّته، وإن لم ترفع عليه لم تنفعه.
ومنه قول الشاعر:.
والقول لا تملكه إذا نمىكالسهم لا يملكه رام رمى
وقال الآخر:.
فداويته بالحلم والمرء قادرعلى نفسه ما دام في كفّه السّهم
وإلى هذا ذهب عامر الشعبي حيث يقول: وإنك على إيقاع ما لم توقع أقدر منك على ردّ ما أوقعت.
وقال الخطفى جدّ جرير:.
عجبت لازراء العييّ بنفسهوصمت الذي قد كان بالقول أعلما
وفي الصّمت ستر للعيي وإنماصحيفة لبّ المرء أن يتكلما
وقال أبو نواس:.
مت بداء الصمت خيرلك من داء الكلام
ربما استفتحت بالنّطق مغاليق الحمام
- وقال ابن عباس ﵀: الهوى إله معبود، وقرأ:
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
(الجاثية:). ويكفي من ذمّ الهوى قوله ﷿: وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى
(النازعات:
).
- ومن كلام جعفر بن محمد ﵉: الهوى يقظان والحزم نائم.
- وقال عمرو بن العاص لمعاوية: من أصبر الناس؟ قال: من كان رأيه رادّا لهواه.
- وقال أعرابي: الهوى الهوان ولكن غلط باسمه.
- وقال آخر: العقل وزير ناصح والهوى خادم كذوب.
- وقال الشاعر:.
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوىإلى بعض ما فيه عليك مقال
ب- وقال آخر: اعص الهوى وأطع من شئت.
- وقال الأخطل:.
وإن امرءا لا ينثني عن غوايةإذا ما اشتهتها نفسه لجهول
- وقال أردشير: أسعدوا الرأي على الهوى.
- وقال حاتم:.
وانك إن اعطيت بطنك سؤلهوفرجك، نالا منتهى الذمّ أجمعا
- وقال عمرو بن العاص:.
إذا المرء لم يترك طعاما يحبّهولم يعص قلبا غاويا حيث يمما
قضى وطرا منه يسيرا وأصبحتإذا ذكرت أمثاله تملأ الفما
- وقال ابن المقفع: إذا ابتدأك أمران لا تدري أيهما أصوب فانظر أقربهما إلى هواك فخالفه، فإن أكثر الصواب في مخالفة الهوى.
- وقال المعتصم: إذا نصر الهوى بطل الرأي.
- وقال الحسين بن علي ﵉: اصبر على ما تكره فيما يلزمك الحقّ، واصبر عما تحبّ مما يدعوك إليه الهوى.
- وقال جعفر بن محمد: من كان الهوى مالكه والعجز راحته، عاقاه عن السلامة وأسلماه إلى الهلكة.
وما قيل في ذم الهوى والتحذير منه يوفي على الإحصاء، وإنما نذكر من الشيء ما يتفق.
- قال مضرّس بن ربعيّ:.
فلا تهلكنّ النفس لوما وحسرةعلى الشيء سدّاه لغيرك قادره
ولا تيأسن من صالح أن تنالهوإن كان نوشا بين أيد تبادره
وما فات فاتركه إذا عزّ واصطبرعلى الدهر إن دارت عليك دوائره
فانك لا تعطي امرءا حظّ غيرهولا تعرف الشقّ الذي الغيث ماطره
- قال عمر بن الخطاب ﵁: الرجال ثلاثة، والنساء ثلاثة: فامرأة عفيفة مسلمة هيّنة ليّنة ودود ولود تعين أهلها على الدهر ولا تعين على أهلها وقلّ ما تجدها، وأخرى وعاء للولد لا تزيد على ذلك شيئا، وأخرى غلّ قمل يجعلها الله في عنق من يشاء. والرجال [ثلاثة] رجل عاقل إذا أقبلت الأمور واشتبهت تأمّل فيها أمره ونزل عند رأيه، وآخر ينزل به الأمر فلا يعرفه فيأتي ذوي الرأي فينزل عند رأيهم، وآخر حائر بائر لا يأتمر رشدا ولا يطيع مرشدا.
- يقال: لا تغتبطنّ بسلطان مع غير عدل، ولا بغنى من غير حلّ، ولا ببلاغة من غير صدق منطق، ولا بجود في غير إصابة موضع، ولا بأدب في غير أصالة رأي، ولا بحسن عمل في غير حسنة.
- وقيل: الكامل من لم يبطره الغنى، ولم يستكن للفاقة، ولم تهدّه المصائب، ولم يأمن الدوائر، ولم ينس العاقبة، ولم يغترّ بالشبيبة. واعلم أن عيبة العيوب وخزانة المخازي الشباب والبطش والجمال والغنى والشبق والفخر وشرب الخمر وكظة الطعام وكثرة النوم وانتشار الهم واشتعال الجهل وعادة السوء، فقابل كلّا من ذلك بما يقمعه ويقدعه.
- قالوا: العدل لا بدّ منه في كلّ الأشياء حتى إن الجور يحتاج
إلى العدل، وضربوا لذلك مثلا في قطّاع الطريق والمجتمعين على ظلم، قالوا:
لو لم يتناصفوا فيما بينهم ولم يستعملوا الواجب فيما يقسمونه لانفسد أمرهم وانحلّ نظامهم.
- قال ميمون بن مهران: ثلاث الكافر فيهن والمؤمن سواء، الأمانة تؤديها لمن ائتمنك عليها من مسلم وكافر، وبرّ الوالدين، قال الله تعالى: وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً
(لقمان:)، والعهد تفي به لمن عاهدت من مسلم وكافر.
- قال معاوية لابنه: اتخذ المعروف عند ذوي الإحسان تستمل به قلوبهم، وتعظم به في أعينهم، وتكفّ به عنك عاديتهم.
- قال الأقيشر:.
إذا المرء وفّى الأربعين ولم يكنله دون ما يأتي حياء ولا ستر
فدعه ولا تنفس عليه الذي أتىوإن مدّ أسباب الحياة له العمر
- وقال حارثة بن بدر الغداني:.
إذا الهمّ أمسى وهو داء فأمضهولست بممضيه وأنت معادله
ولا تنزلن أمر الشديدة بامرىءإذا رام أمرا عوقته عواذله
إذا ما قتلت الشيء علما فقل بهوإياك والأمر الذي أنت جاهله
وقل للفؤاد إن نزا بك نزوةمن الروع أفرخ أكثر الروع باطله
- وقال آخر:.
وأبثثت عمرا بعض ما في جوانحيوجرّعته من مرّ ما أتجرّع
ولا بدّ من شكوى إلى ذي حفيظةإذا جعلت أسرار نفسي تطلّع
- وقال آخر وأظنها لبعض اليهود:.
