تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

ومما روي في مساوىء الأخلاق (٢)

- وذكر أن أنوشروان وضع الموائد للناس في يوم نوروز أو

مهرجان، وجلس ودخل وجوه أهل المملكة الايوان، فلما فرغوا من الطعام جاءوا بالشراب، وحضر الملهون، وأحضرت الأنقال والمشموم في آنية الذهب والفضة، فلما رفعت آلة المجلس أخذ بعض أولئك جام ذهب وزنه ألف مثقال، فطواه وأخفاه تحت ثيابه، وأنوشروان يراه، وافتقد صاحب الشراب الجام فقال بصوت عال: لا يخرجنّ أحد من الدار حتى يفتّش، فقال كسرى ولم ذاك؟ قال: قد افتقدت جام ذهب، فقال كسرى: لا تعرض لأحد، فقد أخذه من لا يرده، ورآه من لا ينمّ عليه، وأخذ الرجل الجام فكسره، وصاغ منه منطقة وحلية لسيفه وسكينه، وجدّد به كسوة جميلة، فلما كان في يوم جلوس الملك لمثل ما كان جلس له دخل ذلك الرجل بتلك الحلية والزينة، فدعاه كسرى فقال له: هذا من ذاك؟ فقبّل الأرض وقال: نعم.

- وقعد معاوية للناس في يوم عيد، ووضعت الموائد، وأحضر أكياسا فيها دنانير ودراهم، صلات وجوائز، ووضعت بالقرب من مجلسه، فجاء رجل فجلس على بعض تلك الأكياس، فصاح به الخدم تنحّ فليس لك هذا بموضع، فسمع ذلك معاوية فقال: دعوا الرجل يقعد حيث انتهى به مجلسه، فأخذ كيسا فوضعه بين بطنه وحجزة سراويله وقام، فلم يجترىء أحد أن يدنو منه، فقال الخازن: أصلح الله أمير المؤمنين إنه قد نقص من المال كيس دنانير، فقال: أنا صاحبه وهو محسوب لك.

- وخرج سليمان بن عبد الملك في حياة أبيه إلى منتزه له، فنزل

بعض المروج المعشبة، فبسط له فتغدّى، وأقام فيه إلى حين الرواح، فلما حان انصرافه تشاغل غلمانه بالترحال، فجاء أعرابي فوجد منهم غفلة، فأخذ دوّاجا لسليمان مثمنا فوضعه على عاتقه، وسعى وسليمان ينظر إليه، ورآه بعض حشم سليمان فصاح به: ألق ما معك، فقال الأعرابي: لا ألقيه ولا كرامة لك، وهذا كسوة الأمير وخلعته، فضحك سليمان وقال: صدق أنا كسوته، فمرّ كأنه إعصار ريح.

حكى بعض أسباب عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزير أنه كان في أيام وزارته يذكر موسى بن بغا فيترحم عليه، ويتلهف على أيامه وطيبها، فقلت له يوما: قد أسرفت في هذا الباب، ولو رآك موسى بن بغا في حالك هذه لرضي أن يقف على سيفه بين يديك، فقال لي: أنا أحدّثك الآن بحديث واحد من أحاديثه فإن استحقّ ما أنا عليه وإلا فلمني، وأنشأ يحدثني قال: كنا بالري، وكنت قد عرّفته أني قد استفدت معه مائة ألف دينار، ورحلنا نريد سرّ من رأى، فلما نزلنا همذان دعاني يوما وإذا هو مشمئزّ مقطّب، فقال لي:

أريد مائة ألف دينار لا بدّ منها، فقلت له: قد استخرجنا مال البلاد وأخذناه وأجحفنا بأهلها فمن أين؟ قال: لا أدري لا بدّ منها البتة، فقام في نفسي أنه يريد المال الذي عرّفته أني قد أفدته، فقلت له: عندي المال الذي قد علمته، وهو مائة ألف دينار، خذه، فقال: تلك دعها بحالها لست أريدها، ولي فيها تدبير، وما أبرح من ها هنا أو تحصّل لي من مال البلاد مائة ألف دينار، فما زلت قائما وقاعدا ومكاتبا، وهو مقيم بهمذان لا يبرح منها، حتى حصّلتها وعرّفته خبرها، فلما عرفه أمسك عني، حتى إذا صار بخانقين دعاني فسألني عن المال، فعرّفته حصوله وحضوره، فقال لي: كنت عرّفتني أنك حصلت من الفائدة معي مائة ألف، فعلمت أن أبا أيوب- يعني أباه سليمان- يلقاك فيقول

لك: أيّ شيء معك؟ وكم مقدار ما أفدت؟ فتعرفه ذلك، فيقول لك:

عليّ ديون ومؤن، وقد امتدت عيون أهلك ومواليك ومؤمّليك إلى ما تنصرف به، ويأخذ منك المائة الألف وتحصل أنت على غير شيء، فأردت المائة الأخرى لتكون لك بعد الذي أخذ منك أبو أيوب، فهذا يا فلان لا يجب أن يتذكّر في كلّ وقت ويترحّم عليه؟ فقلت: بلى والله يا سيدي.

ومما يعد من محاسن الأخلاق الصمت: وقد ورد ما جاء فيه مكانا آخر مع الآداب الدنيويّة، ونجدّد من ذكره ها هنا لئلا يخلو الباب منه من غير تكرير للأوّل:

- قال عمرو بن العاص: الكلام كالدواء، إن أقللت منه نفع، وإن أكثرت منه قتل.

- لما خرج يونس ﵇ من بطن الحوت طال صمته، فقيل له: ألا تتكلم؟ فقال: الكلام صيّرني في بطن الحوت.

- وقال علي ﵇: إذا تمّ العقل نقص الكلام.

- تحدثوا عند الأوزاعي وفيهم أعرابي من بني عليم بن جناب لا يتكلم، فقيل له: بحقّ ما سميتم خرس العرب، أما تحدث؟ فقال: إنّ الحظ للمرء في أذنه، وإن الحظ في لسانه لغيره، فقال الأوزاعي: لقد حدثكم فأحسن.

- كان يقال: من السكوت ما هو أبلغ من الكلام؛ إن السفيه إذا سكت عنه كان في اغتمام.

- قيل: كان بهرام جور قاعدا ليلة تحت شجرة، فسمع منها صوت طائر، فرماه فأصابه، فقال: ما أحسن حفظ اللسان بالطائر والإنسان، لو حفظ هذا لسانه ما هلك.

شاعر:

أقلل من القول تسلم من غوائلهوارض السكوت شجى في الحلق معترضا

قيل لبعضهم: الصمت مفتاح السلامة، فقال: ولكنه قفل الفهم.

وقال الشاعر في مثله:

خلق اللسان لنطقه وكلامهلا للسكوت وذاك صوت الأخرس

وقال أبو عطاء:

أقلّبه كيلا يكلّ بحبسهوأبعثه في كلّ حقّ وباطل

قال علي ﵇: أكرم عشيرتك فانهم جناحك الذي به تطير وأصلك الذي إليه تصير، وانك بهم تصول وبهم تطول، وهم العدّة عند الشدة، فأكرم كريمهم، وعد سقيمهم، وأشركهم في أمورك ويسّر عن معسرهم.

- قال زادان: أتيت ابن عمر وقد أعتق مملوكا له، فأخذ من الأرض عودا فقال: مالي من الأجر ما يساوي هذا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من لطم مملوكه أو ضربه فكفّارته أن يعتقه.

- وقال ﷺ: عاقبوا أرقاءكم على قدر عقولهم.

- قال المعرور بن سويد: دخلنا على أبي ذرّ بالرّبذة فإذا عليه برد وعلى غلامه مثله، فقلنا: لو أخذت برد غلامك إلى بردك فكانت حلة، وكسوته ثوبا غيره، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليكسه مما يلبس، ولا يكلّفه ما يغلبه، فإن كلّفه ما يغلبه فليعنه.