وإني لأستبقي إذا العسر مسّنيبشاشة وجهي حين تبلى المنافع
فأعفي ثرى قومي ولو شئت نوّلواإذا ما تشكّى الملحف المتضارع
مخافة أن أقلى إذا جئت زائراويرجعني نحو الرجال المطامع
وأسمع منّا أو أشرّف منعماوكلّ مصادي نعمة متواضع
- وجدت للأحنف بن قيس حديثا إن كان صحيحا أو مصنوعا ففيه أدب وسياسة لجمهور الناس في مقاصدهم وأفعالهم ومتصرفاتهم، قيل:
دخل الأحنف على معاوية، فذكر أهل العراق وحسن آرائهم، وميسون بنت بحدل الكلبية أمّ يزيد تسمع كلامه، فلما انصرف قالت: يا أمير المؤمنين أحببت أن تأذن لقوم من أهل العراق عليك، وتجعلني بحيث أسمع كلامهم.
فقال لآذنه: انظر من بالباب، فقال له: بنو تميم. فقال: أدخلهم وفيهم الأحنف. فقال له معاوية: اقرب أبا بحر، وضربت لميسون قبة بحيث تسمع كلامهم. فقال له: يا أبا بحر كيف زيّك لنفسك؟ قال: أفرق الشعر؛ وأقصّ الشارب، وأقلّم الأظفار، وأنتف الإبط، وأحلق العانة، وأديم السواك، فإنه مطهرة للفم ومرضاة للربّ وزيادة في حسنات الصلاة، وأغتسل في كلّ جمعة فإنه كفّارة ما بين الجمعتين. قال: فكيف زيّك في لبسك؟
قال: أعرّض النعلين، وأقصّر الكمّين، وأوسّع الرداء، وأشمّر الإزار، وألزم الوقار. قال: كيف زيك في مشيتك؟ قال: أوطىء قدميّ على الأرض في ترسّل، وأنقلهما على تمهّل، وأرعاهما بعينيّ وأقلّ التلفت حولي. قال: فكيف زيك إذا دخلت على من فوقك من غير الأمراء؟ قال: أطلق الحبى، وأدع التكا، وأقلّ الكلام، وأردّ السلام. قال: فكيف زيّك إذا دخلت على نظرائك؟ قال: أنازعهم الكلام في سمت، وأفاوضهم الحديث في تثبت، وأجيبهم إذا سالوا، وأنصت لهم إذا قالوا، ولا أجول فيما جالوا. قال:
فكيف زيك إذا دخلت على أمرائك؟ قال: أسلّم من غير إشارة، وأنتظر الإجابة، فإن قرّبني تقربت وإن أومأ إليّ تباعدت. قال: فكيف زيّك مع أهلك؟ قال: اعفني يا أمير المؤمنين. قال: عزمت عليك لتفعلنّ، قال:
أحسّن الخلق، وأظهر البشر، وأوسّع النفقة فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج. قال: فكيف زيك إذا أردت مباضعتها؟ قال: من هذا استعفيتك، قال: نشدتك لما قلت، قال: أكلمها حتى تنشط، وألثمها حتى تطرب، فإذا كان الذي تعلم طرحت على ظهري وقاية تقيني، فإذا استقرّت النطفة في قرارها قلت: اللهم اجعلها ميمونة مباركة ولا تجعلها شقيّة مشاركة، وصوّرها
أحسن صورة، ثم أقوم إلى الوضوء فأفيض الماء على يدي وترا، ثم أصبّه على جسدي مسبغا، ثم أحمد الله على ما أعطاني من النعمة السابغة والحلال الطيب. قال له معاوية: لقد أحسنت الجواب فسلني حاجتك؟ قال:
حاجتي يا أمير المؤمنين أن تتفي الله في الرعية، وتعدل بينهم بالسوية، ثم نهض. فلما ولّى قالت ميسون: لو لم يكن بالعراق إلا هذا لكفاهم.
- قال أفلاطن: ينبغي للذين يأخذون على أيدي الأحداث أن يدعوا لهم موضعا للعذر لئلا يضطروا إلى القحة بكثرة التوبيخ.
- وقال بعض الاسلاميين: ليس من العدل سرعة العذل.
- وقال علي كرم الله وجهه: كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب.
- ومن كلامه ﵇: الاحتمال قبر العيوب. من رضي عن نفسه كثر الساخط عليه. قرنت الهيبة بالخيبة والحياء بالحرمان والفرصة تمر مرّ
السحاب، فانتهزوا فرص الخير. من أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون. عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شرّه بالإنعام عليه.
- وقد قال جعفر بن محمد: لا تتبع أخاك بعد القطيعة وقيعة فيه فتسدّ عليه طريق الرجوع إليك، ولعل التجارب أن تردّه إليك.
- قال الشاعر، هو محمد بن عبد الله الأزدي:.
لا أدفع ابن العمّ يمشي على شفاوإن بلغتني من أذاه الجنادع
ولكن أواسيه وأنسى ذنوبهلترجعه يوما إليّ الرواجع
وأفرشه مالي وأحفظ غيبهوأرعاه عينا بالذي هو سامع
وحسبك من جهل وسوء صنيعةمعاداة ذي القربى وإن قيل قاطع
فألبس ثراك الأهل تسلم صدورهمفلا بدّ يوما أن تروع الروائع
- قال أبو هلال الأسدي وتروى لأبي النشناش التميمي:.
ودع عنك مولى السوء والدهر إنهستكفيكه أيامه ونوائبه
ويلقى عدوا من سواك يردّهإليك فتلقاه وقد لان جانبه
- ولما بلغ سيف الدولة علي بن حمدان قول أبي الطيّب المتنبي وهو بمصر:.
وإن بليت بودّ مثل ودكمفإنني بفراق مثله قمن
[قال: سار وحقّ أبي].
- ومن كلام علي كرم الله وجهه: إذا هبت أمرا فقع فيه، فإن شدة التوقّع أعظم مما يخاف منه. أغض على القذى والألم ترض أبدا. من أطاع التواني ضيّع الحقوق، ومن أطاع الواشي ضيّع الصديق. من ظنّ بك خيرا فصدّق ظنّه. من بالغ في الخصومة أثم، ومن قصّر فيها ظلم، ولا يستطيع أن يتقي الله من خاصم. لا تظنّن بكلمة خرجت من أحد سوءا وأنت تجد لها في الخير محتملا. الغيبة جهد العاجز.
- سأل رجل رسول الله ﷺ أن يوصيه ويوجز فقال: لا تغضب.
- وقد قيل: إياك وجرأة الغضب فإنها تصيّرك إلى ذلّ الاعتذار.
- وقال ابن المقفع: إذا حاججت فلا تغضب، فإن الغضب يدفع عنك الحجة ويظهر عليك الخصم.
- وقال أيضا فيما ترجمه من حكم الفرس: إن ذكرك ذاكر عند السلطان بسوء في وجهك أو غيبك، فلا يرينّ الوالي ولا غيره منك اختلاطا لذلك ولا غيظا، ولا تكترث له فيدخل عليك من ذلك شبيه بالريبة مؤكدة لما قال فيك العائب، وان اضطررت إلى الجواب فإياك وجواب الانتقام والغضب، وعليك بجواب الوقار والحلم والحجّة، ولا تشكنّ في أن القوة والغلبة للحليم.