- أبو هريرة رفعه: لا يقولنّ أحدكم عبدي وأمتي، كلّكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي. ولا يقل أحدكم: اسق ربك، أطعم ربك، وضّىء ربك، ولا يقل أحدكم: ربي ولكن سيدي ومولاي.

- وعن النبيّ ﷺ: حسن الملكة نماء، وسوء الخلق شوم.

- أبو مسعود الأنصاري: كنت أضرب غلاما لي، فسمعت من

خلفي صوتا: اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود الله أقدر عليك منك عليه، فالتفتّ فإذا هو النبيّ ﷺ. فقلت: يا رسول الله، هو حرّ لوجه الله فقال:

أما لو لم تفعل للفحتك النار.

- وقال هلال بن يساف: كنا نزولا في دار سويد بن مقرن، وفينا شيخ فيه حدة ومعه جارية، فلطم وجهها، فما رأيت سويدا أشدّ غضبا منه ذلك اليوم قال: أعجز عليك إلّا حرّ وجهها؟ لقد رأيتني سابع سبعة من ولد مقرن ما لنا إلا خادم فلطم أصغرنا وجهها، فأمرنا النبيّ ﷺ بعتقها.

- قال عبد الله بن طاهر: كنت عند المأمون ثاني اثنين، فنادى بالخادم: يا غلام يا غلام بأعلى صوته، فدخل غلام تركي فقال: ألا ينبغي للغلام أن يأكل أو يشرب أو يتوضّأ أو يصلي؟ كلما خرجنا من عندك تصيح يا غلام يا غلام، إلى كم يا غلام يا غلام؟! فنكس رأسه طويلا فما شككت أنه يأمرني بضرب عنقه، فقال: يا عبد الله إنّ الرجل إذا حسنت أخلاقه ساءت أخلاق خدمه، وإذا ساءت أخلاقه حسنت أخلاق خدمه، فلا نستطيع أن نسيء أخلاقنا لتحسن أخلاق خدمنا.

- وكان للمأمون خادم يتولى وضوءه فيسرق طساسه، فقال له يوما: كم تسرقها، فهلا تأتيني بها فأشتريها منك، قال فاشتر مني هذه التي بين يديك، قال: بكم؟ قال: بدينارين، فاشتراها منه وقال: فهذه الآن في أماني، قال: نعم قال: فلنا فيها كفاية إلى دهر.

- قال الشعبيّ: جاءت خادم لعليّ ﵇ تشكو إليه مؤذنا له، فقالت له: يا أمير المؤمنين إنه يؤذيني، وقلّ ما أمرّ إلا قال لي: أنا والله لك محبّ. قال علي: فإذا قال لك ذلك فقولي له: وأنا أيضا محبة، ففعلت ذلك، وقالت له: فمه؟ فقال: تصبرين ونصبر حتى يوفّي الله الصابرين أجرهم بغير حساب، قال: فجاءت الجارية فأخبرت بذلك عليا ﵇، فاستعبر لقوله: «تصبرين ونصبر»، ثم أرسل إليه فوهبها له وجعل الجمع بينهما ثواب صبرهما.

وروي أن رجلا من بني عبد الأشهل يقال له معاذ القاري أبو حليمة كان يصلي بالناس القيام في ولاية عمر وعثمان، وكان عابدا قليل الكلام، وأنه رأى جارية لزيد بن ثابت ﵁ فأعجبته، فكانت إذا مرّت به نظر إليها نظرا شديدا، فاخبرت به زيدا، فأمرها فتهيأت وبعث إليه فأجلسه معها، وقال لها: إذا قمت فكلّميه وانظري ما يقول لك، فقام زيد معتلا بالوضوء، فأقبلت عليه فقالت: يا معاذ، أنا والله أحبك، قال: وأنا والله، قالت: فما الحيلة؟ قال: تصبرين كما أصبر، ثم خرج زيد إليهما، فانصرف معاذ، فأخبرته بما قالت له وقال لها، فبعث بها زيد إليه ووهبها له.

قيل: جاء رجل من قريش إلى محمد بن عبد العزيز فسأله، فقال: والله ما وجدت الحاجة حاضرة، ولكن تروح العشية تجدها مهيأة إن شاء الله. وأرسل فادّان وهيأ حاجة الرجل ووضعها تحت مصلّاه وقد حضر إخوانه، فجاء الرجل بالعشيّ فقال: قوموا بنا، وأقام إخوانه وقال للرجل:

حاجتك تحت المصلّى، فقال له أبو ثابت: سبحان الله قد هيّأت له مالا فهلّا أعطيته إياه؟ فقال: والله ما كنت لأجمع عليه خصلتين: ذلّ المسألة والإعطاء من يدي إلى يده.

- مرض أحمد بن أبي دواد فعاده المعتصم وقال: نذرت إن عافاك الله أن أتصدّق بعشرة آلاف دينار، فقال أحمد: يا أمير المؤمنين فاجعلها لأهل الحرمين فقد لقوا من غلاء الأسعار عنتا، فقال: نويت أن أتصدق بها على من ها هنا وأطلق لأهل الحرمين مثلها، فقال أحمد: أمتع الله الإسلام وأهله بك، فإنك كما قال النمريّ لأبيك الرشيد:

إنّ المكارم والمعروف أوديةأحلّك الله منها حيث تجتمع
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
من لم يكن بأمين الله معتصمافليس بالصلوات الخمس ينتفع

فقيل للمعتصم: عدته ولا تعود جلّة أهلك؟ فقال: كيف وما وقعت عليه عيني قط إلا ساق إلى أجرا أو أوجب لي شكرا، وما سألني حاجة لنفسه قط.

- قال علي بن الجنيد: كانت بيني وبين يحيى بن خالد مودة وأنس، وكنت أعرض الرقاع في الحوائج، فكثرت رقاع الناس عندي واتصل شغله، فقصدته يوما فقلت: يا سيدي قد كثرت الرقاع وامتلأ خفي وكمي، فإما تطوّلت بالنظر فيها وإما رددتها، قال فقال لي: أقم عندي حتى أفعل ما سألت، فأقمت وجمعت الرقاع في خفي، وأكلنا وغسلنا أيدينا وقمنا للنوم،

واستحييت من إذكاره، ويئست من عرضها، لأني علمت أنا نقوم ونتشاغل بالشرب، فنمت، ودعا هو بالرقاع من خفّي فوقع في جميعها وردّها إليه، ونام وانتبه، ودخلت إليه في مجلس الشرب فلم أستجز ذكر الرقاع له، وشربت وانصرفت بالعشي، وبكّر إليّ أصحاب الرقاع لما وقفوا على إقامتي عنده، فاعتذرت إليهم وضاق صدري بهم، فدعوت بالرقاع لأميزها وأخفّف منها ما ليس بمهمّ، فوجدت التوقيعات في جميعها، فلم يكن لي همة إلا تفريقها والركوب إليه لشكره، وقلت له: يا سيدي قد تفضّلت وقضيت حاجاتي فلم علّقت قلبي ولم تعرّفني حتى يتكامل سروري؟ فقال: سبحان الله، أردت منّي أن أمتنّ عليك بأن أخبرك بما لم يكن يجوز أن يخفى عليك؟!. وقال الرضيّ في ذم الأخلاق السيئة:

وأكثر من شاورته غير حازموأكثر من صاحبت غير الموافق
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «بود الرذايا أنها في السوابق»
إذا أنت فتشت القلوب وجدتهاقلوب الأعادي في جسوم الأصادق
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «بود الرذايا أنها في السوابق»
رمى الله بي من هذه الأرض غيرهاوقطّع من هذا الأنام علائقي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «بود الرذايا أنها في السوابق»
يظنّون أنّ المجد ممن له الغنىوأنّ جميع العلم فضل التشادق

وقال:

أكلّ قريب لي بعيد بودّهوكلّ صديق بين أضلعه حقد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لأي حبيب يحسن الرأي والود»

وقال:

بأخلاق كما دجت اللياليوأحساب كما نغل الأديم
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أمير المؤمنين بثثت فينا»

- ارسطاطاليس: سوء العادة كمين لا يؤمن وثوبه.