- قال الشاعر:.
ولم أر عقلا تمّ إلا بشيمةولم أر علما تم إلا على أدب
ولم أر في الأشياء حين بلوتهاعدوا للبّ المرء أقوى من الغضب
- قيل: من كتم السلطان نصيحته، والأطباء مرضه، والإخوان بثّه، فقد خان نفسه.
- وقال صاحب كليلة ودمنة: خير الأعوان والإخوان أشدّهم مبالغة في النصيحة وخير الأعمال أجلّها عاقبة، وخير الثناء ما كان على أفواه الأخيار، وخير الأصدقاء من لا ينافق، وخير الأخلاق أعونها على الورع،
وأفضل السلطان ما لم يخالطه بطر، وأغنى الأغنياء من لم يكن للحرص أسيرا، وأعجز الملوك آخذهم بالهوينا وأقلّهم نظرا في العواقب.
- وقال: من بلغ جسيما فلم يبطر؟ ومن اتّبع الهوى فلم يعطب؟
ومن جاور النساء فلم يفتن؟ ومن صحب السلطان فلم يعنت؟ ومن طلب إلى اللئام فلم يهن؟ ومن واصل الأشرار فسلم؟.
- وقال: أحسن القياس عند تشابه الأمور، واعتبر ما أنت فيه بما بقي وما يكون بما قد كان، فكفى بذلك علما، واقنع فحسب المرء أن يكون بما أوتي قانعا، وأبصر حيث تضع رجلك لا تطأ بها دحضا فتزلق.
وأحسن الروغان عند جولة الطالب، وافرق بين العدوّ والصديق وأنزلهما منازلهما، أما الصديق فتصله وتقضي حقّه، وأما العدوّ فتحذره وتنأى عنه، واحذر محلّ السوء وإن موّه لك ببعض الكذب فقد ينثر الحبّ في الشباك، لا من كرامة الطير، والكلمة اللينة من العدوّ في حال ضرورة فاحذرها، وقس بما في نفسه لك بما في نفسك فكفى بذلك دليلا.
- وقيل: ليس صلح العدو بموثوق به على حال، فإن الماء وإن أطيل إسخانه فليس يمنعه ذلك من إطفاء النار.
- ومثل الكلام الأول قول محمد بن علي بن موسى بن جعفر للمتوكل في كلام دار بينهما: لا تطلب الصفاء ممن كدّرت عليه، ولا النصح ممن صرفت سوء ظنّك إليه، وإنما قلب غيرك لك كقلبك له. وهذا الكلام مأخوذ من قول النبي ﷺ الذي هو منبع كل حكمة: الذنب لا ينسى والبرّ لا يبلى، وكن كيف شئت فكما تدين تدان.
- قال عبد الله بن الحسن لابنه: يا بني إياك ومعاداة الرجال فإنه لا يعدمك مكر حليم أو مفاجأة لئيم.
- وقيل: من وجد عدوا مغترا معورا فلم يسترح منه، أصابته الندامة حين يقوى عدوه فيعجزه، والعاقل يصالح عدوه إذا اضطر إلى ذلك ويصانعه ويظهر له ودّه ويريه الاستئمان إليه إذا لم يجد من ذلك بدا، ثم يعجل الانصراف عنه حين يجد إلى ذلك سبيلا ويعلم أن صريع الاسترسال لا تقال عثرته.
- وقال علي ﵇: من الخرق المعاجلة قبل الإمكان، والأناة بعد الفرصة.
- قال حكيم: من ظفر بالأمر الجسيم فأضاعه فاته، ومن التمس فرصة فأمكنته فأخّر العمل بها لم تعد إليه.
- وقال علي: كفى أدبا لنفسك اجتناب ما كرهته لغيرك.
- وقال: للمؤمن ثلاث ساعات، فساعة يناجي فيها ربه، وساعة يروم فيها معاشه، وساعة يخلّي بين نفسه وبين لذتها فيما يحلّ ويجمل،
وليس للعاقل أن يكون شاخصا إلا في ثلاث: مرمّة لمعاش، أو خطوة في معاد، أو لذة في غير محرم.
- وقال: خذ من الدنيا ما أتاك وتولّ عما تولى عنك، فإن أنت لم تفعل فأجمل في الطلب. الدهر يومان فيوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر.
- وقال: مقاربة الناس في أخلاقهم أمن من غوائلهم. لا تجعلن درن لسانك على من أنطقك، وبلاغة قولك على من سدّدك.
- وقال: لا ينبغي للعبد أن يثق بخصلتين العافية والغنى، بينا تراه معافى إذ سقم، وبينا تراه غنيا إذ فقر.
- وقال: من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته. من عظّم صغار المصائب ابتلاه الله بكبارها. زهدك في راغب فيك نقصان حظ، ورغبتك في زاهد فيك ذلّ نفس.
- وقال: ما مزح امرؤ مزحة إلا مجّ من عقله مجّة.
- وقال الحسن بن علي: المزاح يأكل الهيبة.
- وقال ابن المقفع في رسالته المعروفة بالدرة اليتيمة: لا تخلطن بالجد هزلا فتسحته، ولا بالهزل جدا فتكدّره، وقد عرفت لذلك موضعا إن فعلته أصبت الرأي وظهرت على الأقران، وذلك أن يتورّدك متورّد بالسّفه والغضب وسوء اللفظ فتجيبه إجابة الهازل المداعب، برحب من الذّرع، وطلاقة من الوجه، وثبات في المنطق.
- وقال آخر: لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا السفيه فيجترىء عليك.
- وقال أفلاطن: لا تستعمل البطش حتى ينفد القول. لا تفرح بسقطة غيرك فإنك لا تدري تصرّف الأيام بك.
- يقال: لا تخلط يقينك بالشكّ فيفسد عليك العزم، ولا توقف عملك على الشكّ فيدخل عليك الوهن.
- قيل: أول كلام بارع سمع من سليمان بن عبد الملك قوله:
الكلام فيما يعنيك خير من الكلام فيما يضرك.
- وقال سهل بن هرون: الهول إن كان عنه مندوحة فركوبه خطأ
وإلا فركوبه صواب، فإن كنت راكبا هولا لاجترار نفع دونه مقنع، أو لدفع ضرر له مدفع فموضعه خطأ، وإن كنت دافعا به أعظم منه ومضطرا إليه غير مزحزح عنه فموضعه صواب.
- ولأبي مسلم كلام يشبه هذا قد ذكرناه في فصل الأخبار.
- وقّع مروان بن محمد إلى عامله بالكوفة: حاب علية الناس في كلامك، وسوّ بينهم وبين السفلة في أحكامك.