قال عبد الله الدارمي: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب.

- قال أبو عبيدة: ألأم الناس الأغفال الذين لم يهجوا ولم يمدحوا.

»

- قيل لسقراط: هل من إنسان لا عيب فيه؟ قال: لو كان انسان لا عيب فيه لكان لا يموت.

- شاعر:

إذا نلت يوما صالحا فانتفع بهفأنت ليوم السوء ما عشت واجده

- قال هاشم بن عبد مناف: أكرموا الجليس يعمر ناديكم.

- قال روح بن زنباع: أقمت مع عبد الملك تسع عشرة سنة فما أعدت عليه حديثا إلا مرّة، فقال: قد سمعته منك.

- وقال الشعبي: ما حدثت بحديث مرتين رجلا بعينه.

- مرّ العبّاس بن عبد المطلب بابنه وهو نائم نومة الضحى، فركله برجله وقال: قم لا أنام الله عينك، أتنام في ساعة يقسم الله فيها الرزق بين عباده؟ أو ما سمعت ما قالت العرب: انها مكسلة مهزلة منساة للحاجة.

- والنوم على أنواع ثلاثة: نومة الخرق، ونومة الخلق، ونومة الحمق؛ نومة الخرق: نومة الضحى، ونومة الخلق هي التي أمر رسول الله ﷺ بها أمته: قيلوا فإن الشيطان لا يقبل، ونومة الحمق: النوم بعد العصر، لا ينامها إلا سكران أو مجنون.

- شاعر:

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلّهاكفى المرء فخرا أن تعدّ معايبه
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

- قال رسول الله ﷺ: حسب امرىء من الشر أن يخيف أخاه المسلم.

- الحسن: لو جاءت كلّ أمّة بخبيثها وفاسقها وجئنا بالحجاج وحده لزدنا عليهم.

- وقيل للشعبي: أكان الحجاج مؤمنا؟ قال: نعم بالطاغوت.

- حميد شر الكوفي:

إني امرؤ فوق رأس الشرّ مضطجعيأغفي عليه ولا أغفي على السّرر
الشرّ يعلم أني إن ظفرت بهلم ينج مني بأنياب ولا ظفر

- قيل لأرسطاطاليس: ما بال الحسود أشد غما؟ قال: لأنه يأخذ بنفسه من غموم الدنيا، ويضاف إلى ذلك غمّه لسرور الناس.

- قال مالك بن دينار: شهادة القراء مقبولة في كل شيء إلا شهادة بعضهم على بعض، فأنهم أشد تحاسدا من السوس في الوبر.

- قيل لعبد الله بن عروة: لزمت البدو وتركت قومك، قال:

وهل بقي إلا حاسد على نعمة أو شامت على نكبة؟! - المتنبيّ:

ماذا لقيت من الدنيا وأعجبهاأني بما أنا باك منه محسود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

- سئل الحسن رحمة الله عليه: أيحسد المؤمن؟ قال: وما أنساك بني يعقوب؟

- كان الفضل بن صالح بن عبد الملك الهاشمي يهوى جارية لأخيه عبيد بن صالح، فسقى أخاه سما فقتله وتزوجها، فقال ابن برد الشاميّ وقد ظلمه في أرض له:

لئن كان فضل بزّني الأرض ظالمافقبلي ما أردى عبيد بن صالح
سقاه نشوعيا من السمّ ناقعاولم يتّئب من مخزيات الفضائح

- كان أسلم بن زرعة والي خراسان من قبل عبيد الله بن زياد ينبش قبور الأعاجم فربما أصاب فيها الذهب والفضة، فقال يهس بن صهيب الجرميّ:

تعوّذ بحجر واجعل القبر في الصّفامن الأرض لا ينبش عظامك أسلم
هو النابش القبر المحيل عظامهلينظر هل تحت السقائف درهم

- وكان - في عصرنا زنكي بن آق سنقر والي الموصل والشام، أقسى الناس وأعظمهم تجبرا، أما قسوته وغلظه على من ناوأه واتهمه فما يقصر فيهما عن الحجاج، وزاد عليه بأنه كان يعامل نداماه ومطربيه ونساءه وذوي هواه بما يعامل به أعداءه: خلا بجارية له بكر ليفتضّها فتلوّت تحته فضربها بالسيف حتى قتلها. واستدعى أخرى بكرا فرأت صاحبتها متشحطة في دمائها فكادت تموت فرقا. وكان له نديم محدث يتعاطى كثرة الشراب والزيادة على غير

نداماه، فسقاه الخمر العتيق الشاميّ صرفا وأكثر عليه وهو يستقيله ويستعطفه فلا يرجع، فتقطعت كبده ومات. وركب بغلة كان يؤثرها فحمحمت تحته فضرب عنقها بالسيف. وهو راكبها، ونزل فانتقل إلى أخرى.

وكان إذا رأى صبيا وضيئا خصاه وتركه في قلعة من قلاعه، ظنا منه أن نفسه تدعوه إليه فيما بعد، فيكون قد التحى، ولعله لا يذكره ولا يعلم ما يكون منه.

وسقى يوما بعض أصحابه خمرا صرفا في أقداح دسّها عليه في أثناء شربه، وأراد قتله سرا بذلك، فمرض ولم يهلك سريعا، وعالجه طبيب كان من أصحابه ولم يشعر بالقصة، فبرأ، فأحضره زنكي وقال له: عالجت فلانا وقد أردت قتله، فقال: كيف لي بعلم ذاك؟ وإنما أنا طبيب دخلت إلى مريض فداويته بما أخذ علينا في صناعتنا، ولو علمت أنك سقيته واعتمدت قتله ما دخلت إليه، فقال: اسقوه الخمر صرفا، فقال: الله الله اقتلني بالسيف ولا تعذبني، فلم يلتفت إلى تضرّعه، وسقاه حتى تقطعت كبده ومات بعد أيام.

(ومن مساوىء الأخلاق العقوق:) - قيل لبعض الفلاسفة: لم تعق والديك؟ قال: لأنهما أخرجاني إلى الكون والفساد.

(نوادر من هذا الباب) ورد على الصاحب بن عباد بعض كتّاب العراق ممن كان عرفه وقت مقامه ببغداد، وشكا سوء حاله، فأحسن إليه وولّاه عملا، وأجرى له في كلّ شهر خمسمائة درهم وكتب صكه بذلك، فحسده بعض الحاضرين

وقال للصاحب: إن هذا رجل مأبون معروف الطريقة بالفساد، وجميع ما تصله به وتوصله إليه ينفقه على من يرتكب منه الفضيحة، وأفرط في ذمّ الرجل والدلالة على قبائحه حتى ظنّ أنه قد أفسد حاله، فلما ردّ الصكّ إليه للتوقيع فيه لم يشكّ الساعي أنه يبطله أو يمزّقه، فلما نظر فيه كتب تحت ما كان قرّر له في كل شهر: ولغلام يخدمه ويستعين به خمسون درهما، ووقع في الصكّ وردّه إليه.

- اجتمع ثلاثة حسّاد فقال أحدهم لصاحبه: ما بلغ من حسدك؟ فقال ما اشتهيت أن أفعل بأحد خيرا قط، قال الثاني: أنت رجل صالح، ولكني ما اشتهيت أن يفعل أحد بأحد خيرا قط، قال الثالث: ما في الأرض أصلح منكما، ولكني ما اشتهيت أن يفعل بي أحد خيرا قط.