- قالت القدماء: لا ينبغي لأحد أن يمنع ناسكا شيئا يتقرّب به إلى الله، ولا يمنع السلطان شيئا يستعين به على صلاح أمور العامة، ولا يمنع صديقه شيئا يفرّج به كربته ويجبر مصيبته.
- وقالوا: أحسن القول لا يتمّ إلا بحسن الفعل كالمريض إذا عرف دواء مرضه فلم يتداو به لم ينتفع بعلمه ولا يجد منه راحة ولا خفّة.
- قال كسرى: لا تنزل ببلد ليس فيه خمسة أشياء: سلطان قاهر، وقاض عادل، وسوق قائمة، وطبيب عالم، ونهر جار.
- قال عمر بن الخطاب ﵁: لا يكن حبّك كلفا ولا
بغضك تلفا. وأتمّ من هذا الخبر المرويّ: أحبب حبيبك هونا ما فعسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما فعسى أن يكون حبيبك يوما ما. وشبيه به قول الشاعر وهو النمر بن تولب:.
وأحبب حبيبك حبّا رويداإذا أنت حاولت أن تحكما
وأبغض بغيضك بغضا رويداإذا أنت حاولت أن تصرما
- قيل في حكمة الهند مكتوب: اليقين بالقدر لا يمنع العاقل توقّي الهلكة، وليس لأحد أن ينظر في القدر المغيّب، وإنما عليه أن يأخذ بالحزم، ونحن نجمع تصديقا بالقدر وأخذا بالحزم.
- وقال المأمون: ليس من توكّل المرء إضاعة الحزم، ولا من الحزم إضاعة التوكل.
نظر إلى هذا المعنى محمد بن عبد الملك الزيات في كتاب كتبه: لا تخدعنّك نفسك عن الحزم فتمثّل لك التواني في صورة التوكل، فتسلبك الحذر وتورثك الهوينا باحالتك على الأقدار، فإن الله تعالى إنما أمر بالتوكل عند انقطاع الحيل، وبالتسليم بعد الإعذار والاجتهاد، بذلك أنزل الله كتابه وبه أمضى سنته، قال الله ﷾: خُذُوا حِذْرَكُمْ
وقال رسول الله ﷺ: اعقل وتوكّل.
- وكتب كاتب: ولعاجل الحزم مؤونة تؤدّي إلى خفض ودعة، وللعجز من يسير الراحة ما يفضي بأهله إلى جهد ومنصبة.
- قال الحسين بن علي ﵉: إذا وردت على العاقل ملمّة قمع الحزن بالحزم، وقرع العقل للاحتيال.
- وقال جعفر بن محمد: من كان الحزم حارسه والصدق حليفه، عظمت بهجته وتمّت مروءته.
- قال الشيرازي سألت المفيد الجرجرائي عن قول جعفر بن محمد: الحزم سوء الظن، وعن قول أبيه: من حسن ظنّه روّح عن قلبه، فما هذه المضادة؟ قال: يريد بسوء الظن ألا تستنيم إلى كلّ أحد فتودعه سرّك وأمانتك، ويريد بحسن الظنّ ألا تسيء ظنّك بأحد أظهر لك نصحا، وقال لك جميلا، وصحّ عندك باطنه، وهو مثل قولهم: احمل أمر أخيك على أحسنه حتى يبدو لك ما يغلبك عليه.
- وسئل محمد بن علي بن موسى عن الحزم فقال: هو أن تنتظر فرصتك وتعاجل ما أمكنك.
- قال جعفر بن محمد: لا تحدّث من تخاف أن يكذّبك، ولا تسأل من تخاف أن يمنعك، ولا تأمن من تخاف أن يغدر بك.
- وقال علي بن موسى: اصحب السلطان بالحذر، والصديق بالتواضع، والعدوّ بالتحرز، والعامة بالبشر.
- وقال محمد ابنه: من هجر المداراة قارنه المكروه، ومن لم يعرف الموارد أعيته المصادر.
- وقال: اتئد تصب أو تكد.
- وقال الحسن بن محمد بن علي: ادفع المسألة ما وجدت التجمل يمكنك، فإن لكلّ يوم خيرا جديدا. والإلحاح في المطالب يسلب البهاء إلا أن يفتح لك باب يحسن الدخول فيه، فما أقرب الصّنع من الملهوف، وربما كانت الغير نوعا من آداب الله تعالى. والحظوظ مراتب فلا تعجل على ثمرة لم تدرك فإنك تنالها في أوانها. والمدبّر لك أعلم بالوقت الذي يصلح فيه فثق بخيرته في أمرك، ولا تعجل في حوائجك فيضيق قلبك ويغشاك القنوط.
- وقال: أضعف الأعداء كيدا من أظهر عداوته.
- قال صاحب كليلة ودمنة: صحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث الندامة، كالريح التي إذا مرّت على الطيب حملت طيبا، وإذا مرّت على النتن حملت نتنا، والعاقل لا تبطره منزلة أصابها كالجبل الذي لا تزلزله شدة الرياح.
- قال عثمان بن أبي العاص: الناكح مغترس فلينظر امرؤ أين يضع نفسه.
- وقالت هند بنت عتبة: المرأة غلّ لا بدّ منه للعنق فانظر من تضعه في عنقك.
- ومن كلام الحكماء: من ترك ما لا طاقة له به كان أستر لمكتوم أمره وأبقى للآمال فيه. لا تشعر قلبك الغمّ مما فات فيشغل ذهنك عن الاستعداد لما تأتي به الأيام، وكن بحسن الظنّ بما عند الله تعالى أوثق منك بما في يديك فإنك تضنّ بما تملك وذلك على الله يسير، وفي كلّ حركة وساعة أمر حادث وقدر جار بتبديل الأحوال وتنقّل الدول. تجنبوا المنى فإنها تذهب ببهجة ما خوّلتم، وتستصغرون مواهب الله عندكم وتعقبكم الحسرات على ما أوهمتموه منها أنفسكم، وهي مكيدة من مكايد إبليس للعبد، وختل له عن الشكر، واستدراج إلى استصغار عظيم المواهب.
- وقيل لأفلاطن: كيف يغمّ الإنسان عدوّه؟ قال يغمّه إذا أصلح نفسه.
- وقال عبد الله بن الحسن: المراء يفسد الصداقة القديمة ويحلّ العقدة الوثيقة، وأقلّ ما فيه أن تكون المغالبة، والمغالبة أمتن أسباب القطيعة.
- ومن كلام علي ﵇: أيها الناس ليركم الله من النعمة
وجلين كما يراكم من النقمة فرقين، إنه من وسّع عليه في ذات يده فلم ير ذلك استدراجا، فقد أمن مخوفا، ومن ضيّق عليه في ذات يده فلم ير ذلك اختبارا فقد ضيّع مأمولا.
وقد جمع ابن المقفع في رسالته المسماة بالدرة اليتيمة ما فرقه غيره مما يليق بهذا الباب، وبسط الكلام، إيضاحا للمعاني، وأنا ذاكره الآن وإذا تأمله المتصفح وجد معانيه منبوذه في النثر الذي نقلناه عن المتقدمين في هذا الفصل، إلا أن كلامه حاو كعادة المصنفات في الاحتواء على معاني ما وضعت له.