- قال المدائني: تذاكر قوم من ظراف أهل البصرة الحسد، فقال رجل منهم: إنّ من الناس من يحسد على الصّلب، فأنكروا ذلك عليه، ثم جاءهم بعد أيام فقال: الخليفة قد أمر أن يصلب الأحنف ومالك بن مسمع وقيس بن الهيثم وحمدان الحجام، فقال الحاضرون: هذا الخبيث يصلب مع هؤلاء؟! فضحك وقال: ألم أقل إن من الناس من يحسد على الصّلب؟! قال إبراهيم الموصليّ: كنت عند الرشيد يوما فرفع إليه في الخبر أنّ رجلا أخذه صاحب الجسر، رفع في قصته أنه يجمع بين الرجال والنساء في منزله، وأنه سئل عما رفع عليه فأقرّ بذلك على نفسه وذكر أنه يجمع بينهم على

تزويج لا على ريبة، وعلى نكاح لا على سفاح، وأنه شهد له بذلك جماعة من مستوري جيرانه وخلق كثير من وجوه الناس وأشرافهم، وشفع فيه من الكتّاب والقواد وأعيان العسكر قوم سمّاهم في آخر كتابه وما رفع من خبره؛ قال: فلما قرأ الرشيد الخبر واستوفاه تربّد واغتاظ وغضب واستشاط حتى أنكرناه وظننا أنه سينكّل بالرجل وبمن تكلم فيه، حتى قال: وما سبيلهم على رجل وسّع في منزله لصديقه، وأسبل عليه ستره، وسعى له فيما يطيب ويحلّ من لذته، وهو بعد مستراح للأحرار والأشراف وذوي الأقدار. ونحن نعلم أنّ الرجل الشريف المستور والأديب والأريب قد تكون عنده العقيلة بن بنات عمه وأشراف قومه ونظرائه، فتحظر عليه شهوته، وتملك عليه أمره، وهي أقبح من السحر، وأسمج من القرد، وأهرّ من الكلب، وأشدّ تعديا من الليث العادي، فبريد شراء الجارية أو تزويج الحرّة فلا يقدر على ذلك لمكانها، حتى يستريح إلى مثل هذا من الفتيان، ويغشى منزل مثله من الإخوان، يجعله سكنه، وينزل به مهمّه، فيساعده على حاجته، ويسعى له فيما يحبّ من لذته، ويستره بمنزله؛ اكتبوا في إطلاقه والسؤال عن حاله، فإن كان كما ذكر عنه من الستر وكان صادقا فيما حكى عن نفسه من الفعل أعين بألف دينار على مروءته، وأومن من روعته، وعرّف ما أمرنا به فيه، قال فقلنا جميعا:

سددك الله يا أمير المؤمنين ووفقك.

- قال أبو العيناء: رأيت جارية في النّخاسين تحلف لا ترجع إلى مولاها، فقلت: لمه؟ قالت: يا سيدي يواقعني من قيام ويصلّي من قعود، ويشتمني باعراب ويلحن في القرآن، ويصوم الاثنين والخميس ويفطر في رمضان، ويصلي الضحى ويترك الفجر.

- ظلمة القوادة يضرب بها المثل، كانت صبية في المكتب تسرق دويّ الصبيان وأقلامهم، فلما شبّت زنت، فلما أسنّت قادت، فلما قعدت اشترت تيسا تنزيه.

- ابن الحجاج:

إن تحسدوني فلا والله ما بلغتلولا الخساسة حالي موضع الحسد
وإنما في يدي عظم أمشّشهمن المعاش بلا لحم ولا غدد

- ابن حازم الباهلي:

مالي رأيتك لا تدوم على المودة للرجال
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
خلق جديد كل يوم مثل أخلاق البغال
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

وله:

ومتى اختبرت أبا العلاء وجدتهمتلونا كتلون البغل
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

- أبو تمام:

مساوىء لو قسمن على الغوانيلما جهّزن إلا بالطلاق

آخر:

الليث ليث وإن جزّت براثنهوالكلب كلب وإن طوّقته ذهبا

- حكي أن اعرابيا أخذ جرو ذئب فربّاه بلبن شاة عنده، فقال:

إذا ربيته مع الشاء أنس بها فيذبّ عنها ويكون أشدّ من الكلب، ولا يعرف طبع أجناسه، فلما قوي وثب على شاته فافترسها، فقال الأعرابي:

أكلت شويهتي ونشأت فينافمن انباك أن أباك ذيب

- قال رجل ملول: إنه ليبلغ من مللي أني أغيّر كلّ شهر كنيتي مرتين.