- قال عبد الله بن المقفع:
يجب لطالب الأدب أن يعرف الأصول والفصول، ولا يكون كمن
طلب الفصل مع إضاعة الأصل، فلا يكون [دركه] دركا، فإن إحراز الأصل كاف، فإن أصاب بعدها الفصل كان أفضل. فأصل [الأمر في] الدين أن تعتقده على الصواب، وأن تؤدّي الفرائض وتجتنب الكبائر، فالزم ذلك لزوم من إن فرّط فيه هلك، ثم إن قدرت على أن تجاوزه إلى العبادة والفقه فهو أفضل. وأصل إصلاح الجسد ألا تحمل عليه من المأكل والمشرب والباه إلّا خفّا، ثم إن قدرت على علم منافع الجسد ومضارّه مع الانتفاع لتنتفع به وتنفع فهو أفضل. وأصل الأمر في البأس الا تحدّث نفسك بالإدبار وأصحابك مقبلون على عدوّهم، ثم إن قدرت على أن تكون أول حامل وآخر منصرف من غير تضييع للحذر فهو أفضل. وأصل الأمر في الكلام أن تسلم من السّقط بالتحفظ، ثم إن قدرت على بارع الصواب فهو أفضل. وأصل الأمر في الجود ألا تضنّ بالحقوق على أهلها، ثم إن قدرت أن تزيد ذا الحقّ على حقه، وتطّوّل بالفضل على من لا حقّ له فهو أفضل. وأصل الأمر في المعيشة ألّا تني في طلب الحلال، وأن تحسن التقدير لما تفيد وتنفق، وأن لا تعدل عن ذلك لسعة فيها، فإن أعظم الناس في الدنيا خطرا أحوجهم إلى التقدير، والملوك أحوج إليه من السوقة، لأن السوقة تعيش بغير مال، وان الملك لا قوام له بغير مال وسعة، وان قدرت على الرفق واللطف في الطلب والعلم بالمطالب فهو أفضل.
ابذل لصديقك نفسك ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك،
وللعامة بشرك وتحنّنك، ولعدوّك عدلك، واضنن بدينك وعرضك عن كلّ أحد إلا أن تضطرّ إلى بذل العرض للوالي أو للوالد، ومن سواهما فلا.
اخزن عقلك وكلامك إلا عند إصابة الموضع فإنه ليس في كل حين يحسن الصواب.
إن رأيت صاحبك مع عدوّك فلا يغضبك ذلك عليه فإنّما هو أحد رجلين، إن كان رجلا من إخوان الثقة فأنفع مواطنه لك أقربها من عدوك لشرّ يكفّه عنك، وعورة يسترها منك، وغائبة يطّلع عليها لك، وإن كان رجلا من غير خاصّة إخوانك فبأيّ حقّ تقطعه من الناس وتكلّفه ألّا يصاحب ولا يجالس إلا من تهوى؟
وإن استطلت على الإخوان والأكفاء فلا تثق منهم بالصفاء.
إن أردت أن تلبس ثوب الجمال وتتحلّى حلية المروءة فكن عالما كجاهل وناطقا كعييّ، فأما العلم فيرشدك، وأما قلّة ادّعاء العلم فتنفي عنك الحسد، وأما المنطق إذا احتجت إليه فما بلّغ حاجتك لم يفتك، وأما الصمت فيكسبك المحبة والوقار.
إذا رأيت رجلا يحدّث حديثا قد علمته أو يخبر خبرا قد سمعته فلا تشاركه فيه ولا تفتحه عليه حرصا على أن يعلم الناس أنك قد علمته، فإن في ذلك خفة وسوء أدب وشحا.
لتكن غايتك فيما بينك وبين عدوّك العدل، وفيما بينك وبين صديقك الرضى، وذلك أن العدوّ خصم تصرفه بالحجة وتغلبه بالأحكام، والصديق ليس بينك وبينه قاض، إنما هو رضاه وحكمه.
ارتد لإخائك، فإن كان من إخوان الآخرة فليكن فقيها ليس بمراء ولا حريص، وإن كان من إخوان الدنيا فليكن حرا ليس بجاهل ولا كذاب ولا شرير [ولا] متسرع، فإن الجاهل أهل أن يهرب منه أبواه، وإن الكذاب لا يكون أخا صادقا لأن الكذب الذي يجري على لسانه إنما هو من فضول كذب قلبه، وإنما سمّي الصديق من الصدق، وقد يتّهم صدق القلب وإن صدق اللسان، فكيف به إذا ظهر الكذب على اللسان. وإن الشرير يكسبك العداوة فلا حاجة لك في صداقة تجرّ إليك العداوة، وإن التسرع تابع صاحبه.
فإذا آخيت أخا فلا تقطعه وإن ظهر لك منه ما تكره، فإنه ليس كالمرأة الرديّة تطلقها إذا شئت، ولكنه عرضك ومروءتك ولو كنت معذورا لنزل ذلك عند أكثر الناس بمنزلة الخيانة للإخاء. لا تعتذرنّ إلا إلى من يحبّ أن يجد لك عذرا. لا تستعيننّ إلا بمن تحبّ أن يظفر لك بحاجتك ولا تحدّثنّ إلا من يرى حديثك مغنما ما لم يغلبك اضطرار.
إذا أصاب أخوك فضل منزلة أو سلطان فأره أنّ سلطانه زاده عندك توقيرا وإجلالا من غير أن تزيده ودّا ولا نصحا، ولا تقرر الأمر بينك وبينه على ما كنت تعرف من أخلاقه فإن الأخلاق مستحيلة مع السلطان، وربما رأينا الرجل المدلّ على السلطان بقدمه قد أضرّ به قدمه.
احترس من سورة الغضب وسورة الحمية وسورة الحقد وسورة الجهل، واعدد لكلّ شيء من ذلك عدة تجاهده بها: من الحلم والتفكر والروية وذكر العاقبة وطلب الفضيلة، فليس أحد من الناس إلا فيه من كل طبيعة ونحيتة سوء غريزة، وإنما التفاضل في مغالبة طباع السوء، فأما أن يسلم
أحد من تلك الطبائع فمما ليس فيه مطمع.
ذلّل نفسك بالصبر على جار السوء، وعشير السوء، وجليس السوء، وخليط السوء، فإن ذلك مما لا يكاد يخطئك.
اعلم أن بعض العطيّة لؤم، وبعض السلاطة عيّ، وبعض العلم جهل، فإن استطعت أن لا يكون إعطاؤك خورا ولا بيانك هذرا ولا علمك وبالا فافعل.
إن استطعت ألا تخبر بخير إلا وأنت مصدّق، ولا يكون تصديقك إلا ببرهان فافعل، ولا تقل كما يقول السفهاء: أخبر بكل ما سمعت، فإن الكذب أكثر ما أنت سامع، وإنّ السفهاء أكثر من هو قائل.
لا تصاحبنّ أحدا وإن استأنست به ذا قرابة ومودة ولا ولدا ولا والدا إلا بمروءة، فإن كثيرا من أهل المروءة قد يحملهم الاسترسال والتبذل على أن يصحبوا كثيرا من الخلطاء بالإدلال والتهاون، وإنه من فقد من صاحبه المروءة وإجلالها ووقارها أحدث ذلك في قلبه رقة شان وسخف منزلة.
لا يعجبك إكرام من أكرمك لمنزلة أو سلطان، فإن السلطان أوشك أمور الدنيا زوالا، ولا من يكرمك للمال، فإن المال يتلو السلطان في سرعة الزوال.
لا تخبر عدوّك أنك له عدوّ فتنذره بنفسك وتؤذنه بحربك قبل الاعذار والفرصة، فتحمله على التسلّح لك وتوقد ناره عليك؛ واعلم أنه أعظم لخطرك أن يرى عدوك أنك لا تتخذه عدوا فإن ذلك غرّة له وسبيل إلى المقدرة عليه، فإن قدرت ولم تكاف بالعداوة احتقارا، فهنالك استكملت عظم الخطر والمروءة، وان كافيت بها فإياك أن تكافئ عداوة السرّ بعداوة العلانية، وعداوة الخاصة بعداوة العامة، فإن ذلك هو الظلم والاعتداء. وليس كلّ عداوة تكافأ بمثلها، فالخيانة لا تكافأ بالخيانة، والسرقة لا تكافأ بالسرقة. ومن
الحيلة في أمر عدوك أن تصادق أصدقاء وتؤاخي إخوانه وتدخل بينه وبينهم في سبيل الشقاق والتجافي.
لا تتخذنّ الشتم واللعن على عدوك سلاحا، فإنه لا يجرح في نفس ولا مال ولا دين ولا منزلة، بل احص معايبه ومعايره وتتبع عوراته، حتى لا يشذّ عنك صغيرها ولا كبيرها، من غير أن تشيع ذلك فيتقيك به ويستعدّ له، أو تذكرة في غير موضعه فيكون كمستعرض الهواء [بنبله قبل إمكان الرمي] ومن أحزم الرأي في عدوّك أن لا تذكره إلا حيث تضرّه وألا تعدّ يسير الضرّ يسيرا.
إن أردت أن تكون داهيا فلا تعلمنّ الناس ذلك، فإنه من عرف بالدهاء صار خاتل علانية، وحذره الناس، وإن من إرب الأريب دفن رأيه ما استطاع حتى يعرف بالمسامحة في الخليقة والطريقة.
عليك بالحذر في علمك والجراءة في قلبك. إن من عدوك من تعمل في هلاكه، ومنهم من تعمل في البعد عنه، ومنهم من تعمل في مصالحته، فاعرفهم على منازلهم، ومن أقوى القوة لك على عدوك أن تحصي على نفسك العيوب والعورات كما تحصيها على عدوك، وتنظر عند كلّ عيب تسمعه هل قارفت ما شاكله أم سلمت منه، فكاثر عدوّك بإصلاح عيوبك وتحصين عوراتك واحراز مقاتلك. وإن حصل من عيوبك وعوراتك ما لا تقدر على إصلاحه من ذنب قد مضى أو ذنب يعيبك عند الناس ولا تراه أنت عيبا فاحفظ ذلك وما عسى أن يقول فيه قائل من نسبك ومثالب آبائك وعيب إخوانك وأخدانك، ثم اجعل ذلك كلّه نصب عينك، واعلم أن عدوك مريدك بذلك، فلا تغفل عن التهيؤ له والإعداد لعدّتك وحجتك وحيلتك فيه سرا وعلانية، فأما الباطل فلا تروعنّ به قلبك ولا تستعدنّ له، ولا تشتغلنّ بشيء
من أمره فإنه [لا] يهولك ما لم يقع، فإذا وقع اضمحل.
واحذر المراء واعرفه ولا يمنعنّك حذر المراء من حسن المناظرة والمجادلة، واعلم أن المماري هو الذي لا يريد أن يتعلّم من صاحبه، [ولا يرجو أن يتعلم منه صاحبه] فإن زعم زاعم أنه إنما يجادل الباطل عن الحقّ فإن المجادل وإن كان ثابت الحجة حاضر البيّنة فإنه يخاصم إلى غير قاض، وإنما قاضيه عدل صاحبه وعقله، وإذا آنس عند صاحبه عقلا يقضي به على نفسه فقد اصاب وجه أمره، فإذا تكلم على غير ذلك كان مماريا.
إذا تراكمت عليك الأعمال فلا تلتمس الرّوح في مدافعتها والرّواغ فيها، فإنه لا راحة لك إلا في إصدارها، وإن الصبر عليها هو الذي يحقّقها، والضجر منها هو الذي يراكمها عليك. وإذا ورد عليك شغل وأنت في آخر قبله فلا تكدّر عليك الأول تكديرا يفسده، وليكن معك رأيك، فاختر أولى الأمرين فاشتغل به حتى يفرغ، ولا يعظمنّ عليك تأخير ما تأخر إذا أعملت الرأي معمله وجعلت شغلك في حقه.
اجعل لنفسك في كلّ شيء غاية ترجو القوة والتمام عليها، واعلم أنك إذا جاوزت الغاية في العبادة صرت الى التقصير، وان جاوزتها في حمل العلم لحقت بالجهال، وإن جاوزتها في تكلّف رضى الناس والخفة معهم في حاجاتهم كنت المسحور المضيّع.
لا تجالسنّ امرءا بغير طريقته، فإنك إن أردت لقاء الجاهل بالعلم، والجافي بالفقه، والعيي بالبيان، لم تزد على أن تضيع عقلك وتؤذي جليسك لحملك عليه ثقل ما لا يعرف، واعلم أنه ليس من علم يذكر عند غير أهله إلا عادوه ونصبوا له ونقضوه وحرصوا على أن يجعلوه جهلا، حتى إن
كثيرا من اللعب واللهو الذي هو أخفّ الأشياء على الناس، ليحضره من لا يعرفه فيثقل عليه ويغتّم به.
اتق الفرح عند المحزون، واعلم أنه يحقد على الطّلق ويشكر المكتئب. وإذا سمعت من جليسك حديثا يحدّث به عن نفسه أو عن غيره، مما تنكره وتستخفّه، فلا يكونن منك التكذيب والتسخيف، ولا يجرئنّك عليه أن تقول إنما حدّث عن غيره، فإن كلّ مردود عليه سيمتعض من الردّ، فإن كان في القوم من تكره له أن يستقرّ في قلبه ذلك القول لخطأ تخاف أن يعتقده أو مضرة تخشاها على أحد فإنّك قادر على أن تنقض ذلك في ستر فيكون أيسر للنقض، وأبعد من البغضة، واعلم أن خفض الصوت وسكون الريح ومشي القصد من دواعي المودّة إذا لم يخالط ذلك بأو ولا عجب.