- وقال خالد بن صفوان: إنه ليبلغ من مللي أن أتبرم بنفسي فأتمنى أن يؤخذ مني رأسي فلا يردّ إليّ إلا في كلّ أسبوع.

- وقال بشار في نحوه:

إذا كان ذواقا أخوك من الهوىموجهة في كلّ أوب ركائبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «جفا وده فازور أو مل صاحبه»
فخلّ له وجه الفراق ولا تكنمطية رحّال كثير مذاهبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «جفا وده فازور أو مل صاحبه»

- شاعر يذم وقحا:

الصّخر هشّ عند وجهك [ ...] في الوقاحه

- في مثله:

يا ليت لي من جلد وجهك رقعةفأقدّ منها حافرا للأشهب

- آخر:

لك عرض مثلّم من قوارير ووجه ململم من حديد

- تشاجر رجلان فقال كل واحد منهما أنا ألأم، فتحاكما إلى رجل فقال: قد حكمتماني فأخبراني بأخلاقكما، فقال أحدهما: ما مرّ بي أحد إلا اغتبته ولا ائتمنني أحد إلا خنته، وقال الآخر: أنا أبطر الناس في الرخاء، وأجبنهم عند اللقاء، وأقلهم عند الحياء، فقال الرجل: كلا كما لئيم، وألأم منكما الحطيئة فإنه هجا أباه وأمّه ونفسه.

(من نوادر العقوق):

- ضرب رجل أباه فقيل له: أما عرفت حقّه؟ قال: لا فإنه لم يعرف حقّي، قيل: وما حقّ الولد على الوالد؟ قال: أن يتخير أمّه، ويحسن اسمه، ويختنه، ويعلمه القرآن، فكشف عن عورته فإذا هو أقلف، وقال:

اسمي برغوث، ولا أعلم حرفا من القرآن، وقد أولدني من زنجية، فقالوا للوالد: احتمله فانك تستأهل.

- جفا جحا أمه فقالت له: هذا جزائي منك وقد حملتك في

بطني تسعة أشهر؟! فقال: ادخلي في استي حتى أحملك سنتين وخلصيني.

- وقالت امرأة لابنها: هذا جزائي وقد أرضعتك سنتين؟ فقال:

ارتجعي عن دورقين لبنا دورقين محضا وأعفيني.

- كان لحنظلة النميري ابن عاقّ اسمه مرة، فقال له يوما: إنك لمرّ يا مرة فقال: أعجبتني حلاوتك يا حنظلة، فقال: إنك خبيث كاسمك، فقال: أخبث مني من سمّاني به، فقال: كأنك لست من الناس، فقال:

من أشبه أباه فما ظلم، قال: ما أحوجك إلى أدب، قال: الذي نشأت على يده أحوج إليه مني، قال: عقمت أمّ ولدتّك، قال: إذا ولدت من مثلك، قال: لقد كنت مشؤوما على إخوتك، دفنتهم وبقيت، قال:

أعجبني كثرة عمومتي، قال: لا تزداد إلا خبثا، قال: لا يجتنى من الشوك العنب.

- أمر بعض الملوك عاملا له أن يصيد شرّ طائر ويشويه بشرّ حطب، ويبعثه على يد شرّ رجل، فصاد رخمة، وشواها ببعر، ودفعها إلى خوزي، فقال الخوزي: أخطأت في كلّ ما أمرك به الملك، صد بومة، واشوها بدفلى، وادفعها إلى نبطي ولد زنا، ففعل، وكتب به إلى الملك، فقال الملك: أصبت، ولكن كفى أن يكون الرجل نبطيا لا يحتاج إلى ولد زنا، فليس يزداد النبطيّ بذلك شرارة، فقد بلغ بجنسه الغاية.

تمّ الباب الرابع بحمد الله ومنّه يتلوه باب الجود والسخاء والبخل واللؤم

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.