تعلّم حسن الاستماع وإمهال المتكلم حتى ينقضي حديثه، وقلة التلفّت إلى الجواب والاقبال بالوجه والنظر الى المتكلم والوعي لما يقول.
ومن الأخلاق السيئة على كلّ حال مغالبة الرجل على كلامه والاعتراض فيه والقطع للحديث.
واعلم أن شدة الحذر عين عليك لما تحذر، وان شدة الاتقاء تدعو إلى ما تتقي.
إن رأيت نفسك قد تصاغرت الدنيا إليها، ودعتك نفسك إلى الزهادة فيها، على كل حال تعذّر من الدنيا عليك، فلا يغرنّك ذلك من نفسك على تلك الحال، فإنها ليست بزهادة ولكنها ضجر واستخذاء عند ما أعجزك من الدنيا، وغضب منك عليها بما التوى عليك منها، ولو تممت على رفضها أوشكت أن ترى من نفسك من الضجر والجزع أشدّ من ضجرك الأول، ولكن إذا دعتك نفسك إلى بغض الدنيا وهي مقبلة عليك فاسرع
إجابتها.
إذا كنت في جماعة قوم فلا تعمّنّ جيلا من الناس ولا أمة من الأمم بشتم ولا ذمّ، فإنك لا تدري لعلك تتناول بعض أعراض جلسائك، ولا تذمّنّ مع ذلك اسما من أسماء الرجال والنساء تقول: إنّ هذا لقبيح من الأسماء، إذا كنت لا تدري لعلّ ذلك يوافق لبعض جلسائك بعض أسماء الأهلين والحرم، ولا تستصغرنّ من هذا كلّه شيئا، فكلّه يجرح في القلب، وجرح اللسان أشدّ من جرح اليد.
- وصّى محمد بن علي بن الحسين بعض أصحابه وهو يريد سفرا، فقال: لا تسيرنّ سيرا وأنت حاقن، ولا تنزلنّ عن دابة ليلا لقضاء حاجة إلا ورجلك في خفّ، ولا تبولنّ في نفق، ولا تذوقنّ بقلة ولا تشمّها حتى تعلم ما هي، ولا تشرب من سقاء حتى تعلم ما فيه، واحذر من تعرف، ولا تصحب من لا تعرف. تعلموا العلم فإن تعلّمه جنّة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعظيمه صدقة، وبذله لأهله قربة، والعلم منار الجنة، وأنس من الوحشة، وصاحب في الغربة، ورفيق في الخلوة، ودليل على السّرّاء، وعون على الضرّاء، وزين عند الاخلّاء، وسلاح على الأعداء، ويرفع الله به قوما ليجعلهم في الخير أئمة يقتدى بفعالهم وتقتصّ آثارهم، ويصلّي عليهم كلّ رطب ويابس وحيتان البحر وهوامّه وسباع البّر وأنعامه.
- ومن كلامه: صانع المنافق بلسانك، وأخلص مودتك للمؤمن، ولا تجاوز صدقاتك إلى كافر.
- وقال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم: بلغني أنك قد لهجت
بقول الشعر؛ قال: قد فعلت، قال: فإياك والتشبيب بالنساء فتعرّ الشريفة وترمي العفيفة وتقرّ على نفسك بالفضيحة، وإياك والهجاء فإنك تحنق عليك كريما وتستثير سفيها، وإياك والمديح فإنه طعمة الوقاح وتفحّش السّؤال، ولكن افخر بمفاخر قومك، وقل من الشعر ما تزين به نفسك وتؤدّب به غيرك.
- قال علي ﵇: عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شرّه بالإنعام عليه.
وللعرب وصايا فيها أدب حسن لمن تأملها، إلا أنّ أكثرها أمر بالسؤدد والجود والشجاعة وما يلائم طباعهم ويشاكل عوائدهم، وسأذكرها هنا ما يليق بهذا الباب خاصة.
- قيل إن عمرو بن حممة الدّوسيّ قضى بين العرب ثلاثمائه سنة، فلما كبر قرنوا به السابع أو التاسع من ولده، فإذا غفل الشيخ قرع له العصا، فكانت هذه الأمارة بينهما ليرجع إلى الصواب، وذلك قول الشاعر:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصاوما علّم الإنسان إلّا ليعلما
فلمّا خشي عليه قومه الموت اجتمعوا، فقالوا: إنك سيدنا وشريفنا فاجعل لنا سيدا وشريفا بعدك. فقال: يا معشر دوس، كلفتموني تعبا، إن القلب يخلق كما يخلق الجسم، ومن لك بأخيك كله (وهو أول من قالها) إن كنتم شرفتموني [فإني] أفرشتكم نفسي، وتحمّلت مؤنكم وخففت عنكم مؤونتي، وألنت لكم جانبي، افهموا ما أقول لكم: إنه من جمع بين الحقّ والباطل لم يجتمعا له، وكان الباطل أولى به، فإن الحقّ لم يزل ينفر من الباطل، والباطل ينفر من الحقّ. يا معشر دوس لا تشمتوا بالزلّة ولا تفرحوا بالعلو، فإنّ الفقير يعيش بفقره كما يعيش الغنيّ بغناه، ومن ير يوما ير به (وهو أول من قالها) وأعدّوا لكلّ امرىء قدره، وقبل الرماء تملأ الكنائن، ومع السفاهة الندامة، ولليد العليا العاقبة. إذا شئت وجدت مثلك. إن عليك كما أن لك. وللكثرة الرعب وللصبر الغلبة. من طلب شيئا وجده وإلّا يجده فيوشك أن يقع قريبا منه.
- ولما قتل قيس بن زهير أهل الهباءة خرج حتى لحق بالنمر بن قاسط، فقال: يا معشر النمر أنا قيس بن زهير، غريب حريب، طريد شريد موتور، فانظروا لي امرأة قد أدّبها الغنى وأذلّها الفقر. فزوجوه امرأة منهم يقال لها ظبية بنت الكبش النّمريّ. ثم قال: إني لا أقيم فيكم حتى أخبركم بأخلاقي: إني فخور غيور أنف، ولست أفخر حتى أبتلى، ولا أغار حتى أرى، ولا آنف حتى أظلم، فرضوا بأخلاقه، فأقام فيهم حتى ولد له، ثم إنه أراد التحول، فقال: يا معشر النمر، إنّي أرى لكم عليّ حقا بمصاهرتي لكم وإقامتي بين أظهركم، وإني آمركم بخصال وأنهاكم عن خصال: عليكم بالأناة
فبها تدرك الحاجة وتنال الفرصة، وتسويد من لا تعابون بتسويده، والوفاء فإن به يعيش الناس، وإعطاء من تريدون اعطاءه قبل المسألة، ومنع من تريدون منعه قبل الإلحاح، وإجارة الجار على الدهر، وتنفيس البيوت عن منازل الأيامى، وخلط الضيف بالعيال، وأنها كم عن الرهان فبه ثكلت مالكا أخي، وعن البغي فإنه صرع زهيرا أبي، وعن السّرف في الدماء فإنّ قتلي أهل الهباءة أورثني العار، ولا تعطوا في الفضول فتعجزوا عن الحقوق، وأنكحوا الأيامى الأكفاء، فإن لم تصيبوا الأكفاء فخير بيوتهن القبور، واعلموا أني أصبحت ظالما مظلوما- ظلمني بنو بدر بقتلهم مالكا أخي، وظلمتهم بقتل من لا ذنب له.
ثم رحل عنهم فلحق بعمان فأقام بها حتى مات.
- وصف عليّ كرم الله وجهه صاحبا له فقال: كان لي فيما مضى أخ في الله، وكان يعظّمه في عيني صغر الدنيا في عينه، وكان خارجا من سلطان بطنه، فلا يتشهّى ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد، وكان أكثر دهره صامتا، فإذا قال بذّ القائلين ونقع غليل السائلين، وكان ضعيفا مستضعفا، فإذا جاء الجدّ فهو ليث عاد وصلّ واد، لا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا، وكان لا يلوم أحدا على ما لا يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره، وكان لا يشكو وجعا إلا عند برئه، وكان يفعل ما يقول ولا يقول ما لا يفعل، وكان إن غلب على الكلام لم يغلب على السكوت، وكان على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم، وكان إذا بدهه أمران نظر أيّهما أقرب إلى الهوى فخالفه، فعليكم بهذه الخلائق فالزموها وتنافسوا فيها، وإن لم تستطيعوها فاعلموا أنّ أخذ القليل خير من ترك الكثير.
وقد ادّعى ابن المقفع أكثر هذا الكلام في رسالة له وألحق به: كان خارجا من سلطان فرجه فلا يدعو إليه مؤونة ولا يستخفّ له رأيا ولا بدنا، وكان خارجا من سلطان الجهالة، فلا يقدم أبدا إلّا على ثقة بمنفعة. كان لا يدخل في دعوى ولا يشرك في مراء. كان لا يشكو إلّا إلى من يرجو النصيحة لهما جميعا. كان لا يتبرّم ولا يسخط ولا يتشهّى ولا يتشكّى ولا ينتقم من الوليّ، ولا يغفل عن العدو، ولا يخصّ نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه وحيلته وقوته.
- ومن كلام الحسن بن علي ﵉: إذا سمعت أحدا يتناول أعراض الناس فاجتهد أن لا يعرفك، فإن أشقى الأعراض به معارفه، ولا تتكلّف ما لا تطيق ولا تتعرّض لما لا تدرك، ولا تعد ما لا تقدر عليه، ولا تنفق إلا بقدر ما تستفيد، ولا تطلب من الجزاء إلا بقدر ما عندك من الغناء، ولا تفرح إلا بما نلت من طاعة الله تعالى، ولا تتناول إلّا ما ترى نفسك أهلا له، فإنّ تكلّف ما لا تطيق سفه، والسعي فيما لا تدرك عناء، وعدة ما لا تنجز تفضح، والانفاق من غير فائدة حرب، وطلب الخير بغير غناء سخافة، وبلوغ المنزلة بغير استحقاق يشفي على الهلكة.
- لما احتضر قيس بن عاصم قال لبنيه: يا بنيّ احفظوا عنّي فإنه لا أحد أنصح لكم مني: إذا أنا متّ فسوّدوا كباركم ولا تسوّدوا صغاركم، فيحقر الناس كباركم وتهونوا عليهم، وعليكم بحفظ المال فإنّه منبهة للكريم، ويستغنى به عن اللئيم، وإياكم والمسألة فإنها أخر كسب الرجل.
قال الزبير بن عبد المطلب:.
إذا كنت في حاجة مرسلافأرسل حكيما ولا توصه
وإن باب أمر عليك التوىفشاور حكيما ولا تعصه
ولا تنطق الدهر في مجلسحديثا إذا أنت لم تحصه
ونصّ الحديث إلى أهلهفإنّ الوثيقة في نصّه
وإن ناصح عنك يوما نأىفلا تنأ عنه ولا تعصه
وكم من فتى عازب عقلهوقد تعجب العين من شخصه
وآخر تحسبه جاهلاويأتيك بالأمر من فصّه
- وقال الكميت بن زيد:.
وإن لم يكن إلّا الأسنّة مركبفلا رأي للمحمول إلّا ركوبها
- وقال أعرابي:.
إذا ضيعت أوّل كلّ أمرأبت أعجازه إلا التواء
وإن سوّمت أمرك كلّ وغدضعيف كان أمركما سواء
وإن داويت أمرا بالتناسيوباللّيّان أخطأت الدواء
- قال الرضيّ:.
كم قابس عاد بغير نارلا بدّ للمسرع من عثار
- وقال أيضا:.
من أشرع الرمح إلى ظهرهلا بدّ أن يقلب ظهر المجن
- وقال:.
ما كنت أجرع نطفة معسولةطوع المنى وإناؤها من حنظل
- وقال آخر:.
إياك والأمر الذي إن توسّعتموارده ضاقت عليك المصادر
فما حسن أن يعذر المرء نفسهوليس له من سائر الناس عاذر
- وقال محمد بن أبي شحاذ الضبيّ:.
إذا أنت أعطيت الغنى ثمّ لم تجدبفضل الغنى ألفيت ما لك حامد
إذا أنت لم تعرك بجنبك بعض مايريب من الأدنى رماك الأباعد
إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزلعليك بروق جمّة ورواعد
إذا العزم لم يفرج لك الشكّ لم تزلجنيبا كما استتلى الجنيبة قائد
وقلّ غناء عنك مال جمعتهإذا كان ميراثا وواراك لاحد
- قيل: العزلة توفّر العرض، وتستر الفاقة، وترفع ثقل
المكافأة.
- وقد قيل: ما احتنك أحد قطّ إلّا أحبّ الخلوة.
- قال الأحنف: أكرموا سفهاءكم فإنهم يكفونكم العار والنار.
- قال حكيم: لا تقبل الرئاسة على أهل مدينتك، ولا تتهاون بالأمر الصغير إذا كان يقبل النمّو، ولا تلاح رجلا غضبان فإنك تقلقه باللّجاج، ولا تجمع في منزلك بين نفسين تتنازعان في الغلبة، ولا تفرح بسقطة غيرك فما تدري كيف يدور الزمان، ولا في وقت الظفر فإنك لا تدري حدثان الدهر، ولا تهزأ بخطأ غيرك لأنّ المنطق لا تملكه، ولا تؤاخذ بالخطأ بنوع الصواب الذي في جوهرك، ولا تغرس النخل في منزلك. وينبغي للأديب أن يأخذ من جميع الآداب أجودها كما أن النحل يأخذ من كلّ زهر أطيبه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع